اطبع هذه الصفحة


ليست بالعدد ولا بالعتاد

محمد جلال القصاص


يوم بدرٍ.. يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، حزب الرحمن وحزب الشيطان، وقف عدو الله أبو جهل يقسم بالله ألا يرجع حتى يقرن محمداً - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في الحِبال، وينادي في قومه: "لا ألفينَّ أحداً منكم قتل منهم أحداً: ولكن خذوهم أخذاً، نعرفهم بالذي صنعوا لمفارقتهم دينكم ورغبتهم عما كان يعبد آباؤهم".
وما هي إلا ساعة أو ساعتان من القتال وقد فروا من المسلمين كالنساء.

ومَرَّ عام وقريش تتجهز لأخذ ثأرها، ومحو عارها، وجاءت يوم أحد بقضها وقضيضها، يُجعجع فرسانهم، وتضرب بالدف نسائهم، وينادي بالثارات جميعهم، وما هي إلا ساعة أو ساعتان حتى فروا وتركوا النساء، وهؤلاء فروا عن النساء وقد كانوا لا يعدلون بالشرف شيئاً، وقد كانوا فرساناً شجعاناًً.

لا زلتُ أذكر جيش الفرس يوم القادسية، وكان أشد جيش على وجه الأرض يومها، كثير العدد، حسن التسليح، جنده نخبة أبطال يقاتلون في أرضهم.
صبيحة أول أيام القتال ركب رستم فرسه، وهو يقول: اليوم ندكهم دكاً، فناداه أحد خدمه - يريد منه الاستثناء قل: إن شاء الله، فقال: وإن لم يشأ.

ولما تراءى الجمعان ضحك أصحاب رستم من صحابة محمد الله _صلى الله عليه وسلم_ لما يرون من قلة عددهم وضعف سلاحهم، ويوم ويومان اشتد فيهما القتال وفروا لا يلوون على شيء، وأمكن الله من رستم فذبح كالخراف.
يقول الله _تعالى_: "لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً" (الكهف: من الآية18).
الطبيعي أنني أخاف ثم أفر، لا أنني أفر ثم أخاف. أليس كذلك؟
هذا ما يقوله العقل.
ولكن الآية القرآنية تقرر شيئاً غير ذلك، هو أنه حين يشتد الخوف.. حين يكون الأمر مهولاً.. حين يرى الإنسان الموت فإنه يفر دون أن يدري، ولا يفيق إلا بعد أن يغادر مكان الخطر.

وتكلم أهل الإعجاز العلمي في ذلك، فقالوا: إنه في حالة الخوف والذعر الشديد فإن الإشارات الصادرة من العين لا تتجه نحو مركز الإدراك، وإنما تذهب أولاً إلى البؤرة المتحكمة في العضلات الهيكلية، وتعطيها إشارة للانقباض والتحرك سريعاً بعيداً عن مصدر الخوف، ثم بعد حين تتجه على مركز التفكير فيفهم الإنسان ما حدث.

وهو ما يفسر ما فعلته فرسان العرب ذوو النخوة والشجاعة حين فروا وتركوا نساءهم لعدوهم.
رأوا الموت فذهب عنهم هاجس العدد والعتاد والغيرة على الأعراض والحرص على الأموال، فأطلقوا سيقانهم للريح، وما دروا إلا هناك وقد بعدوا عن موطن القتل والقتال.

أردت من هذا السرد القول: إن الغلبة ليست بالعدد ولا بالعتاد.
ومن يتدبر كلامي يعلم كيف كانت الأمة الإسلامية تنتصر على عدوها رغم قلة عددها وعتادها. إنه سلاح الخوف الذي يذهب بالعدد والعتاد. ونحن أمة منصورة بالرعب "إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ" (الأنفال: من الآية12).

ولكن أنى الطريق إلى هذا السلاح؟
ليس إلا طاعة الله ورسوله _صلى الله عليه وسلم_، وتوحيد الكلمة على التوحيد، وبذل النفس والنفيس من أجل نشر هذا الدين. "وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ" (الحج: من الآية40).

فإن كنا حقاً جنود لله، فسيرسل الله لنا جنوده، ومن جنوده الخوف، ولكن عدونا لم يزل بعد جريئاً علينا.
 

مقالات الفوائد