اطبع هذه الصفحة


صندوق النقد الإسلامي

محمود شمردن
إمام وخطيب بوزارة الأوقاف المصرية.


بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ


تألمت وأنا أتابع جولات الدكتور سمير رضوان وزير المالية المصري وهو يجوب الأرض شرقاً وغرباً باحثاً عن مخرج للأزمة الاقتصادية المصرية حيث باتت الأوضاع الداخلية تنذر بأزمة إن استمرت –لا قدر الله-على ما هي عليه ؛من فقر مدقع للملايين وازدادت البطالة عما ذي قبل وقلت الصادرات وهرب السياح لبلاد أخرى حتى يعود الأمن للوطن مرة ثانية,وأظن الصورة واضحة وليست بحاجة لبيان وشرح وهذا يتطلب التكاتف من كل الشرفاء والمخلصين من أبناء مصر الكرام للخروج بالبلاد إلى بر الأمان وتجاوز الأوضاع السيئة الحالية ولنسد الباب أمام المتعجلين وأصحاب المصالح السابقين في ظل النظام القديم والذي أعطاهم الأرض ومَن عليها وكأنها تركة يوزعونها فيما بينهم إضافة لبعض الناس البسطاء والذين لا ينظرون إلا تحت أقدامهم فكل هؤلاء السابق ذكرهم يمثلون عامل ضغط على الحكومة الحالية متحسرين على الماضي حتى ولو كان مراً .
يقولون :الحاجة أم الاختراع,فالمنطقة العربية تشهد ثورات على الظلم والفساد والاستبداد والديكتاتورية من نظم لم تعمل يوماً لمصلحة شعوبها ولكنهم يتحركون-أي النظم السابقة- وعيونهم مولية قِبل البيت الأبيض وقصر الإليزيه والأمم المتحدة تبغي رضاها وسندها والمحافظة على مصالحها ولو على حساب أوطانهم ولذلك تغاضت الدول الغنية عن جرائم هؤلاء الزعماء المفسدين في حق الإنسانية وكرامة الإنسان ليس حباً فيهم بل دفاعاً عن مصالح دولهم التي يعملون لخدمتها.
فهذا أدعى للتفكير الجدي للخروج من الأزمات الاقتصادية بصورة تحفظ علينا كرامتنا ونشيّد بها وطناً جميلاً كنا نحلم به ؛حيث الأمل والعمل واحترام الإنسان والرفاهية وبناء مجتمع فاضل على الخلق القويم.
ومن المنتظر والمتوقع حاجة الدول العربية إلى المال للبناء والتقدم وبدء مرحلة جديدة تنطلق فيها أمتنا للإمام وترك مقاعدنا الخلفية لغيرنا ونتبوأ مقاعد السيادة ونتقاسم الزعامة والريادة مع الدول الغنية ,ولكن هنا سؤال لا بد من طرحه وهو :من أين تحصل الدول العربية على المال اللازم للتنمية بعد نجاح ثورتها؟
ما هي الجهات المتاحة أمامها لطرق أبوابها طالبة منها العون ؟
هل الحصول على المساعدات الدولية يتم لوجه الله والوطن أم يحوي تنازلات لا يجوز الإفصاح عنها للرأي العام؟
هل لدينا جهات عربية أو إسلامية مانحة ومعروفة بعطائها بغير حساب؟
ماذا لو لم يتم توفير المال المطلوب لعملية التنمية؟
هل لدينا بدائل عن صندوق النقد الدولي أو الدول الكبرى والتي أجندتها معروفة للجميع؟
لماذا نلجأ في حل مشاكلنا لغيرنا؟ هل نحن فعلاً قصر لا نستطيع الاعتماد على أنفسنا ولا بد من مساعدة الآخرين؟
سنة سيئة وحان وقت الخلاص منها ومن عارها الذي لازمنا عقوداً من الزمان حتى صرنا وكأنه قدر مكتوب علينا ولا مفر منه ولا مهرب وهو في كل مشكلة نتذلل للآخرين ونقف أملم قصورهم نطلب إحسانهم لنا وهي صورة أقرب وصف لها أنها حالة من التسول الدولي ومع أننا نلوم المتسولين ونصفهم بصفات قادحة وتخدش حياءه إلا أننا للأسف حاكينا فعلته دون خجل من النفس العربية الأبية والتي كانت تأبى الخضوع والذل لأي إنسان كائناً ما كان ونسينا قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وهو يقول (اليد العليا خير من اليد السفلى....) وبالذات فإن معونتهم لنا يصاحبه ما أسار إليه القرآن الكريم(قول معروف ومغفرة خير ...)والأذى الصادر من الجهات المانحة للمساعدات سواء صندوق النقد الدولي أو الدول الغنية ملموس من خلال تطبيق سياسات ربما لا تصب في المصلحة الوطنية أو تفرض إجراءات معينة فيها نوع من التدخل السافر في شئوننا الداخلية وتمكين للغير أن يوجهنا التي يريدها هو وليس نحن ,ولذا جاء الوقت لنقول : لا للمساعدات الخارجية بعد اليوم ,لا لصندوق النقد الدولي بعد اليوم,لا للمساعدات الأمريكية أو البريطانية,نعم لمساعدات العربية والإسلامية ,نعم للاكتفاء الذاتي.
البديل المقترح والمشرِّف لنا ولأمتنا العربية والإسلامية: وهنا ما المانع لإنشاء صندوق على غرار صندوق النقد الدولي يمكن أن نطلق عليه:صندوق النقد الإسلامي,ولعل سائلاً يقول وما الهدف من وراء إنشائه ؟وما هي المكاسب التي يستطيع تحقيقها لنا؟

ويمكن تلخيص الهدف منه على النحو الآتي:

1-عودة العزة لعالمنا العربي والإسلامي بعد أن ولت عنه .
2-عدم مد اليد لغير المسلمين طالبين منهم أن يتفضلوا ويتصدقوا علينا.
3-الجهات الأجنبية المانحة لها مصالحها وأجندتها وهي لا تتفق-في مجملها- مع المصالح العليا للوطن العربي الكبير.
4-العالم العربي والإسلامي غني بالمال والثروات الطائلة التي يملكها عدد من الأفراد أو بعض الدول ولا سيما الدول الغنية بالبترول فلماذا نستدين من الآخرين؟.
5-الجهات الدولية المانحة للمساعدات معروف أن المسيطر عليها هم اليهود ومَن على شاكلتهم ونحن نعلم موقفهم منا ومن قضايانا.
6-ترك الدول العربية فريسة للإملاءات الغربية يوحي بأننا لدينا قطيعة في الرحم العربي والإسلامي وهو شيء محزن ومبك.
7-لدينا مشروعات عملاقة للتنمية واللحاق بركب الدول المتقدمة وهذا المشروع يحتاج للدعم المالي الكبير والمتوقع تلكؤ الجهات المانحة خوفاً من تحقيق الاكتفاء الذاتي العربي وهذا ما لا يريده الغرب حتى نظل معتمدين عليهم في كل شيء ,لأن هذا معناه ضرب مصالحهم الاقتصادية وبوارها وهذا له تأثيره الخطير على أوضاعهم المعيشية حيث يشكل العالم العربي أكبر مستورد للصناعات الغربية وأسواقنا مفتوحة أمام منتجاتهم.

عقبات طبيعية:
ولا نتصور أن الأمر هين وسهل تحقيقه فهو لا يحتاج إلا للإرادة السياسية العربية وهي موجودة خاصة بعد الثورات العربية التي قامت في منطقتنا ,ولكن يوجد المتربصون بمنطقتنا الذين يخشون ضياع دورهم في منطقة الشرق الأوسط التي كانوا هم أبطالها والقوة المؤثرة فيها. فلا يظن ظان أن الدول الغربية ستقول لنا :بارك الله فيكم وفي ثوراتكم ونحن أدينا دورنا معكم وسنرحل عنكم تاركين لكم فرصة الاعتماد على النفس فهذا خيال ومن يعتقده فهو واهم أو مغلوب على عقله ,وإنما المتوقع أن تقاتل هذه الدول القوية حتى آخر نفس لديها لتحول بيننا وبين مشروعنا القومي مستخدمين في ذلك كل الوسائل والأساليب حتى ولو كانت خسيسة أو مشينة لأنهم لو تركونا وما أردنا لنجونا ونجا عالمنا العربي الكبير ,أما لو أخذوا على أيدينا ومنعونا-وهو المتوقع-لهلكنا وتأخر الوطن العربي وهذه أمنيتهم-لا حققها الله تعالى لهم- التي يسعونا لها ما دامت أرواحهم في أبدانهم.

موارد الصندوق:
ولكي يتم قيام الصندوق بدوره فلابد أولاً من تحديد الموارد التي يتشكل منها الصندوق ومنها على سبيل المثال:
* مساهمة الدول العربية والإسلامية بحصة فيه تتوقف حجم الحصة على قوة الدولة الاقتصادية وتعدد موارد الدخل لديها ,فلا يعقل مثلاً تكليف فلسطين بحصة تساوي حصة دولة من دول الخليج العربي كالسعودية أو الإمارات.
* فتح الباب أمام الأفراد الراغبين في خدمة أوطانهم ولعل هذا يدخل في باب الصدقات الجارية .
* تخصيص جزء من أرباح الشركات العملاقة لهذا الصندوق .
*عمل مباريات في كرة القدم بين المنتخبات العربية يخصص دخلها لصالح المشروع الوليد.
* قيام بعض الفرق الإسلامية في الإنشاد مثل فريق طيور الجنة بإحياء بعض الحفلات على أن يخصص الدخل للصندوق.
* يمكن للبنوك التي تعمل في المجال الاقتصادي بعيداً عن الربا أن تساهم بجزء من أرباحها السنوية لدعم صندوق النقد الإسلامي.

هيكل صندوق النقد الإسلامي :

من المفيد في هذه المرحلة منح القائمين على إدارة صندوق النقد الإسلامي الاستقلالية في إدارته وبالتالي مطلوب عدم سيطرة دولة عربية أو إسلامية على شكل اتخاذ القرار فيه ,ويمكن منحه مقعداً دائماً في جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي .
ويشكل من المتخصصين في المجال الاقتصادي من العلماء والخبراء العرب والمسلمين والمشهود لهم بالكفاءة والوطنية والتخصص لإدارة هذا العمل العملاق العظيم.
وكذلك دعمه بالمبالغ اللازمة ليقوم بعمله خير قيام فمثلاً إنشاؤه في مكان لائق وعلى مساحة كبيرة من الأرض ومده بالوسائل العصرية في العمل .
ويعطى مساحة كبيرة من الحركة والعمل لبحث حاجة الدولة العربية أو الإسلامية التي تبغي الدعم للمجال الاقتصادي لديها وتقدر حجم الضرورة للقرض المقترح أخذه من الصندوق مع المتابعة الدقيقة لأوجه إنفاق المساعدة حتى لا تبدد دولة ما أموال الصندوق في مشروعات وهمية أو غير مفيدة بحجة أن المال مال العرب ,فالصندوق مؤتمن على المال العربي من التبديد أو الإسراف في أعمال لا تعود على المواطن العربي بالرفاهية والنماء.

مقدمة لابد منها: وهذا المشروع العملاق يحتاج لبحث من المتخصصين من أبناء العالم العربي والإسلامي والذين لهم باع طيب في المجال الاقتصادي ,وهو يعني إنشاء حملة قوية حوله في كل وسائل الإعلام المختلفة سواء على الفضائيات أو الإنترنت أو عمل موقع على النت وتلقي اقتراحات وتعليقات المسلمين في كل بلاد الأرض ,ثم انتقال الفريق المعهود به لإنشاء المشروع والقيام عليه لكل مكان لشرحه وتبيين وظيفته ودوره في الحياة العربية وأثر ذلك على التنمية ورفع معدل الإنتاجية بالدول العربية.

دور إغاثي عالمي:
ولا ننسى أن الصندوق يمكنه لعب دور هام على الصعيد العالمي فيما يحل بالعالم من نكبات وأزمات متمثلة في الزلازل أو البراكين أو الأعاصير أو الفيضانات ,مثل الزلزال الذي حدث في اليابان منذ أسابيع مضت ,فلا يعقل أن تسارع الدول المختلفة من تقديم العون والمساعدة سواء في شكل تقديم مساعدات علاجية أو مالية أو خيام لإيواء المشردين ويقف العالم العربي والإسلامي صامتاً كأنه منزوع الرحمة والشفقة أو أنه لا يعرف إلا لغة الأخذ فقط أما العطاء فهي كلمة لا يعرف معناها ولم يسمع عنها من ذي قبل,ففي هذه الحالة يقوم الصندوق بالمبادرة للوقوف مع المتضررين من الأحداث وهذا يحقق مجموعة من المكاسب ولعل أهمها:
* تحسين الصورة الذهنية عن المسلمين لدى الشعوب الغربية.
* التواجد العربي والإسلامي بقوة وليس من وراء الستار ونصبح فاعلين أصليين وليس ثانويين.
* دعوة لشعوب الأرض للتعرف على عالمنا وتسليط الضوء عليه وعلى حضارته التي مدت الإنسانية بالنور.
* فتح قنوات الاتصال مع هذه الدول المنكوبة بعد ذلك ويمكن إنشاء تبادل اقتصادي أو علمي بيننا وبينهم.
* هذا العمل يدرج في باب تأليف قلوب هذه الدول ولعلها تتعرف على الإسلام فتعتنقه أو تدرسه وفي هذا الخير العظيم.
* لا يعقل أن يتواجد المال اليهودي أو الصليبي أو الوثني لمساعدة المنكوبين ويغيب المال العربي والإسلامي عن هذه المصائب البشرية التي ترقق القلوب ,فنحن أولى بالخير منهم,لأنهم إن ساعدوا فهم ينظرون من وراء ذلك لتحقيق مكاسب على المدى البعيد أما نحن فلسنا أصاب منافع فقط هي التي تركنا أو توجهنا لأننا نفعل العمل ونبتغي بذلك وجه الله تعالى.

وفي الختام,
إن هذه الخطوة آن الأوان لنراها رأي العين حقيقة ماثلة أمام أعيننا لنرحم بلادنا من الهيمنة الغربية والأمريكية ولنبدأ في مرحلة تحرير الإرادة العربية ,ولنعش عصر العزة والكرامة وليس عصر الذل والندامة,إنني أوجه الدعوة لكل المخلصين من أبناء عالمنا العربي والإسلامي لمناقشة هذه الفكرة وأخذها مأخذ الجد وبلورتها لنخرج من هذا النفق المظلم الذي وضعنا فيه حكامنا أصحاب الضمائر الميتة ,ولا يستصعبن أحد أمراً فقد كنا نظن أن هؤلاء الحكام قدر مكتوب علينا ثم أزاحهم الله عنا ,فالذي منحنا القوة لتحرير البلاد من العملاء قادر على منحنا القدرة على تحقيق آمالنا وطموحاتنا الكبيرة وما ذلك على الله بعزيز.

وهنا أقدم القاعدة الذهبية للنجاح والنصر في أي عمل أو مشروع ولو كان صغيراً:
إنما تنجح الفكرة إذا قوي الإيمان بها، وتوفر الإخلاص في سبيلها، وازدادت الحماسة لها، ووجد الاستعداد الذي يحمل على التضحية والعمل لتحقيقها، فهم عناصر أربعة: الإيمان، والإخلاص، والحماس، والعمل.
أسأل الله تعالى أن يوفق القائمين على أمورنا لما فيه الخير لشعوبنا , وأن يجعل أيدينا هي العليا دائما , وأن يطهر بلاد المسلمين من الخونة وأن يحرر إرادتنا ويقوي عزيمتنا ويهدينا للصواب,إنه ولي ذلك والقادر عليه,وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

 

مقالات الفوائد