اطبع هذه الصفحة


مناورة في كتاب \"العمق الاستراتيجي\" لأغلو

داود العتيبي
@dawood2002


بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم


في ليلة العيد وقبيل الفجر بدأت في قرائته ، كانت وعورة الألفاظ والعمق الاصطلاحي فيه يذكرني بأيام خلت أطل العيد فيه عليّ –وأنا مغترب في الطلب- فلم أجد ما أفعله سوى مراجعة \"ألفية الشاطبي\" فكانت مصادفة عجيبة في تشابه الأيام وتشابه الأفعال فيها وتشابه الكتب وتشاركها في الغرابة اللفظية، الشيء المغاير بينهما أن فعل الاغتراب كان إجباريا بينما \"العمق الاستراتيجي\" كان اختياريا .

روّى هذا الكتب بعض عطشي في محاولة فهم مصيرنا المعقد الذي نعيشه والبراغماتية السياسية التي تزيد الوضع الآني تعقيدا حيث لا دين ولا أخلاق ولا قيم وإنما هي المصلحة النفعية المشوبة ببعض الدبلوماسية اللفظية والفعلية .
قد يبدو الخمُس الأول منه الأكثر تعقيدا والأبعد نفعا في نظر مثقف مبتدئ لا تعنيه النظريات المنطقية ، غير أن سائر الكتاب متشابه في أوله وءاخره ضرورة ونفعا .

كان اللافت للانتباه والداعي للارعواء أولا :

توظيف هذا البروفيسور للتاريخ والجغرافيا في فهم المصير السياسي ، بل جعلهما بمثابة الدعامتين لأي استراتيجية تقوم عليها الدول أو تسير باتجاهها .
وقد يبدو هذا عند العرب غريبا في ظل السياسات الفردية التي تقوم عليها قرارات الدول العربية وتهميشها لمراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية .. فحيث \"أنا ربكم الأعلى\" بالمعنى والفعل لا باللفظ والقول لا مجال لأن يلقي موسى عصاه إلا بجهد جهيد .

ثانيا :

إثباته فشل الأفكار الغربية التغريبية في إرساء الأمن والأمان على شعوب منابذة لها دينيا وثقافيا وسيكولوجيا وأن العودة إلى الموروث الديني والثقافي والتاريخي ثم الانطلاق منها في تحديد الهوية وتحديد طبيعة العلاقة مع الدول الأخرى والثقافات الأخرى ضرورة أصيلة للنهوض من ركام التخلف .

ثالثا :

وقد يبدو أعجب ما في الأمر أن هذا الكتاب صنعه صاحبه في الألفين قبل أن يتولى منصبا استشاريا للرئيس أو حقيبة وزارية، بل كتب كتابه كأكاديمي صاحب نظرية سياسية واقتصادية وثقافية واستراتيجية .
فكان دخوله العمل وتولّيه الاستشارة ثم الوزارة امتحانا خطيرا، غير أنه تجاوز ذلك بنجاح تام فصار هو طباخ السياسة التركية الحالية وكتابه مائدة صانعي السياسة الأتراك .

وقد أدرج مؤخرا ملحقا للكتاب يذكر فيه بعض مستجدات الأحداث التي طرأت ، وقد منعته انشغالاته عن إعادة صياغة الكتاب ثانية ، فغزوة منهاتن أو أحداث سبتمبر ثم غزو العراق مؤخرا ثم أحداث سوريا الحالية ثم أحداث الانقلاب المصري تبدو امتحانا ءاخر لا يقل عن الأول في مجاوزة هذه الأزمة واختبارا لهذا \"العمق الاستراتيجي\"
خاصة إذا علمنا أن كتابنا هذا يقسم الحقب التاريخية –كمؤثرات دولية- ابتداء من ضعف الدولة العثمانية وتوسطا بالحربين العالميتين وانتهاء بتفكك الاتحاد السوفيتي والخلاص من الحرب الباردة .
مما حدا به كما قال –في بعض لقاءاته- إلى تغيير في السياسة الخارجية والتي تستوجب إعادة صياغة بعض النقاط كمتطلبات للعملية السياسية الدينامية .

رابعا :

تمتع تركيا بميزات كبيرة تجعلها دولة مؤثرة في المنطقة كونها ذات عنصر بشري هائل واحتضانها لممرات بحرية استراتيجية واتصالها بالمناطق الإقليمية فهي دولة أفرو أوراسية – أي دولة افريقية أروبية آسيوية- فمجاورتها للبلقان والقوقاز والشرق الأوسط وإيران وآسيا الوسطى وقربها من أفريقيا يجعلها منطقة جسرية بين القارات .
ولكن أغلو يقول يجب أن لا نقف على كوننا جسرا بين القارات وعبورا بين الحضارات بل يجب أن نكون صانعين ومصدرين ومؤثرين في العالم نظرا لتاريخنا وجغرافيتنا وعلاقاتنا واتصلاتنا إلى غير ذلك .
وهذا الوضع الإقليمي لتركيا كما أنه له ميزة لصنع المبادرات وجرأة القفزات إلا أنه يجعلها عرضة للمخاطر الإقليمية فروسيا القريبة منها وعلاقة تركيا المتوترة مع اليونان والتاريخ الصفوي لإيران والمسألة الارمينية ، كل هذا يفرض عليها توازنا بين الطموح والعقلانية .

خامسا:

فكرة \"تصفير المشكلات\" وهذا وإن بدا نظريا عبثا إلا أن السياسة التركية الحالية تسير نحو هذا أو تقاربه ، كما أن هذا لا يعني أن من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر إذا علمنا طموح هذا الطرح \"الاستراتيجي\" والذي يوجب أن تكون تركيا دولة قوية وعالمية ذات اقتصاد وعسكر يفرض آراءها ويجعل العالم كله يصغي لما تقول .

نعم تركيا المطبّعة مع إسرائيل والحليفة للولايات المتحدة والمنتمية إلى الناتو تدافع عن غزة وتمد جسورها نحو الشرق الأوسط وإيران والعراق وروسيا .. وتحاول أن تثبت للاتحاد الأوربي أن باستطاعتها النهوض من غير أن تنتظر رحمته في انضمام تركيا إليه .. كل هذا تستثمره تركيا الآن لتكون وسيطا سلميا بين الأطراف المتنازعة .. وما كان لدولة أخرى أن تستطيع فعل هذا غير تركيا ذات العمق التاريخي والجغرافيا الممتدة والقوة البشرية .

سادسا :

بدا أن تركيا التي آثرت الحياد والانعزال مذ هوت الخلافة وصارت جمهورية استيقظت من نومها وتفتحت أبصارها ومدّت آفاقها خاصة بعد سقوط وتفكك الاتحاد السوفيتي الذي كان مثار رعب لها والذي فرض عليها هذا الرعب أن تكون حليفة للمعسكر الغربي ..
أما بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وسقوط الثنائية القطبية وصعود نجم الولايات المتحدة لتكون اللاعب الوحيد الفارض لهذا النظام العالمي الجديد أتاح لتركيا أن تلعب أيضا وتفرض قوتها ووجودها .. وهو ما تريده أمريكا أيضا حتى تفرض بعض التوازن بين القوى الصاعدة كالصين والاتحاد الأوربي وإيران .

فتحت سياسة تركيا الجديدة أبوابها وسجّلت خطوات رهيبة ففي عهدها كانت أول تبادل للزيارات مع روسيا وأول رئيس يزور لبنان منذ وجدت .. إلخ وعلاقات دبلوماسية مع إيران وسوريا بعد عقود من الوحشة والاستيحاش والامتداد الدبلوماسي نحو أفريقيا وفتح سفارات عدّة لبعض الدول منها .

الدبلوماسية التي يتمتع بها أغلو في خطابه تبدو من الطراز الرفيع فهو يعيد الأتراك إلى أمجادهم العثمانية ويعتبرها جزءا من الآصرة التي تجمعهم مع الأكراد والعرب والبوسنويين والكوسوفيين والقوفاز ومسلمي آسيا الوسطى فهؤلاء كلهم عثمانيون، وهو بهذا يحل مشكلة الأكراد ويتقاسم نصر العثمانيين وهزيمتهم بينه وبين العرب ويقول للمسلمين في البلقان وفي أنحاء العالم أنتم منا ونحن منكم وهو بهذا يتسلل إلى القوميين الأتراك ليضعهم في الواجهة ويحمّلهم المسؤولية الكبيرة التي توجب عليهم أن يثقوا بقراراته وأن يعاونوه .
وأظن أنه ما كان لأغلو أن يتمتع بهذا الفكر السياسي لو الإرث الذي ورثه من ثقل الإدارة العثمانية والتجارب الطاحنة التي خاضتها .

ولعمري هو إرث لنا جميعا فما كان للعثمانيين أن يسقطوا لولا ضعف العرب وما كان للعرب أن يضعفوا لولا سقوط العثمانيين .
اغلو يدعو إلى فتح صفحة جديدة مع العرب ليتقاسمهم الهم ، لكن يبدو أن عربنا -حكومات لا شعوبا – ستكون شوكة في حلقه .

هذا طرحي لما ورد في الكتاب ولا يعني موافقة له كله بل أنا متحفظ على بعضه من حيث منطلقي الشرعي، ومعجب بكثيره حسب تصوري القاصر .
هذه لمحة عن بعض ما أبقته ذاكرتي وما شدّني إليه وهو أوسع من ذلك وفيه غير ما أقول .

داود العتيبي
24/8/2013
@dawood2002


كتاب : العمق الاستراتيجي (موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية) -pdf
 

مقالات الفوائد