اطبع هذه الصفحة


قراءة في النفسية .. الغالية !!

دكتور استفهام


تختلف نفسيات وطبائع البشر ، وتتنوع محدداتهم النفسية ما بين ليّن هين ، وما بين قاس غليظ الطبع ، وما بين متوسط بين هذا وذاك ، ولكني وبعد التأمل في حركة " التفرق " التي حصلت في الأمة الاسلامية ، والنظر في سمات الفرق ، وحركات الغلو والتكفير وغيرها في القديم والحديث ، وجدت أن النفسية " الغالية " هي نفسية مهيئة ابتداء الى تقبل " الغلو " ، فبدايتها مع البعد النفسي ، ثم تتكلف في تأصيل غلوها بتلفيقات فكرية حتى تطمن نفسها بأن طريقها صحيح ، وهذه بعض السمات التي رأيتها في النفسية الغالية ، وهو محض اجتهاد مني :

السمة الأولى :

هي نفسية لا تقبل أنصاف الحلول ، فإما معها أو ضدها ، حيث لا تقبل أن تكون معها في البعض ، وضدها في البعض ، فإما موافقتها حذو القذة بالقذة ، او المفاصلة والمقاطعة والحرب التي لا تهدأ اورها ولا تنطفيء نارها ، وقد أشار شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله الى هذا حين تكلم عن نشوء الفرق وان أول قضية افترقت فيها الفرق هي مسألة اجتماع الخير والشر والبدعة والسنة والمعصية والطاعة في النفس الواحدة ، فقال بأن " الخوارج " قالوا لا يجتمع في الانسان خير وشر ، ولذا كفروا بالمعصية لأنهم يرون استحالة ان يجتمع في الانسان طاعة ومعصية ، فان وقع في معصية انتفى اصل ايمانه ، والمرجئة في المقابل قالوا لا يضر مع الايمان ذنب ، وأما اهل الحق والسنة فقالوا يجتمع في الانسان خير وشر وبدعة وسنة وطاعة ومعصية ، فيوالى على قدر ما به من طاعة ويعادى على قدرما به من معصية . ومما يدل على ذلك ذاك الصحابي الذي كان كثيرا ما يؤتى به فيجلد ، فلما سبه أحد الصحابة قال عليه الصلاة والسلام : ( لا تجلده فاني علمت انه يحب الله ورسوله ) فاجتمع فيه محبة الله ورسوله مع شربه للخمر .. فتأمل

السمة الثانية :

الشدة والغلظة في الطبع ، فلم أجد غاليا في التاريخ وهو لين العريكة ، سهل المعشر ، مخضع الجناح للناس ، بل تجد أن الصلف في القول ، والشدة مع المخالف ، والتجرأ على الحرمات والدماء سمة من سمات " الغلاة " على مدار التاريخ ، ولذا لا تجد خارجيا الا ما ندر لين الطبع ، وفي مقابل ذلك لا تجد مرجئا غليظ الطبع ، ولذا كان السمات النفسية دافعا الى تبني الفكرة ، ولذا تجد أن النفسية الغالية تجنح في أحيان كثيرة الى التنطع في الاختيارات ، وسلوك الطرق الوعرة فيها ، ومحبة التحريم في الاحكام ، ولم يخير الغالي بين حكمين دائرين بين الاباحة والحظر الا وتوجه الى الحظر مباشرة ، لأن التحريم يتوافق في الغالب مع النفسية الغالية ، ولذا كان تحريم المباح على النفس من صنوف الغلو والبعد عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد انكر النبي صلى الله عليه وسلم على من ترك زواج النساء ، ومن قام ولم ينم ، وصام ولم يفطر ، فقال عليه الصلاة والسلام " ( أما انا فاصوم وافطر واقوم وانام ، واتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني ) .

السمة الثالثة :

الاجمال في الأحكام ، وكره التفصيل فيها ، فهو يكفر بالعموم ، ويبدع بالعموم ، ولا يحب في الغالب ان يدخل في التفاصيل التي تمنعه من ممارسة هوايته في النكاية بالناس ، ولذا كان من سمات الخوارج الأخذ بظواهر الايات دون دخول في مقاصدها ومعانيها وتفاصيلها ، فقالوا " إن الحكم إلا لله " دون تكليف النفس في التأمل فيها والنظر في مناطات الأحكام ، وتنقيحها وتحقيقها ؟

السمة الرابعة :

الشدة على المخالف مع تعظيم الذات والانتصار لها ، فالغالي يفجر في خصومته ، لأنه يرى ان مسائله كلها مسائل محسومة من بعدها النظري ، فهو على حق مطلق ، وخصمه على باطل مطلق ، وهذا ما يجعل غلوه في تصاعد مستمر ، حين لا يتيح لنفسه التراجع عن أفكاره ، فالوثوقية من كل رأي يراه يجعله يفاصل الناس على كل رأي مخالف ، حين لا يبقى له الا فئة قليلة ممن هم على شاكلته وطريقته ، ولذا تجد ان الغالي من أقل الناس خلطة للناس ، وصبرا على أذاهم والتبسط معهم ، وفي مقابل ذلك فهم يتيمون ببعضهم البعض ، ويعظمون بعضهم بعضا الى درجة كبيرة ، ولذا تجد هذه الصفة حاضرة في الخوارج الذين هم رؤوس الخوارج في التاريخ والواقع ، فحين يتكلمون بخصومهم يكيلون لهم كل قبيحة ، وحين يتحدثون عن بعضهم فان الواحد ينفخ في صاحبه وهو لا يساوي بقلة ، وقد قال شاعرهم :

متأوهين كأن في أجوافهم ** نارا تسعرها أكف حواطب
تلقاهم فتراهم من راكع ** أو ساجد متضرع او ناحب
يتلو قوارع تمتري عبراته ** فيجودها مَري المريّ الحالب
ومبرئين من المعايب احرزوا ** خصل المكارم أتقياء اطايب

وقال آخر يصف ربعه :

تظل عتاق الطير تحجل حولهم ** يعللن أجسادا قليلا نعيمها
لطافا براها الصوم حتى كأنها ** سيوف إذا مالخيل تدمى كلومها

ومن صور تعظيمهم لبعضهم قول أحدهم :

وأسال الله بيع النفس محتسبا ** حتى ألاقي في الفردوس حرقوصا
وابن المنيح ومرداسا وإخوته ** إذ فارقوا زهرة الدنيا مخاميصا

وقد يقول قائل : هذا شي طبيعي ان يتمدح أحدهم الآخر لأنهم على منهج واحد ، فأقول نعم ، ولكن المفارقة العجيبة ان الذي يمتدح حرقوصا وابن المنيح ومرداسا يكفر علي بن ابي طالب والصحابة من ورائه ، وهذه هي المأساة التي وقع فيها هؤلاء ، حين لا يتورعون عن تكفير صحابة النبي الأكرم ، وتجد الواحد يتيم في حب خارجي مثله ، او يتورع عن تمرة في بستان رجل نصراني !

السمة الخامسة :

نفسية الغالي نفسية جلدة على حمل الفكرة حتى لو وقف الناس كلهم في طريقه ، ولذا لا يتورع من مفاصلة اقرب الناس اليه إذا لم يسر على مايريد ، فاليوم هو الرجل المقرب الكريم السلفي العظيم الامام الهمام ، وغدا هو الزنديق المرتد المبتدع الضال المضل ، بل رأسا من رؤوس الضلالة ، فهو ينحي منحى الغلو في الطرفين في الحب والكره ، ولا يتوسط في أمر من أموره ، فهو كما قال القائل :

وإنا لقوم لا توسط بيننا ** لنا الصدر دون العالمين او القبر

ولذا كان الغلاة من الصوفية والخوارج والمعتزلة وغيرهم من أشد الناس جلدا على العبادة والتخشع والتبتل ، والبعد عن الدنيا وزخرفها ، بل يعيش الواحد من هؤلاء ممتطيا صهوة جواده الى ان يموت فلقد قال قائلهم :

من كان يكره ان يلقى منيته ** فالموت أشهى الى قلبي من العسل

وقال الآخر :

حتى متى تخطئني الشهادة  *** والموت في أعناقها قلادة

وكان الحويرث الراسبي ينعى على نفسه طول البقاء ويذمها فيقول :

اقول لنفسي في الخلاء ألومها ** هُبلتِ دعيني قد مللت من العمر
ومن عيشة لا خير فيها دنيئة ** مذممة عند الكرام ذوي الصبر

ولذلك فإن الواحد يترك النعيم في سبيل نصرة ربعه الضلال ، وهذا يذكرني بقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه " اللهم إني اعوذ بك من جلد الفاجر وعجز التقي " ، إذ لو كان أهل الحق على جلد أهل الباطل لصلحت أحوالهم ، وتعيرت حياتهم ، فذلك الخارجي الذي تدعوه عروسه الى ترك ما هو عليه يقول لها :

تعاتبني عرسي على أن اطيعها ** وقبل سليمى ما عصيت الغوانيا
فكفي سليمى واتركي اللوم إنني ** أرى فتنة صماء تبدي المخازيا
فكيف قعودي والشراة كما ارى ** عِزينَ يلاقون المنايا الدواهيا

والشراة هؤلاء فرقة من الخوارج الذي يقول فيهم شاعرهم :

سلام على القوم الشراة نفوسهم ** وليس على القوم القعود سلام

فهم شراة ، أي باعوا نفوسهم لله واشتروا الجنة ، وكل من سواهم فهم قعود لا خير فيهم ، وهذا يذكرني ببعض صفات أهل الغلو المعاصرين الذين اذا ركبوا منهجا او تيارا او فكرة سلبت لبهم ، وصارت كل همهم في ليلهم ونهارهم ، فكل من سواهم فهو ضال ، او مخذل او منحرف او قد باع دينه بعرض من الدنيا قليل ، فان كان داعية سلخوه بالسنة حداد ، وان كان عالما حاصروه بأوصاف منفرة مقززة ، فكل من سواهم لا خير فيه ، وهم الفرقة الناجية ، والطائفة المنصورة ، المقيمين للاسلام القامعين للشرك والمعصية ، فهم هم ، وغيرهم بهم ،مهما كان عند غيرهم من خير ، إلا انهم لا يرونه خيرا ما دام ليس على طريقتهم والمنهج الذي يرتضونه ، وما عليك سوى ان تتامل في هذا حتى تدرك حقيقة الغلو وكيف يردي صاحبه .. !
 

مقالات الفوائد