اطبع هذه الصفحة


رسالة إلى أبناء الوطن الغالي وأهل جدة خاصة..

د.فاطمة عمر نصيف


بسم الله الرحمن الرحيم


تحية من عند الله مباركة طيبة..
وتحية شكر وعرفان لكل من ساهم في إغاثة ونجدة أهالي جدة ومن حولها ، ودعاء من الأعماق أرفعه إلى ذي الجلال والإكرام أن يجزيهم عنا خير الجزاء ويحفظهم من كل بلاء وينفع بهم البلاء والعباد..
لقد كانت الكارثة كبيرة وعدد العاملين الذين مدوا أيديهم كان قليلاً قياسًا لحجم المأساة التي عمت جدة من أقصاها إلى أقصاها.
كنا نحتاج إلى مئات المسؤولين في المواقع ومئات الآلاف من المتطوعين حتى نستطيع أن ننقذ ما يمكن إنقاذه .
نحتاج جميعًا ( مسؤولين ورؤساء ومرؤوسين، مدراء وموظفين ) إلى وقفة محاسبة للنفس، ولنتذكر قوله تعالى (وقفوهم إنهم مسؤولون * مالكم لا تناصرون * بل هم اليوم مستسلمون ) سورة الصافات آية 24 ـ 26
ليسأل كل منا نفسه : هل أنا سبب في هذه الكارثة ؟!
هل بإهمالي وتقصيري حدثت الكارثة ؟!
هل خنت أنا الأمانة ؟! أم خنت العهد مع الله ومع الناس ؟! إن من ذنوب آخر الزمان تضييع الأمانة فقد قال صلى الله عليه وسلم ( إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة ) وصور تضييع الأمانة أصبحت واضحة لا تخفى على أحد !!!
لابد من وقفة المحاسبة هذه لعل الله يرحمنا فيما هو قادم .

أبناء وبنات وطني:
إن كثرة اللغط واللغو وكثرة النقد وقيل والقال لا تجدي في الكوارث والأزمات شيئًا .. بل هي إضاعة للوقت والجهد ومساهمة في تفاقم الأزمة ، لذا نهانا الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال ( إن الله كره لكم قيل وقال ..)
كما نهانا عليه الصلاة والسلام عن نقل الإشاعات ونشرها فقال ( كفى بالمرء إثمًا أن يحدث بكل ما سمع ) وكان الأجدى والأنفع في هذه الحالة الأفعال لا الأقوال .
كنت أتمنى أن أرى من الجميع نجدة وهمة وإغاثة وعملاً ودعمًا ، لا نقدًا وسبًّا وشتمًا وتبادل اتهامات ، بل وتراشقًا بالحجارة ، فلقد رأيت رجالاً من الأمانة العامة يخرجون الجثث من النفق ويرشقهم بعض المارة بالحجارة!!

أبناء الوطن الغالي .. نساءًا ورجالاً :
نحتاج إلى وقفة تأمل فيما حدث .. تأمل واعتبار مما حدث والتصرف بما يليق بنا كمسلمين أولاً وكمواطنين ! لقد رأيت رجالاً أشاوس واصلوا الليل والنهار في المواقع الخطرة ولكن كان عددهم قليل وإنما أجرهم عند الله كبير
جاء أحد التجار الكبار المعروفين عند النفق الغارق ( نفق طريق الملك ) ومعه مضخات لشفط الماء وكلَّم المسؤول عن عملية تفريغ النفق من الماء والجثث قائلاً : هؤلاء أبنائي ( وكانوا شبابًا ثلاثة بملابس نظيفة وسمت حسن ) جاؤوا ليساعدوكم فأرجو منحهم فرصة المساعدة والعمل معكم أريدهم أن يعودوا إلى البيت وقد اتسخت ثيابهم . وإن عادوا بنفس السمت سأغلق في وجوههم الباب !
وهذا مواطن آخر من كبار رجال الأعمال جاء بمضخة كبيرة وصعد على الشاحنة وثبت المضخة بيديه مساعدًا لهم في المهمة .
هذان نموذجان مشرفان للمواطن الصالح .
كما رأيت شبابًا شهمًا من كل القطاعات ( يحفظهم الله ) خاضوا في المياه ينقذون الأرواح بعد أن صنعوا من أجسادهم جسرًا بشريًا ، مضحين بأرواحهم ! فهنيئًا لهم وهنيئًا لوالديهم وهنيئًا للوطن بهم .
اللهم زدهم ولا تنقصهم وأكرمهم ولا تهنهم وأعطهم ولا تحرمهم.

أبناء وطني الغالي .. نساءًا ورجالاً .. شيبًا وشبابًا :
نحتاج إلى وقفة تأمل واعتبار مما حدث ، ثم وقفة محاسبة للنفس . ليسأل كل منا نفسه : هل ما حدث كان سببه معصيتي ، أم تضييعي لحقوق الله ؟!
أم خيانتي لعهد الله ، أم بظلمي لأحد من خلق الله ؟!!
هل سألنا أنفسنا : من الذي أرسل هذه الأمطار ؟ ومن الذي سمح لهذه السيول أن تغرق أحياءنا ؟!
قال تعالى : (( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون)) الروم آية 41
ومعنى الآية : أي لعل هذه الحوادث تكون عبرة لهم فيتراجعوا عن غيهم وفسادهم .
هذا بعض ما أذاقنا الله ، فهلا اعتبرنا وعدنا إلى الله تائبين ؟!! أم سنظل نرمي بأخطائنا على غيرنا ؟!
أم أننا قد وصلنا إلى درجة من الصلاح والتقوى أمنّا فيها من عقوبة الجبار ؟!
قال تعالى : (( أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتًا وهم نائمون * أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون * أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون )) الأعراف آية 97 ـ 99
فاللهم سلّم واحفظنا فإنا نعوذ بك من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.

أحبتي :
لازالت الفرصة متاحة ولازال في الوقت متسع ـ ربما دقائق، ربما ساعات ـ فلنسارع إلى التوبة والإنابة ورد الحقوق إلى أهلها ، والمسارعة بالعمل الصالح لعل الله يرحمنا فيدفع عنا من البلاء ما لا طاقة لنا به ولابد أن نتعلم جميعنا كيف نتصرف في الأزمات وكيف نساعد المتضررين في الكوارث ، ولابد أن نعمل بدلاً من أن نتكلم ولنكثر من الاستغفار الصادق. قال تعالى: (( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون)) الأنفال آية 33
ولندع الله جميعًا بهذا الدعاء صباحًا ومساءً فإنه لا يرد القضاء إلا الدعاء : (( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين)) البقرة آية 286
مع خالص الدعاء لكل من أصابه بلاء


محبتكم
د.فاطمة عمر نصيف

 

مقالات الفوائد