اطبع هذه الصفحة


لماذا يتساقطون؟

د. أحمد بن صالح الزهراني


من أسوأ الأخبار الّتي يسمعها المرء حَوْرُ فاضِلٍ بعد كَوْرِه، فإنّ من المحيّر كثيراً عملية النكوص بعد خوض تجربة الإيمان، بل تجربة الدعوة وربما الجهاد، فالأمر كما قال هرقل لأبي سفيان حين سأله عن أتباع النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- هل يرتد منهم أحد فقال له: لا، فقال هرقل: «كذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب».

النكوص والارتداد بكل مستوياته ابتداء بالردة إلى الكفر بالله بعد الإسلام أو الارتداد إلى حال العصيان بعد التوبة والصلاح والاستقامة، أو الارتداد إلى البدعة بعد السنة، كلّ هذه الصور صور يأسف المرء لها ويخاف منها، ولهذا كان من دعاء النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «اللهم يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على دينك» وكان دائماً ما يستعيذ من الحوْر بعد الكوْر.

والحقيقة أنّ المتأمل لحالة النكوص يجب ألاّ يغيب عنه جانب القدر ومبدأ الهداية والإضلال، فمن الأصول العلمية الثابتة في القرآن أنّ الله تعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء، كما قال تعالى: (لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ). [البقرة: 272] وقال: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ). [البقرة: 4]. وقال: (وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ). [النحل: 93]. وقال: (كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ). [المدثر:31].

فهذا الأصل مهم جداً في فهم جانب من جوانب الحالة؛ إذ كثيراً ما يكون الأمر خارجاً عن قدرة العبد، لكن ذلك ليس ظلماً له؛ لأنّ الله تعالى لا يضلّ شخصاً ويمنعه الهداية إلاّ عقوبة على كفره وزيغه عن الحق بعد أن تبين له، قال تعالى: (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ). [التوبة:115]. وقال عن قوم موسى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ). [الصف: 5]. فتأمل كيف ربط منع الهداية بالفسق والزيغ عن الحق.

بل إنّ الله تعالى يمنع الهداية، ويحرمها من يردّ أمر رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- ويتنصّل منه استثقالاً له أو كراهية، قال تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ). [النور:63]. قال الإمام أحمد في هذه الآية: "عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته ويذهبون إلى رأي سفيان - أي الثوري - والله تعالى يقول:(فَلْيَحْذَرِ الَذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ) أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا ردّ بعض قوله، أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك.

وهذا لا يمنع أن يكون الناكص صادقاً في إيمانه، لكنّه يُعاقب لخبيئة في قلبه، أو معصية سلوكية، أو ظلم للناس.

جانب آخر: نحن لا نرى من الناس إلاّ ظواهرهم والله تعالى يتولّى السرائر، وكم من رجل ظاهره الإيمان والتقوى وباطنه فسق وفجور، فالنكوص في هذه الحالة إنّما هو بحسب ما يظهر لنا، وإلاّ فنكوص المنافق وأصحاب بواطن السوء إنّما هو رجوع الظاهر وخضوعه لحكم الباطن، وهذا معنى ما رواه سهل بن سعد -رضي الله عنه- عن النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- وفيه: «إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار».  وهذا يفسر ما جاء في حديث ابن مسعود، من أن الرجل يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلاّ ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار، فالله تعالى أكرم من أن يصدّ من عمل الصالحات مؤمناً بقلبه طول حياته عن الجنة في آخر عمره، ولكنّها خبايا القلوب.

أمر أخير يهمني وهو الجانب الذي بأيدينا، ويقع عليه في رأيي بعض من مسؤولية التساقط الّذي نشهده..

إنّ المجتمع الدعوي والعلمي والتجمعات الإسلامية مثل الواحة التي يعثر عليها المسافر في وسط الفيافي والصحاري الحارّة، يراها من بعيد، فيسلبه جمال خضرتها ونضارة مياهها عقله وتفكيره، فيغذّ إليها السّير ممنياً نفسه بعيش لا كالعيش وراحة بال لا نظير لها..

وينسى أو يجهل في خضمّ فرحته بها أنّ الواحة بأشجارها ومياهها لا تخلو من أنواع الدواب والهوام القاتلة، وكم من رجل كان حتفه مدسوساً في قعر لذّته.

ومن الأمور التي يجب أن تكون من العلم المشاع أنّه لا عصمة لأحد بعد الأنبياء، فالعبد مهما بلغ في مراتب العلم والدين والزهد والعبادة يظل عرضة للزلل والخطأ وعوارض النقص البشري.

ومذهب السلف في الإيمان أنّ الرجل يجتمع فيه الإيمان وشعبة من شعب الكفر أو النفاق؛ فلا تناقض بين أن يكون الرجل مشهوراً بالعلم والدين، ويكون مع هذا متلبّساً ببعض المعاصي أو الصفات الذميمة كالشح والظلم والبغي.

بل إنّ السلامة ليست من شروط الولاية والتقوى، كما قال تعالى معدداً صفات المتقين: (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ). [آل عمران: 133-135].

وإذا كان كذلك فمن الطبيعي جداً أن يصادف المرء في المجتمع الإسلامي والدعوي والعلمي أو الجهادي أفراداً متلبسين بأنواع من ظلم النفس أو ظلم الغير، ولا يضرّ هذا أصل القاعدة، وهي أنّ الولاية والتقوى والحب والبغض والولاء والبراء والحمد والذم متعلق كلّه بالغالب على العبد وما يظهر للناس، فمن غلب خيره شره فهو من أهل الخير، والعكس صحيح.

وهذا الذي قلناه يجب أن يكون معلوماً مشاعاً لكل الناس؛ إذ العلم بهذا كفيل بدعم الوافد الجديد على المجتمع والبيئة الصالحة لتحمل الصدمات التي قد يصادفها، حين يرى في الأشخاص الذين كان يعدّهم صفوة الخلق وخلاصة الناس، ما لا يتفق مع تلك الصورة الخيالية المغرقة في المثالية.

كما أنّ هذا سيريح الناس من القيل والقال الذي يدور كلّما كشف الزمان خبايا بعض الصالحين من دعاة أو قضاة أو علماء حتّى؛ فقد اعتدنا أن يطير بهفوات الصالحين وزلاتهم بعض المجموعات الشاذّة عن الأمّة، ذلك لأنّها تظنّ أنّ الدعاة أو العلماء يقدمون أنفسهم كما يقدّم الرهبان والقساوسة أنفسهم في النصرانية، على أنّهم أفراد سامون فوق مستوى النزعات البشرية، وأنّه يُفترض فيهم ألاّ يقعوا في ما يستحق الذم والعقاب.

وهذا تصور خاطئ؛ فالعقيدة السلفية امتداد لمنهج الصحابة الكرام الذين كانوا يقدمون أنفسهم على أنّهم دعاة وهداة، مع أنّ بعضهم كان واقعاً في بعض تلك النقائص البشرية، فمنهم من شرب الخمر، ومنهم وقع في الزنا، ومنهم من اقتتل على أمور من الدنيا بنوع تأويل وغير ذلك، ومع هذا فهم الصفوة، وهم الخيرة من خلق الله؛ لأنّهم أصلاً لم يدّعوا عصمة من الزلل.

يجب أن يعلم الجميع أنّ توبة العبد ورجوعه إلى الحق بعد ضلال الشهوة أو الشبهة لا يعني أنّه انتقل من عالم الشياطين إلى عالم الملائكة، بل غاية الأمر أنّه انتقل من عالم بشري إلى عالم بشري أفضل منه وأقرب إلى الله، ولا يعني ذلك بالضرورة أنّه أصبح في حيّز السلامة المطلقة، بل إن لم يحفظه الله وإلاّ فكما قال تعالى مؤدباً صحابة نبيّه صلّى الله عليه وسلّم: (كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ). [النساء: 94].

فلا عجب إذن أن تصلي خلف إمام يبكي قبل أن يبدأ بالفاتحة فإذا انتهت الصلاة وقع في أعراض النّاس بغير حق، نعم لا عجب فهذا هو البشر، لا أقول إنّه لا تناقض، بلى إنّه كذلك، فالخوف الحقيقي ليس بذرف الدموع، وإنّما هو ذلك الذي يحجز صاحبه عن المعصية، وإنّما غرضي أنّه لا تناقض بين ولايته وتقواه وبين وقوعه في الخطيئة؛ لأنّه ليس بمعصوم.

ولا عجب أن تسمع العالم يشرح حديث الزهد والورع، ثم تراه بعد ذلك يستحلّ أنواعاً من البيوع المحرمة أو المشبوهة بنوع تأويل، نعم لا عجب؛ فهو في النهاية بشر.

ولا عجب - أخيراً – أن تخالط الأخيار من علماء أو دعاة، فترى منهم الظلم لبعضهم البعض، وترى التحاسد والتنافس غير الشريف، نعم لا عجب؛ فهم في النهاية بشر.


كلّ هذا لا أقوله دفاعاً عن الخطيئة ولا تسويغاً للمخطئ، وإنّما تقريراً لحقيقة تغيب عن كثير من الناس، ويجهلونها فتكون الصدمة بسبب الجهل بها سبباً في السقوط، ومن ثمّ الرجوع إلى حالة من العداء للدين وأهله بكافة شرائحهم من علماء ودعاة، وعادة ما تجد الحجة التي يرتكز إليها هؤلاء في تسويغ وتطبيع انحرافهم وسقوطهم هو ما علموه بسبب قربهم من الواقع الدعوي أو الجهادي من مخازٍ أو نقائص لا يسلم منها بشر، والأخطر أنّ هؤلاء تتلقفهم الجهات المعادية للدين، وتفتح لهم المجال للبوح والكلام بأمور لا تخفى على أهل العلم، ولا يعجبون لها، لكنّها عند هؤلاء صيد ثمين يستغلونه للطعن والتشويه والصدّ عن سبيل الله، منتفعين كثيراً بما يلقيه عليهم المتساقطون.. ولله الأمر من قبل ومن بعد.


المصدر : الإسلام اليوم

مقالات الفوائد