اطبع هذه الصفحة


كَشْفُ الِّلثام لِمَا فِي الدَّوْلَةِ المَدَنيةِ مِنْ مَفَاهِيمَ وَأحْكَام

أبو همام السعدي


بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم


وهو مختصرٌ من كتاب "الدولة المدنية مفاهيم وأحكام" لأبي فهر السلفي.

الدَّولة في اللغةِ: ترجعُ مادتها إلى الدوران، وهي بفتحِ الدال تعني: التنقل في أمور الدنيا كالمال والجاه، وبضمِّ الدال: التنقل في الحرب، وقيل هما سواء.
الدولة في الفلسفة اليونانية: (علمٌ بمصالح متشاركة في المدينة، ليتعاونوا على مصالح الأبدان، وبقاء نوع الإنسان) ويعبِّرون عن ذلك بالسياسة المدنية.
الدَّولة في الاصطلاح السياسي: (مجموع كبير من الأفرادِ، يقطنُ بصفةٍ دائمةٍ إقليمًا معينًا، ويتمتَّع بالشخصية المعنوية، بنظامٍ حكومي واستقلالٍ سياسي) .
* ولم تستعمل كلمة "الدولة" في معنى (المؤسسات الحكومية والسياسية) إلاَّ في مراحل متأخرة سواء في اللغات الغربية أو العربية، وكانتْ بدائلها في العربية (الدار، الخلافة، السلطنة، المملكة، البلاد)، وفي الغربية: "Polis" عندَ اليونانِ، و"Res Publica" عندَ الرُّومانِ، و"Civitas" في العصورِ الوسطَى.

المدنية: نسبةٌ إلى المدينة، وتستعمل (المدنيَّة) في مقابلِ معانٍ عدةٍ:
1- مقابلٍ للبداوةِ، بمعنى "الحضارةِ العمرانية والثقافية" والمطالبة بها لا شيءَ فيه إن لم يتضمَّن مخالفةً شرعيةً كتبرج النساء مثلاً.
2- مقابلٍ للعسكرية، بمعنى أن يتولى الحكم رجلٌ مدني بنظم مدنية، والمطالبة بها لا شيءَ فيه، بل إن الإسلام يدعوا إلى الاجتماع على رجلٍ واحدٍ، لذا كانت البيعة شرطًا لازما لتولِّي الحُكم.
3- مقابلٍ للدينيةِ؛ وقد تعدَّدت مفاهيمُ المصطلحين "الدينية والمدنية" بحسب مستعمليه، وسنحرِّرُ معانيهما والمراد بها عندَ مستعمليهِ في نظر الإسلام.
مفهومُ الدولةِ الدينية: تتلخصُ النظريات التي تبنى عليها مصطلح الدولة المدنية "الثيوقراطية" إلى ثلاثِ نظريَّات:

الأولى: نظرية "الطَّبيعةُ الإلهيَّة للحاكم"؛ تقول: إنَّ الله موجودٌ في الأرضِ، يجبُ على الأفرادِ تقديسَه دونَ اعتراض. وكانتْ سائدةً في المماليك الفرعونية والإمبراطوريات وبعض الدول إلى انتهاء الحرب العالمية الثانية.
الثانية: نظريَّة "الحق الإلهي المباشر"، تقول: إنَّ الحاكمَ يختارُ بشكلٍ مباشر من الله من غير تعبيدِ الحاكم، وهو خارجٌ عن إرادةِ الأفرادِ، وقد تبنَّـتْها الكنيسةُ أحيانًا، واستخدمها بعض ملوك أروبا، لتدعيم سلطانهم على الشعب.
الثالثة: نظريَّة "الحق الإلهي غير المباشر"، تقول: إن مجموعةً من الأفراد مسيَّرةً من الله تختارُ حاكمًا، وقد استخدمتها الكنيسة. ومن هذا الباب سنعرضُ لتصورات "الدولة الكنيسة" و "الحق الإلهي الملكي" لأنهما المؤثرتين في نشأة المفهوم.

1) الصورُة الأولى في مفهوم الدولة المدنية لدى "الكنيسة".
الطور الأول: تنحصرُ في فصلِ العلاقةِ بين "الروحي" الدين وبين "الزمني" الدولة، وأن الحاكمَ اختيرَ من الله، وهي تمتثلُ بما أرسلَ أحد الأساقفة للإمبراطور (اللَّه وضعَ في يدكَ هذه المملكة، وإلينا سلم أمور الكنيسة، مكتوب: أعطوا ما لقيصر لقيصر، وأعطوا ما لله لله).
الطورُ الثاني: لما قويت شوكة الكنيسة وضعفت شوكة الدولة؛ وظلتْ الكفةُ تميلُ إلى ناحية الكنيسة لم يأتِ القرن الحادي عشر حتى سيطرتْ الكنيسةُ على مقاليدِ الدولة تمامًا، وحملتْ راية الحروب الصليبية، وظلتْ في انتصارٍ في المعاركِ حتى بسطت رايتها على جميع دول أوروبا في حكومةٍ قِوامها "الكهنة والأساقفة والكرادلة" ورئيسها "بابا الكنيسة"، فصار الحكمُ والحاكم الدنيوي تابعين للحكم الديني في التوليةِ والعزلِ والتحليلِ والتحريمِ، أجلْ فالبابا نائبُ الرب في الأرض.

2) الصورُ الثانية في مفهوم الدولة المدنية لدى "دولة الحق الإلهي الملكي".
هذه الصورةُ طرحتْ كمقابل لـ"دولة الحق الشعبي" وهي مبنية على نفس أساس دولة الكنيسةِ، مِن أنَّ أصل سلطة الحكم هو "أصل ديني"، ولكنْ مع انحسارِ دولة الكنيسة تحوَّلت النيابة الإلهية إلى الدولة، فصار للدولة إلهًا كما للكنيسة، وإنما أثيرتْ هذه النظرية السياسية الغربية منذ عهد "فيليب الجميل" عام 1297 م.
[موقفُ الإسلام لهذه المفاهيم السابقة] إنَّ المتأملَّ في أهمِّ المفاهيم السابقة للدولةِ المدنية "الثيوقراطية" يظهرُ أن موقفَ الإسلام يرفضُ أن يكونَ لأحدٍ غير نصِّ الوحي سلطةً على الخلق، فالنبيُّ كانَ يوحى إليه من الله وبموته انقطع الوحيُ إلى قيام الساعة، واجتهادات العلماء وظيفتهم فهم الوحيِ فإما أن يصيبوا أو يخطئوا! ؛ ثم إنَّه ليسَ لأحدٍ في شريعتنا أن يتولَّى بنفسِهِ، وإنما مردُّ ذلك إلى أهل الحل والعقدِ وفقَ أصولٍ شرعيةٍ منصوصةٍ، بأن يتفقوا على حاكمٍ شرعي يحكمُ بما أنزلَ الله، يطاعُ في المعروف، ولا يطاعُ في معصية، وهذا الحاكمُ ليسَ له طبيعةٌ إلهية، ولا ينصَّبُ بحقٍ إلهي مباشرًا كان أو غير مباشر، وليسَ بنائبٍ عن الله إنما هو وكيلٌ وكَّلته الأمة لضبطِ شؤونها.
وهذه الدولةُ الإسلاميةُ تحاكمُ الأمَّة وحكَّامها إلى كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن عقيدة أهل الإسلام (الإيمانُ بالحاكمية) ومعناها: أن الله سبحانه هو المشرِّع لخلقِهِ، وهو الذي له الأمرُ والنهيُ والتحليلُ والتحريم. وليسَ كما فهمهَ البعضُ أنها دعوةٌ إلى دولةٍ ثيوقراطية يتولَّى التحليل والتحريم أقوامٌ مشرِّعون من دون الله عزوجل.
وهذه الحاكميةُ –بهذا المعنى- لا تنفي أن تكونَ للبشر قدرٌ من التَّشريعِ أذنَ به الله لهم، ففي الإسلام دائرةٌ كبيرةٌ مما سكتَ عنه الوحي فتشرِّع الأمة ما تراه أوفقَ لمصالحها وذلكَ في الأمورِ الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ونحوِ ذلك.
أما التَّشريعِ والاستقلالُ به في غيرِ المأذونِ من عندِ الله فحرامٌ؛ كالتشريعِ الديني المحضِ بزيادةٍ أو نقصانٍ أو تبديلٍ من أمورِ العبادات والعقائد والقطعيات.

(مفهوم الدولة المدنية)

إن أول من أسَّس هذا المصطلح وفقَ شرطٍ تاريخيٍ معينٍ هم الفلاسفة، وتتابعت المدارس الفلسفية والسياسة على استخدام هذا المصطلح على أنها ذاك المفهوم الفلسفي، لذا وجبَ تحريرُ هذا المصطلح لأنهم هم أولُ من أسَّسَه، ولأنَّهم ينازعونا في مفهومِه ويطالبوننا بكنهِهِ.

(تحريرُ مفهوم الدولة المدنية عندَ الفلاسفة)

سنحاولُ تحرير مفهوم الدولة المدنية عند فلاسفة أوروبا الحديثة، كما نستخلصه من طرحهم:
أ‌- ميكيافيلِّي (1496- 1527م): تتمثلُ مفهوم الدولة المدنية عند ميكيافيلي في كتابه "الأمير" بإرسائه لمعنيين:
الأول: نزعُ المطلق الديني والقيميِّ عن تصرفات السياسي؛ غيرَ أن الدينَ كنسقٍ للعبادةِ مهمٌ لحفظِ السلام في المجتمع.
الثاني: توضيحُ آليةِ اختيارِ الأميرِ عبرَ الإرادةِ الشعبيةِ، أو باختيارِ طبقةِ النبلاءِ، وتسميةُ ذلك بالإمارةِ المدنيَّةِ.
ب‌- جان بودان (1530- 1596م): لا يجعل جان بودان في كتابه "ستة كتبٍ عن الجمهورية" للأمير وسلطاتِهِ أي قيدٍ قيمي أو ديني أو شعبي في إصدارِ القوانين، إذْ لو كانَ الأمير ملزمًا على ألاَّ يضع القانون إلاَّ بموجبِ رضَا الأعلى؛ فإنه سيكونُ واحدًا من الرعايا وليسَ بصاحبِ سيادة.
ج- توماس هوبز (1588ـ 1679م): أصدَرَ هوبز كتابه (اللوباثان)؛ فأبانَ أن معالِـم الدولة المدنيَّة التي يدعُو لها هيَ أن يصبحُ قانونُ الدولةِ القانونَ المطلقَ الذي يفرضُهُ الملكُ فرضًا واسبتدَادًا مطلقًا عن كلِّ سيادة، فالدولةُ عنده «المرجعيَّةُ النهائيَّةُ»، ومن هنا ألَّهَ هوبز الدولةَ، واعتبرَهَا إلهًا زمنيًّا مرتبطًا بالإلَهِ الخالدِ، وقدْ اعتبرَهَا أيضًا التنينَ الحتميَّ، ومع أن هزبر يدعوا لفصل الحكم عن مطلقِ الدين؛ إلاَّ أنه لم يمانع أن تكون قوانين الدين قانونًا بشرطِ أن يكونَ ذلك باختيار السلطة المدنية، فدعوتُهُ ليستْ من أجلِ الدين إنما لتوافق السلطة عليه.
د- اسبينوزا (1632- 1677م): لـم يخرجِ اسبينوزا كثيرًا عن الخطوطِ التي رسمهَا أسلافُهُ مِنْ تقريرِ الأغلبيَّةِ كوسيلةٍ لوصولِ الحاكمِ في الدولةِ المدنيَّةِ، حتَّى إنه يتطرف ويأبي حتى إشرافَ أهل الدين على شؤونه إذ يقول: فَلَا شكَّ أنَّ تنظيمَ شؤونِ الدينِ يقعُ على عاتقِ السُّلطةِ الحاكمةِ وحدَهَا اهـ.
هـ- جون لوك (1632-1704م): إنَّ جون من آخر المنظِّرينَ للفلاسفة للدولةِ المدنيةِ، ومفهومه لََهُ هو أكثرُ المفاهيمِ شُيوعًا عندَ المتكلمينَ في هذِهِ القضيَّةِ، والصورةُ المتكاملةُ للدولةِ المدنيَّةِ المشهورة من (العقد القائم بين الأفراد والحكومات بالأغلبية والحفاظِ على مبدأِ فصلِ السلطاتِ وحق الشعوب على الثورات) لا تجدها إلاَّ عند جون فهو مَن وسَّع مداركها؛ وهوَ وإن خالفهم في بعضِ تنظيراتهم إلاَّ أنه حافظَ على نفسِ حالةِ المفاصلةِ للدينِ ونزع المطلقَ عن الدولةِ. يقول -بعدَ أنْ يشرحَ مهامَ الحاكِمِ المدنيِّ المنحصرةِ في إدارةِ شؤونِ الدولةِ-: وتأسيسًا على ذلك أودُّ أنْ أؤكدَ أنَّ سلطةَ الحاكمِ لا تمتدُّ إلى تأسيسِ أيَّةِ بنودٍ تتعلقُ بالإيمانِ أو بأشكالِ العبادةِ استنادًا إلى قوةِ القوانينِ اهـ.

(موقفُ الإسلامِ من نظريةِ الفلاسفةِ)

إن الإسلامَ يسبقُ كثيرًا من تقريراتِ الفلاسفةِ في رفضها، ولا بدَّ من معرفة أن الخلافَ الرئيسي بين الإسلام والفلاسفةِ هو في رفضِ الإسلامِ التامِ وإبطالِهِ المطلق لعزل الدين داخلِ دور العبادة أو جعلُ قوانينِ وتشريعاتِ الدينِ مجردُّ أحكامٍ عقليَّةٍ لا تتحولُ لقوانينَ مُلزمَةً إلا إذا اختارَ ذلك الحاكمُ المدنيُّ.
فالقدرُ الثابتُ في نظراتِ هؤلاء الفلاسفة: هو رفضُهُمْ جميعًا لأيِّ مرجعيَّةٍ متجاوزةٍ دينيَّةٍ أو أخلاقيَّةٍ تكونُ لها سلطةٌ أعلى مِنَ السُّلطةِ التشريعيَّةِ؛ فالأمرُ قد تجاوزَ المسيحيَّةَ إلى مطلقِ الدينِ والمرجعياتِ المتجاوزَةِ، وهذا مفهومٌ متوغلٌ متوحشٌ يضيِّعُ الشعوبَ ويهدرُ كرامتهم، وهذا لا يقبلُهُ الإسلامُ ويراها جاهليةً؛ قال تعالى {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)}.
* ومعلومٌ الإسلامَ يرفضُ بشكلٍ مطلقٍ وتامٍّ عمليَّةَ العزلِ لَهُ عن الحياةِ المدنيَّةِ والسلطةِ التشريعيَّة، فالإسلامُ دينٌ تامٌّ شاملٌ لجميعِ مناحِي الحياةِ يحكمُهَا بالنصِّ تارةً، وبالسكوتِ والعفوِ أُخرَى، أو الاجتهادُ في فهمِ النصوصِ أو ما لا نصَّ فيه، ومردُّ ذلكَ إلى الحاكمِ صاحبِ الأهليةِ أو العلماء وأهل الشورى.

(الدولةُ المدنيةُ عندَ منظِّري الإسلامِ السياسي وموقفُ الإسلامِ منها)

دارتْ نقاشاتٌ حادةٌ بين فقهاء الإسلام المعاصرين وبين العلمانيين واللبراليين مما أدى إلى فهمِ هؤلاء الفقهاء "منظِّري الإسلام السياسي" إلى فهمٍ أودَى إلى مفاهيم وعلاجاتٍ غالطة.
- من ذلكَ قول محمد عمارة: الدولةُ الإسلاميَّةُ دولةٌ مدنيَّةٌ تقومُ على المؤسساتِ، والشورَى هي آليَّةُ اتخاذِ القراراتِ في جميعِ مؤسساتِهَا، والأمةُ فيها هي مصدرُ السلطاتِ شريطةَ ألَّا تُحِلَّ حرامًا، أو تحرِّمَ حلالًا، جاءتْ بِهِ النصوصُ الدينيَّةُ قطعيَّةُ الدلالةِ والثبوتِ، هي دولةٌ مدنيَّةٌ؛ لأنَّ النُّظُمَ والمؤسساتِ والآلياتِ فيها تصنعُهَا الأمةُ....إلخ؛ وعلى هذا كانَ تقريرُ الشيخ محمد عبده والشيخ يوسف القرضاوي.
نقدٌ...
إن هذا القولَ وأشباهه من تقريرات العلماء تكمنُ في المطالبةِ بدولةٍ مدنية، وهذه الدولةُ المدنيةُ التي يطالبونَ بها يرددون أن "مرجعها الإسلام" أو "دولة مدنية إسلامية" ونحوِ ذلك؛ وهذا غلطٌ، لأنَّه في الحقيقةِ تناقضٌ بين ضدينْ، إذْ لا تقابلَ بين "المدنية" وبين "الإسلام"، لأنَّ الركنَ الأصلي في مفهوم الدولة المدنية هو عدمُ قبولِ السلطةِ العُليَا الحاكمةِ لأيِّ استمدادٍ مُلْزِمٍ للقانونِ من الدينِ بلْ ومن أيِّ مرجعيَّةٍ متجاوزَة، فإذا قولنا "دولة مدنية إسلامية" فإنَّ العلمانيَّ يراها كقولنا "متحركٌ ميتٌ" وكقولنا "ظالمٌ بإنصاف"!
فنوعُ المغالطةِ التي وقعَ فيهَا الأساتذةَ هنا هي إطلاقُ الألفاظِ على غيرِ معانيهَا محلَّ البحثِ، باستغلالِ وجودِ شبهٍ مَا، أو تقاربٍ مَا، أو تشاركٍ من بعضِ الوجوهِ بينَ معانيهَا الأصليةِ والمعانِي التي أُطلقتْ عليهَا في المغالطةِ التزيـيفيَّةِ.
تبريرٌ..
* ويمكنُ أن نجعلَ -لتبريرِ كلام هؤلاء العلماء- معنًى جديدًا وتفسيرًا حديثًا لهذا المصطلح الوافدِ، ولا يتواردُ هو والمصطلحُ الفلسفيُّ محلَّ مطالبةِ العلمانيِّ على محلٍّ واحدٍ بتمامِهِ، إلاَّ أنه لا بدَّ من التنبيهِ على أمرين:
الأول: أنَّ المغالطةُ تحاصرُ الإسلاميين إذا تعاملوا مع هذا المصطلح على مفهومهم الحديثِ وقتَ المناظرة أو المناقشة مع العلمانيين، أما في مقام التقرير فلا ضيرَ في استعمال هذا المنظومة التفسيرية عندَ الحاجةِ، وإلاَّ فالأولى ودْع المصطلحاتِ المشتبهة بين الحقِّ والباطل، ونصرةِ المعنى الصحيح الذي لا شبهة تحته.
الثاني: أنَّ المغالطةَ تحاصرُ بعض التيارات الإسلامية التي تحاربُ الإسلاميين استعمالهم هذا المصطلح وفقَ المفهومِ الغربيِّ له؛ متغافلين أنهم يريدون بها منظومةً تفسيريةً جديدة، ومن الغلطِ محاكمةُ الشيءِ بغيره.

ما حكمُ التعبيرِ عن الدولةِ الإسلاميةِ بأنها دولة مدنية؟

قال شَيخُ الإِسْلامِ -رحمهُ الله-: وأمَّا الألفاظ المجملة؛ فالكلام فيها بالنفي والإثبات دون الاستفصال يوقع في الجهل والضلال والفتن والخبال والقيل والقال، وقد قيل: أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء اهـ.
* ويبيِنُ ذلك تلميذه الإمام ابن القيِّم –رحمهُ الله- إبانةً أكثرَ وضوحًا بقوله: قيل: أصل بلاء أكثر الناس من جهة الألفاظ المجملة التي تشتمل على حق وباطل، فيطلقها من يريد حقها، فينكرها من يريد باطلها، فيرد عليه من يريد حقها اهـ.
الحاصلُ إذَنْ؛ أن مصطلحَ "الدولة المدنية" لفظٌ مجملٌ لا يخلو من حالاتٍ ثلاث:
1) أن يكونَ حقًا؛ فيثبتُ ويعبَّر عنه باللفظِ الشرعي.
2) أن يكونَ باطلاً؛ فيردُّ المعنى لبطلانه، واللفظ لإحداثه.
3) أن يشتملَ على حقٍ وباطلٍ؛ فيقبل الحقُّ ويثبتُ، ويردُ الباطلُ وينفى، ولا يُطلق الإثباتُ ولا النفي.
* ولو تأمَّل المتأمِّل يجدُ أن هذا المصطلح ليسَ بحقٍ محضٍ لأنه ليسَ من كتاب ولا سنة ولا قولٍ للسلف الصالح، ولا باطلٍ محضٍ كذلكَ لاستعماله لمعانٍ جليلةٍ كالحضارة والبداوة وغير ذلك، وإنما هو مما تركبَ بين حقٍ وباطلٍ، فيقبلُ الحقُّ ويُردُّ الباطل، فالمعنى الباطلُ فيه هو نزعُ المطلقُ الدِّيني عن سياسة الدَّولة؛ والمعنى الحقُّ فيه هو نظامُ المؤسسيةُ وفصلُ السلطات ونحوِ ذلك، وما كانَ كذلك الأصل فيه عدم إطلاق إثباتِهِ، أو إطلاقِ نفيِهِ.

الخلاصةُ: أنَّ التعبير عن "الدولةِ الإسلاميةِ" بأنها "دولة مدنية" لا تخلو من حالتين:

حالة الاختيار؛ والنداءُ بها غير مشروعٍ؛ لكونِهِ مؤسسٌ على معانٍ باطلةٍ، ولكونِهِ أسِّسَ على مفاهيم معينةٍ مشتبهةٍ، اللبسُ فيه شديدٌ بقيدٍ كانتْ أو بغيرِ قيدٍ.
ثم إنَّ جعلَ هذا المصطلح وتفسيره بالألفاظِ الشرعيةِ يجعلُ المصطلحَ هو الأصل، والألفاظُ الشرعيةُ تابعة له، وهي طريقةٌ فاسدةٌ، وإنما الأصل في المعانِي الشرعيَّةِ هو استعمالُ لسانِ الشرعِ في العبارةِ عنها، وعدمِ الخروجِ عنه إلَّا عندَ الحاجةِ.
الحاجةُ والاضطرار؛ وذلكَ في مقامِ ردِّ شبهةٍ، أو لوجودِ معتركٍ سياسيٍ يضيقُ فيه باب الحلال المحض، أو في مقامِ الردِّ على مَنْ يطالبُ بدولَةٍ مدنيَّةٍ ، ويجعلُ الإسلامَ ضدًّا لهَا، ونحوِ ذلكَ إذا غلبتْ فيه مصلحتُهُ ودعتِ الحاجةُ إليه فلا حرجَ في استخدامه وفق تقدير المجتهدِ، على أن يضافَ لها قيدُ مرجعية الإسلام باللزوم فيقال (لَا مانعَ من دولةٍ مدنيَّةٍ مرجعيَّتُهَا الملزِمَةُ هي الإسلام)، ولا يستغنى عن القيدِ إلاَّ في أعلى رتب الاضطرار، وحيثُ يُؤمنُ التلبيسُ على الناس.

(تنبيهٌ) ولا يجوزُ القولُ عن (دعاة الدولةِ المدنية) بأنهم "علمانيون" حتى يستفسرَ عن المرادَ والمقصودِ، فإن كانَ حقًا قبلنا هذا المعنى ولمْ نعبِّر عنه بهذا اللفظ، وإن كانَ باطلاً رددنا اللفظَ والمعنى، وإن كانَ مركبًا من حقٍ وباطلٍ قُبلَ الحقُّ ورُدَّ الباطل؛ فعلى ذلك: إن كانَ المرادُ بالدولة المدنية: المعنى الفسلفي العلماني استحقَّ الدعاةُ إليها وَسْم العلمنة؛ وإن أريد بها ضدَّ العسكريةِ أو ضد البدائية المتخلفة أو ضد الدينية على المعنى السابق عند العلماء فلا يستحقُّ هذا الاسمَ المذكور.

(تنبيهٌ آخر) وإنما أطلنا في هذا التقريرِ لما تكاثرتِ الألسن على الإجمال في أمثال هذه الألفاظِ؛ من ذلك شعاراتهم (إسلامية إسلامية...لا مدنية ولا علمانية) ومثلُ هذا إساءة بالغةٌ لهذه المصطلحاتِ ومعانيها.

(مسلمة إلزامية موضوعية لا يسع دعاة الدولة المدنية إلا التسليم بها)

قد تضافرتْ نصوصُ الفلاسفة من أمثال "كتوماس هوبز" و "جون لوك" والحدثاء منهم وكذا دساتير العالم المدني المغربي من أنَّ الحاكم أو البرلمان أو حتى الشعب بالديمقراطية المباشرة إذا اختار أحكاماً دينية وجعلها قوانين للحكم: أن ذلك لا يُخرج الدولة عن وصف المدنية، وحينئذٍ: رفضُ الأحكامِ الدينيةِ التي اختارها الشعب أو البرلمان لمجرَّدِ أنها دينية سيكون حينئذٍ عدواناً على إرادة الشعب ومصادرة لها.

ورُغمَ أنَّ الأحكام الشرعية لا تتوقفُ إلزاميتها على استفتاء أحدٍ فنقول: خلوا بين الشعب واختياره، ولا تصادروا إرادته،وليطرح كل بضاعته، وما تختاره الأمة لا يسعكم إلا التسليم به.
وأمرٌ آخرُ؛ أن هذه الدول المغربية من أمثال "إنجلترا" و"الدنمارك" وغيرها ترى لزامًا أن يحدَّد هويةُ الدولةِ ديانةً إمَّا نصًا في الدساتيرِ أو ما كانَ أشبه بالعرف، إذ هو ليسَ مخالفًا للحرياتِ، ولا للمدنيةِ عندهم، وليسَ عائقًا عن التقدُّمِ، بل هو من أبسطِ طرقِ احترام أغلبيةِ سكانِ بلدٍ ما، وهي طريقة لحفظِ السلام بين أفرادِ الوطن والأقليات والحفاظ على حقوقها.

* وإن أبيتم جميعَ ما تقدَّم، فالسؤال قائم: بأي حق إذاً تمارسون المدنية والحرية بهذه الانتقائية العجيبة وذلك التحيز غير الموضوعي؟

والله أعلم.
 

رابط الكتاب : http://saaid.net/book/open.php?cat=83&book=8919
 

مقالات الفوائد