اطبع هذه الصفحة


الموقف الشرعي من نشر ما يقدح في دين المسلمين

سلطان بن عبدالرحمن العميري


بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم


في مثل هذا الوقت من كل سنة , وقبيل انطلاق معرض الكتاب يثور الحوار في نوادينا الثقافية والفكرية حول قضية الموقف من السماح بنشر كتب الكفر والزندقة وعدم الاعتراض على بيعها في معرض الكتاب.
وليس بخافٍ على أحد من المسلمين أن المعتمد في الخلاف هو الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم , ثم الرجوع إلى ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم .
فإنا متى ما رجعنا إلى هذه المصادر فإنا سنصل إلى الحق بإذن الله تعالى , ومتى ما أخذنا نعتمد على أصول ومبادئ أخرى إما على سبيل الاستقلال أو المزاحمة لأصولنا الشرعية فإنا عادة لن نصل إلى حل واضح وناضج في قضيتنا الفقهية.
وقبل الولوج في تحليل دلالات النصوص الشرعية لا بد من التأكيد ابتداءً على أن القصد الأولي من هذه الورقة ليس هو البحث في تحديد ضوابط ما يسمح بنشره وما لا يسمح به , وإنما القصد منها البحث في مشروعية "أصل المنع لما يؤدي إلى القدح في دين المسلمين وتشكيكهم في صحته" وهو ما يعبر عنه عادة بنشر ما يدعو إلى الكفر والزندقة.

فهناك فرق بيّن البحث في دائرة أصل المنع وبين البحث في دائرة الضوابط التي يتحقق منها المنع وتنزيل ذلك في الواقع , فمن ينازع في قضية منع ما يؤدي في الكفر والزندقة صنفان: الأول : من يقول : إن أصل منع الأفكار غير مشروع , ولا مقبول ؛ لأن الفكر لا يقابل إلا بالفكر , والثاني: من يقر بأصل منع الأفكار المناقضة لأصل دين الإسلام , ولكنه ينازع في تنزيل الحكم على بعض الأصناف في الواقع.
وبالتالي فهذه الورقة تقصد بشكل أساسي إلى تأصيل القضية الأولى, وليس من هدفها مناقشة القضية الثانية, فهذه لها محل آخر وتحتاج إلى قدر من التحليل الفقهي وإلى جهد مضاعف ؛ إذ إنها من مواطن الاشتباه والاجتهاد في كثير من ضوابطها وتفاصيلها.

وكنت منذ زمن أطرح هذه القضية على عدد ممن أقابلهم من طلبة العلم فكان كثير منهم يسأل -مستغرباً- هل يوجد من يقول: إنه لا يصح منع أي فكرة تناقض أصل الدين؟ وهل يوجد من يقول إن مبدأ منع الكتب والبرامج التي تشكك الناس في وجود الله وفي صحة نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم وفي صحة القرآن غير مشروع ولا مقبول؟!!
وهذه الأسئلة تدل بشكل واضح على غرابة هذه الفكرة عن الفقه الإسلامي وعن الجو العلمي الشرعي, ومع ذلك فلم يعد وجودها غريبا, فقد غدونا نسمعها بشكل كبير ونشاهدها في نوادينا وساحاتنا الفكرية .
وقد ناقش فقهاء المذاهب هذه القضية في عدة أبواب من أبواب الفقه , فالباحث في جهودهم الفقهية يجد أنهم بحثوها في أبواب البيوع , وفي أبواب الإجارة , وفي كتاب الوقف , كما بحثوها في كتب السياسية الشرعية حين يتحدثون عن واجبات الإمام والسلطة في الإسلام , وكذلك تحدث عنها المؤلفون في مقاصد الشريعة , حين يتحدثون عن المقصد الأول في الشريعة وهو مقصد حفظ الدين.
ونحن إذا رجعنا إلى نصوص الشريعة وإلى مواقف الصحابة سنقف على أدلة عديدة تدل على مشروعية أصل المنع للكتب والمؤلفات التي تتضمن القدح في دين الإسلام وفي أصوله الكبرى , وتدل على أن منع ما يؤدي إلى تشكيك الناس في دينهم وإلى إحداث الاضطراب فيه مشروع , بل واجبٌ ومحتمٌ على كل قادر على ذلك.

وأما الأدلة الشرعية الدالة على مشروعية ذلك الأصل فدونك إياها :

الدليل الأول : ذم اتباع المتشابه والتحذير من المتبعين له, فإنه حين نزلت آية المحكم المتشابه في سورة آل عمران قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه , فأولئك الذين سمى الله فاحذرهم" (البخاري ومسلم).
فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحذرنا من الذين يتبعون المتشابه من النصوص الشرعية, فكيف بمن يشكك المسلمين في دينهم , وكيف بمن يثير الشبهات والشكوك حول نبوة الرسول وصدق القرآن وغيرها من أصول الدين , فهو أحق بالحذر من باب أولى بلا شك, والأمر بالحذر يشمل البعد عنهم وسد المنافذ المؤدية إلى انتشار أقوالهم ومواقفهم , وبالتالي فهل نكون ممتثلين لذلك التحذير النبوي إن سمحنا لكتب الكفر والزندقة أن تباع في أسواق المسلمين؟!! وهل نكون ممتثلين للتحذير النبوي إذا فتحنا النوافذ لانتشارها بين أنباء المسلمين وشبابهم؟!!.

الدليل الثاني : النصوص الدالة على وجوب منع الضرر والإضرار عن المسلمين في دينهم ودنياهم , ومن أجمع تلك النصوص : قوله صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار" (أخرجه ابن ماجة وصححه عدد من الأئمة).
وظاهر هذا الحديث يدل عل تحريم سائر أنواع الضرر ؛ لأن الضرر فيه نكرة في سياق النقي, فهي تدل على العموم , وبالتالي فهو يشمل تحريم الإضرار بالدين بالضرورة.
وقد أخذ العلماء قاعدة فقهية من هذا النص , وهي قاعدة "الضرر يزال" , ومقتضى هذه القاعدة المتفق عليها أن كل ما يُحدث الضرر في دين المسلمين فإنه تجب إزالته , فهل من إزالة الضرر عن دين المسلمين السماح بنشر وانتشار ما يقدح في دينهم وما يحدث التشكيك فيه؟!!.

الدليل الثالث : النصوص الدالة على النهي عن التعاون على الإثم والعدوان , كما قال تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب}[المائدة:2], فهذه الآية دلت على تحريم التعاون على الإثم, وهو اسم جامع لكل ما يكرهه الله ويبغضه , وقد استدل العلماء بهذه الآية على المنع من بيع جارية لأهل الفساد أو بيع أرض تتخذ كنسية أو خمارة, وهي دالة بالضرورة على تحريم بيع الكتب المتضمنة للكفر والضلال.

الدليل الرابع : النهي عن مجالسة أهل الضلال والمشككين في الدين, كما في قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}, وقد تحدث السعدي بكلام مؤصل بديع عن معنى هذه الآية فقال: "أمر الله رسوله أصلا وأمته تبعا، إذا رأوا من يخوض بآيات الله بشيء مما ذكر، بالإعراض عنهم، وعدم حضور مجالس الخائضين بالباطل، والاستمرار على ذلك، حتى يكون البحث والخوض في كلام غيره، فإذا كان في كلام غيره، زال النهي المذكور......
هذا النهي والتحريم، لمن جلس معهم، ولم يستعمل تقوى الله، بأن كان يشاركهم في القول والعمل المحرم، أو يسكت عنهم، وعن الإنكار، فإن استعمل تقوى الله تعالى، بأن كان يأمرهم بالخير، وينهاهم عن الشر والكلام الذي يصدر منهم، فيترتب على ذلك زوال الشر أو تخفيفه، فهذا ليس عليه حرج ولا إثم" (تيسير الكريم المنان 260).

ومقتضى دلالة الآية يؤكد على أن قراءة كتب المشككين في دين الله والمستهزئين به محرمة أيضا ؛ لأنها لا تختلف عن مجالستهم فيما يحدث عنها من الآثار , ولا يستثنى من ذلك إلا من كان يقرأ تلك المؤلفات ليرد عليها ويبين ما فيها من ضلال وكفر , ومن المعلوم أنه ليس كل المسلمين يستطيعون ذلك.
ومن ذلك قوله تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا}[النساء:140]
فهذه الآية تدل على أنه يجب اجتناب كل مجلس يقع فيه الكفر بالله والاستهزاء بدينه, ويدخل في حكم المجلس قياسا عليه قراءة المؤلفات والكتب التي يقع فيها الكفر بالله تعالى أو التشكيك في وجوده أو نحوها من أنواع الضلال, فإذا كنا نحن المسلمين مأمورين باجتناب ذلك كله فكيف يصح شرعا وعقلا السماح ببيعها في أسواق المسلمين, فمن المعلوم إن ذلك يتنافى مع معنى الاجتناب, فهل يكون المسلمون ممتثلين لأمر ربهم بالاجتناب وهم يسمحون ببيعها في أسوابقهم.

الدليل الخامس : النصوص الدالة على الابتعاد عن الفتن والحذر منها , وهي كثيرة جدا , ومنها : قوله صلى الله عليه وسلم: "إن بين أيديكم فتنا كقطع الليل المظلم , يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا , ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا , القاعد فيها خير من القائم , والقائم فيها خير من الماشي , والماشي فيها خير من الساعي , قالوا : فما تأمرنا , قال : كونوا أحلاس بيوتكم" (رواه : أحمد وأبو داود) ,ومنها : قوله صلى الله عليه وسلم: "من سمع بالدجال فلينأ منه , فإن الرجل يأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فلا يزال به لما معه من الشبه حتى يتبعه" (رواه :أحمد وأبو داود) , ومنها : قوله صلى الله عليه وسلم: "تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا , فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء , وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء , حتى تصير على قلبين على أبيض مثل الصفا , فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض , والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا , لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه" ( رواه : مسلم )
فهذه النصوص تدل على أنه يجب على المسلمين أن يبتعدوا عن كل ما يدخل عليهم الفتنة في دينهم , وهذا يدل على أنه يجب عليهم أن يسعوا إلى إغلاق جميع الأبواب التي تؤدي إلى إحداث الفتنة في دين الناس كلهم أو بعضهم , وهذا يدل بالضرورة على وجوب منع المؤلفات والكتب والبرامج التي تشكك المسلمين في دينهم أو تدخل عليهم الريبة فيه.

الدليل السادس :
النصوص الدالة على وجوب عقوبة المرتد عن الدين , ومن أشهر النصوص في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "من بدل دينه فاقتلوه" ( رواه : البخاري ) , وقد أجمع العلماء على أن من ارتد عن دين الإسلام ورجع عنه فإنه يقتل, وعلى فرض أن الإجماع لم يثبت -مع أنه ثابت- فإنهم مجمعون إجماعاً قاطعاً على ضرورته عقوبته , وهذا ما فعله الصحابة رضي الله عنهم فإنه تواردوا على عقوبة كل من خرج عنه كل دين الإسلام أو عن بعضه.
وهذا النوع من النصوص يدل على تحريم نشر كل ما يؤدي إلى تشكيك كل المسلمين أو بعضهم في دينهم أو خروجهم منه, ويدل على وجوب منع كل ما يؤدي إلى ذلك, فهل من المعقول أن يعاقب المرتد ومع ذلك يسمح بنشر كلامه؟!
والمستقر في الشريعة الغراء أنها إذا حرمت شيئا سدت كل الطرق التي تؤدي إليه, فإنها حين حرمت الزنا سدت كل الطرق التي تؤدي إليه , والتزم العلماء بهذا الأصل المطرد , فنصوا على أن الوسائل لها أحكام المقاصد , فإذا كان تكفير المسلم بغير حق محرما فإنه يجب أن يمنع كل ما يؤدي إلى ذلك, وإذا كان الخمر وبيعه وشراؤه محرما , فإنه يجب منع كل ما يؤدي إلى ذلك , وإذا كان تشكك المسلمين في ربهم أو في نبيهم أو في قرآنهم محرما فإنه يجب أن يمنع كل ما يؤدي إلى ذلك.

الدليل السابع :
إجماع الصحابة على حرق المصاحف بعد أن حددوا المصحف الأم , وهم إنما أحرقوها خشية على الناس أن يقع بينهم التفرق في دينهم .
وهذا الإجماع يدل بالضرورة عل أن كل ما يدخل الفساد في دين الناس ويدخل عليهم الكفر والتشكك في أصوله فإنه يجب منعه , بل وإتلافه إن أظهره صحابه في الواقع , وقد استند ابن القيم إلى ذلك الإجماع الواقع من الصحابة حيث يقول: "كل هذه الكتب المتضمنة لمخالفة السنة غير مأذون فيها, بل مأذون في محقها وإتلافها, وما على الأمة أضر منها , وقد حرق الصحابة جميعا المصاحف المخالفة لمصحف عثمان لما خافوا على الأمة من الاختلاف , فكيف لو رأوا هذه الكتب التي أوقعت الخلاف والتفرق بين الأمة؟!" وكيف لو رأوا الكتب التي تشكك المسلمين في دينهم وتحدث الاضطراب والقلق في أوصوله؟!
فتلك الأدلة السابقة يدل كل دليل منها- فضلا عن دلالاتها بمجموعها - على تقرير أصل كلي في الشريعة , وهو أنه يجب أن يمنع كل ما يؤدي إلى خروج أو تشكك كل المسلمين أو بعضهم في الدين , وهذا الحكم يشمل الكتب الورقية والمواقع الإلكترونية والبرامج المشاهدة والمجالس المباشرة .

اعتراضات في الطريق :

مع وضوح هذا الحكم وجلاء دلالة النصوص الشرعية عليه واستقراره في المنظومة الفقهية إلا أنه قد وجد في الساحة الفكرية من المسلمين من يخالف فيه , وحاول أن يقيم حوله عددا من الاعتراضات , والمنهجية العلمية الصارمة والصدق من النفس والقارئ يقتضي التنبيه على تلك الاعتراضات وبيان الموقف منها .
ولكن قبل ذلك لا بد من التأكيد على أن العادة المطردة في المعترضين على قضية وجوب منع ما يقدح في دين المسلم ويحدث التشكيك فيه لا يذكرون أكثر تلك الأدلة السابقة ولا يقدمون عنها أي جواب , وكأنه ليس لها أي وجود!! وهذا أمر غير مقبول وهو منافٍ للصدق المعرفي وللصلابة المنهجية التي تنبني عليها المواقف .

ولن أقف في هذه الورقة مع كل ما يذكر من اعتراض , وإنما على ما رأيته الأكثر ذكرا وانتشارا في الساحة الحوارية , وهي :


الاعتراض الأول : أن الفكر لا يقابل إلا بالفكر , وبالتالي فاستمعال المنع في المجال الفكري لن يجدي شيئا .
وإذا قمنا بتحليل هذا الاعتراض وتفكيكه نجد أنه اعتراض خاطئ وغير صحيح , وسنكتشف أنه متلبس بخلل منهجي كبير , وهو الاختزال الضيق , فإن الظواهر الإنسانية يصعب أو يستحيل واقعيا أن ينفرد بالتأثير فيها سبب واحد فقط , وقد نص على ذلك علماء الاجتماع وغيرهم .
وهذا الاختزال وقع فيه صنفان متقابلان , وهما : من يقول إن الفكر لا يقابل إلا بالفكر , ومن يقول إن الفكر لا يقابل إلا بالمنع , وكل طرف منهما مخطئ ؛ لأنهما وقعا في الاختزال الضيف الذي لا يتماشى مع طبيعة الظواهر البشرية.
ثم إن الاعتراض بتلك المقولة يشعر القارئ بأن القول بالمنع يقتضي في نفسه أنه لا يستعمل في مقابلة الفكر إلا المنع فقط , وهذا غير صحيح وهو تشويه غير مقبول , فإنه لا يلزم عقلا ولا شرعا ولا لغة من القول بوجوب منع ما يقدح في دين المسلمين حصر الطرق التي يواجه بها الفكر المناقض للدين في المنع فقط.
بل نحن نقول أن مقابلة الفكر الذي يقدح في دين المسلمين يجب أن يكون بطرق متعددة , كتأليف الكتب وإقامة الندوات والحوارات الفكرية والسعي الحثيث إلى الإجابة عن كل الأسئلة التي يثيرها الواقع والمخالفون للدين, ونقول مع ذلك يجب إغلاق كل المنافذ والأبواب التي يمكن أن تؤدي إلى إحداث التشكيك في دين المسلمين, ونقول أيضا يجب استعمال كل الأساليب التي ثبت نفعا ولا تتضمن محذورا شرعيا.
ثم إن التاريخ والواقع يدلان على أن استعمال طريق المنع في الأفكار كثيرا ما يؤدي إلى إزالتها من الوجود أو على الأقل تخفيفاه وتقليل انتشارها , وهذه بلا شك أهداف مقصوده للشريعة المطهرة , فإنها تقصد إلى إزالة المنكر أو تخفيفه , فمن لم يستطع إزالة المحرم فإنه يجب عليه تخفيفه قدر الممكن, وطريق منع الأفكار المعارضة لأصول الدين أو المشككة للمسلمين في دينهم إن لم يؤد إلى إزالتها فإنه سيؤدي بلا شك إلى تقليلها وهذا هدف نبيل ومقصود شرعا.
وقد أشار عدد من كبار المحللين لتاريخ الحضارات والأمم إلى أن منع الأفكار ومحاربة بالقوة يؤدي إلى قلة انتشاراها في المجتمعات , وفي هذا المعنى يقول ول ديورانت , بعد تحليل طويل للتاريخ المسيحي الأوربي: "الفكرة القائلة بأن اضطهاد المعتقدات لا تأثير له أبداً، ضلال، فقد سحق الألبيجينزيين والهيجونوت في فرنسا، والكاثوليك في إنجلترا في عهد إليزابث والمسيحيين في اليابان- وانتزعت في القرن السادس عشر، الجماعات الصغيرة التي عطفت على البروتستانتية في أسبانيا"( قصة الحضارة 23/90) .
وبلا شك فإنه لا يوافق أحد على الممارسات القاسية التي وقعت في ذلك التاريخ , ولكن ذلك يشهد لخطأ الفكرة القائلة بأن الفكر لا يقابل إلا بالفكر فقط , فهذه الفكرة فضلا عن أنها مخالفة لمقتضيات النصوص الشرعية فهي مخالفة لتاريخ الأفكار والمذاهب .

الاعتراض الثاني :
أنه لم يعد هناك فائدة من المنع , فالوصول إلى كل الأفكار أصبح سهلا ميسورا .
وهذا الاعتراض غير صحيح ؛ لأننا نحن المسلمين مأمورون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاربته ولو لم يستجب أحد.
وكون المنكر يمكن أن يتوصل إليه من طريق آخر لا يستلزم شرعا ولا عقلا أن نفتح كل الطرق المؤدية إليه , ولا يكاد يقول بهذا القول عاقل .
ثم إنه يلزم على هذا الاعتراض ألا نمنع بيع الخمر في بلاد المسلمين ؛ لأن المفسدين يمكن أن يتوصلوا إليها بطرق شتى , ويلزم عنه أن نسمح بأفلام الجنس والخلاعة أن تباع في أسواقنا ؛ لأن المفسدين يمكن أن يتصلوا إليها بسهولة , ويلزم عنه ألا ندعو إلى محاربة الربا لأن المرابين يمكن أن يتوصلوا إلى الربا بطرق شتى , وكل هذه اللوازم الباطلة تدل على خطأ ذلك الاعتراض.

الاعتراض الثالث:
أننا لا نخاف على الإسلام , والإسلام ليس خيط عنكبوت ينقطع بأدنى شبهة , فلماذا نمنع الفكر المناقض له؟!
وهذا الاعتراض غير صحيح ؛ لأننا حين نطالب بمنع ما يقدح في الدين ليس خوفا على الإسلام ولا على علماء الإسلام , وإنما على عدد من المسلمين ممن قل عمله وضعف تصوره , ووجود مثل هؤلاء في المسلمين لا ينازع فيه أحد , والتاريخ والواقع أكبر شاهد على ذلك .
 


 

مقالات الفوائد