اطبع هذه الصفحة


معارف المتجمهرين

سليمان العبودي


بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم


تظل الثغرات العلمية مطمورةً تحت ركام الأيام حتى إذا ما هبت رياح حدث فكري استوجب نزاعا انكشفتْ مواطنُ قصورٍ كثيرة في العقول والمناهج، والسوءات الفكرية لا توجب غضَّ البصر كالسوءات الجسدية وإنما توجب على الغَيارى إمعان النظر وتكراره واحتساب ذلك عملا صالحا حفظا لأوقات طلاب العلم والهدى وصيانةً لأذهانهم من الانزلاق في مغارات مظلمة تدكُّ صرح بنائهم العلمي الآخذ لتوِّه في الاكتمال؛ فسوءة الفكر إنما تُوارى بالتأمل والتمعن في الموضع المنكشف كي لا ترمَّ الجروح على فساد ولا ينبت المرعى على دِمَن الثرى، وطالبُ الحق الذي يبني تصوراته ابتداءً على أنقاض الأطروحات المتصادمة إنما يبني بناءً مشوَّها مهددا بالانهيار؛ لذا يُحَذِّر بعضُ العلماء من التأسيس ابتداءً على كتب الردود ولو كانت ردودَ أهل السنة على المبتدعة، فحينما يُخصَفُ ثوبُ التصورات الأولية من قماش تجاذبته الأيدي فلا تسل عن الخروق في وسطه وعلى أطرافه!

وإني - والله يشهد - لطالما وجدت في نفسي إجلالا لاثنين من طلبة العلم:

الأول:
الذي يرى انكباب الناس مرةً بعد مرةٍ وراء الجديد من الأطروحات كما ينكبُّون على "موضات" اللباس والأجهزة؛ وهو عازف عن كل ذلك - لا عجزا - وإنما لأن العمر قصير والعلم النافع كثير .

والثاني:
الذي يرمق انقسام الناس إلى شطرين في مسائلَ يعرفُ في قرارةِ نفسه أنه لم يحتشد لها ولم يحط بأصولها علما، فيهديه اتزانُه إلى أن يختار لنفسه قولا ثالثا في المسألة التي تتقاذفها ألسنة اللهب وهو التوقُّف وصيانة القلب عن دخان الحرائق المفتعلة، ومن ثَمَّ يربطُ لسانَه بحزام التأمل العميق، ويتحاشى أن يقفوَ بقلمه الغضّ ما ليس له به علم، لأن (السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا) وأغلب ما سيخسره من هذا الإعراض هو شيء مما أسميه (معارف المتجمهرين) وهي تلك الآراء الانفعالية الخاضعة للظروف النفسية لأقطاب رحى النزاع وما يستعرضونه من "موضات" الأفكار، وغالبا ما تنحسر هذه الآراء عن أصولها المعرفية، وطالما حزنت لذلك الذي كلما سمع هيعة فكرية طار إليها، واستفززَ إليها مَن استطاع بصوته وأجلَبَ عليها بخيله ورجله وشاركهم بكل ما يملك من لياقة روحية وطاقة عمرية، وأكثر هؤلاء الذين يولعون بالتجمهر على مثل هذه المناكفات الثقافية؛ يفقدون مع الوقت الميزان الشرعي الصحيح للأشخاص والأقوال، فيمسي أحدهم يرى النجاحَ العلمي أن تكون شخصيّتِك موضعَ جدل وردٍّ ونقضٍ وتأييدٍ وإبطال؛ وترمق أبصارهم الواهنة مَن نجح في مجرد الإثارة رمَقَ إكبار وإجلال؛ بغضّ النظر عن إصابته أو مقاربته للمراد الإلهي من عدمه!

لقد كان صبيغ بن عسل لافتا على الساحة الثقافية في القرن الأول، وكان يلقي أحجارا في مياه راكدة، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعيد الركود بالدرّة لتلك المياه التي حركها صبيغ، وربما لو وجد صبيغ في عصرنا لطبع سؤالاته حول سورة الذاريات في بعض الدور الحفية بإثارة التساؤلات وتصدير الارتيابات في جميع المناطق العلمية أيا كانت بغض النظر عن كونها ستقود السائل أو المسؤول إلى جواب أم ستتركه تمضغه أنياب الحيرة، وهكذا واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد وابن أبي دؤاد والجبَّائيَّان وغيرهم كانوا يحركون مياها شديدة الركود في العقل السني ولم تكن تلك التساؤلات محمودة وفق الميزان الشرعي للأقاويل والأطروحات، بل هي خليقة بالمصادرة على قدر الاستطاعة، وإن كان معلوما أن سؤالات هؤلاء تخلَّقَت داخل منظومة فكرية أخرى متكاملة، لكنَّ المقصود من هذا السياق أن معيار الإثارة يجب أن يتنحَّى عن ورقة التقييم الشرعي، وأن يظلَّ في منأى عن الإشادة به مجردا عن عامل إصابة الحق؛ وذلك لأن كل طالب علم يعلم أن هذا المسلك ليس عسيرا؛ فهات لي أي مسألة عقدية أو فقهية أو فكرية أو أصولية أو تاريخية..؛ أُخبرْكَ كيف تثير بها زخَما مؤقتا من الجدل والإثارة وتسثير بها ركاما من الردود الغاضبة وتورث الساحة انقساما من أجل أطروحتك لكنَّ (العلمَ النافعَ وراء ذلك)!

ومن المعلوم أن البعض يحتفي بالسؤالات والاستشكالات بحثا عن اليقين، لكنَّ هذا المسلك محفوف بالمخاطرة، وهو غالبا ناشئ عن خطأ في فهم اليقين الشرعي الذي هو
(واردات ترد على النفوس تعجز النفوس عن ردها)
فهو يُحصَّل من تظاهر الأدلّة وتعاضد الحجج لا مِن ملاحقة المعارضات الخارجية ونقضِها، فالحقُّ يعرفُ ابتداءً بكثرة أدلته اليقينية وأهل السنة يؤسسون مذهبهم على مجموع الأدلة الشرعية التي يتفاوت المؤمنون تفاوتا هائلا في تحصيل آحادها من جهة وفي تحصيل حقائقها في القلوب من جهة أخرى، وكلُّ من حصَّل منها قدرا عاليا فرح قلبه وطابت نفسه، كما يقول الشافعي في الرسالة (الأخبار كلما تواترت وتظاهرت كان أثبت للحجة وأطيب لنفس السامع) وشرح المعلِّمي هذا الانتشاءَ القلبيَّ اليقينيَّ بقوله (والعالم يفرح بتظاهر الحجج).

هذه المرحلة الأولى، ثم ينتقلون للإجابة عن الإشكالات الطارئة، وربما أجابَ العالم عن بضعِ إشكالات ولم يعرف وجهَ الجواب في أخرى، وعرفها غيره من أهل العلم، لكنَّ هذا لا يجعله يبرح الحق قِيدَ أنملة لأنه عرف الحق بالأدلة اليقينية ابتداءً، ولأنَّ الإشكالات بحرٌ متلاطم كثرةً، فلو كان سيتتبع خيوط الإشكالات المعقَّدة ليجيب عنها لربّما التفَّ على عنقه فلم يؤمن بشيء ألبتَّة لوجود تساؤلات في كل طريق، وعدم إيمانه بشيء ألبتة سيبعث عليه إشكالات أخرى أشدّ بؤسا، وهكذا ينحدر تدريجيا في هوة الارتيابات السحيقة، كما يقول المسيري عن مرحلة قاتمة من مراحله الفكرية: (تخليت فيها عن الإيمان حينما تصورت أني أحلُّ بهذا المشاكل الميتافيزيقية التي عرضت لي؛ لكن بعد ذلك بدأت المشاكل!).

قال الشيخ السعدي رحمه الله في تفسيره العذب: (إذا تبيَّنَ الحق بأدلَّته اليقينية لم يلزم الإتيان بأجوبة الشبه الواردة عليه لأنها لا حد لها، ولأنه يعلم بطلانها، للعلم بأن كل ما نافى الحق الواضح فهو باطل) فإذًا مجرَّد كونها مصادمة للحق الذي تحصَّل بأدلَّة كثيرة هذا بحدِّ ذاته ردٌّ مفحم عليها بصورة غير مباشرة، ومِن أغربِ ما أنتَ راءٍ من يتباهى بارتياباته وبكونه تمزقه رماح الحيرة بينما يغمز الآخرين الذين يسترخون على وسائد التقليد، أو تندُّ منه عبارات تمتدح مطلق التساؤل، ويكون هذا - بحد ذاته - من معايير الثناء على الكتب والأطروحات؛ بأنها تلك التي تزرع في فؤادك بذور الريب وتقذفه في رمضاء السؤالات، ولا يهمُّ كون السؤال نفسه صوابا أو خطأً، الأهم أن تظل متسائلا في كلِّ شيء؛ إنك لا تجد أمثال هذه العبارات الموغلة في ذم الاعتقاد الجازم صادرة من أحد من أئمة الإسلام الكبار ولا للمحققين من أهل العلم، وإنما غاية ما هنالك طلب الدليل والتأمل لتعميق التصورات الصحيحة لا لخلخلتها باسم إثارة التساؤل وتحريك المياه الراكدة! بل ثبت عنهم ما يناقضها، ولهذا يقول ابن تيمية: (لم يمدح الحيرة أحدٌ من أهل العلم والإيمان).

كلَّما رأيتُ - ما أشرتُ إليه في رأس المقالة –هذه المنازعات الفكرية، وما يستتبع هذا النزاع الدائب من تجمهرٍ محتدم على معارف محدودة وتجفيفٍ لموارد اليقين؛ يتداعى في ذهني تساؤلٌ ملحٌّ/ ما الذي يجعل أطروحةً ما ينقسم الناس إزاءها ما بين قابِلٍ مصفِّق وبين صامتٍ متحفِّظٍ وبين رافض معترض؟

حاولت أن ألخّصَ أهم الإجابات التي جالت بخاطري ووضعتها على سطح المكتب؛ لاشك أنَّ مِنْ أسباب الرفض عند كثيرين: التوجُّس من الجديد أيا كان (لأن الفطام عن المألوف شديد والنفوس عن الغريب نافرة) كما يقول أبو حامد، ومن أسبابه عند آخرين: كوامنُ نفسية متغلغلة إزاء القائل وهي تتحكم بموقفه من القول نفسه تبعا، وهذا يماثل موقف الذين قالوا: (لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم)، فإباؤهم بسبب أنهم لم يقتنعوا بالرسول صلى الله عليه وسلم لا بالرسالة؛ حين نسقط من تفكيرنا هذين الفريقين اللذَين رفضا أطروحةً جديدةً لأحد السببين السَّالِفَين؛ لاشك أنه سيتبقى آخرون ليس لديهم نفرة طبعية من الجديد، ولا تحكمهم نوازع نفسية إزاء القائل، وهؤلاء أيضا لهم أسبابهم، لكن توقَّف خاطري برهةً عند أحد هذه الأسباب وسرَّحتُ طرفي فيه وطفقت أتملاه قليلا.. ألا وهو الفارق العلمي بين الناس، وما أكثر ما يذكر هذا سببا للخلاف إزاء الآراء دون التغلغل إلى شيءٍ من معانيه؛ فلا أقصد الجهلاء أصحاب الذهن الفَضاء الذين لا يحيطون بشيء من العلم ويصدق في كثير مما يتلقَّفونه بأنه (صادف قلبا خاليا فتمكنا) .. وإنما أقصد أولئك الذين يقولون بشيءٍ من العلم، لكنَّ علمهم قاصر عن سبر غور الأطروحات والآراء، وبالتالي لا يملك أحدهم محاكمتها محاكمة صحيحة، فعلمهم:

1- إما متصل بتلك المسألة معرض عما سواها.
2- وإما متأخر عن فقه رتب الأقوال لتماثُلِها في الظاهر.


فقصور النظر إما في الطول وإما في العرض:


أما الأوَّل
فهو مِن أسباب الخلاف الشائعة قديما وحديثا، فلا ريب أن الناظر في إشكال فرعٍ بمعزل عن سائر الفروع سيجيء جوابه مختلفا عمَّن يثقل كاهلَه باستحضارها ، ومن أمعن النظر في طرائق أهل العلم وجد أن فقههم يتمايز كلَّما كان شاملَ النظرةِ لا يعالج إشكالا في باب فتنشأ بتلك المعالجة إشكالات في أبواب، وكلُّ من راعى هذا النظر كان أحرى أن يأتي جوابُه في غاية النظم والاتساق.

أرادَ أبو المعالي الجويني مرةً أن ينقض قولا أصوليا فلمَّا انتهى من ردِّه ذكرَ إشارةً لطيفة توحي أنه اختار هذا الجواب دون سواه رغم وجود أجوبة صالحةٍ أخرى، لكن فسادَها لا لذاتها وإنما لكونها تفسد مواضع أخرى؛ قال: (من سلَكَ غير هذه الطريقة، فقد شوَّش على بقية أصول الأبواب) فمِنْ فقهه أن يستحضرَ أن الإشكال القائم ليس أحق بالنظر من الإشكال المستوفز للقيام!

ولمَّا طعَنَ السيد رشيد رضا - عفا الله عنه - في حديث أبي ذر في الصحيحين عن مستقر الشمس تحت العرش..؛ قال الشيخ عبدالرحمن المعلّمي- رحمه الله -: (هذا الطعن يترتب عليه من المفاسد ما لا يعلمه إلا الله .. وكلٌ من التأويلِ -ولو مستكرها- والوقفِ أسلم من هذا الطعن) .. فمن ثاقِبِ نظر الشيخ أن قضيَّتَهُ ليست هذا الحديث فحسب، ولو كان كذلك لما فضَّل عليه التأويل المستكره! فكلا الطريقين يلغيان مضمون الحديث، لكنه أراد درء المفاسد الأخرى التي تترتب حتما في بقية فروع الشريعة، والتي عبَّر عنها بقوله (يترتب عليه من المفاسد ما لا يعلمه إلا الله).

يا تُرى! هل يدرك مثلَ هذا الفقه الشمولي من يعيد النظر مثلا في باب عدالة الصحابة لأنَّ موتورا ساقَ إلى سمعه قصَّة تافهة مسرطَنة الأسانيد؟ إنْ فَعلَ هذا فكم بابٍ من الدين سيضطرب عليه؟!

وهل يدرك هذا الفقه الشمولي من يوشك أن يتقلَّد أطروحةً قصاراها أن تجعل جملةً من عقائد السلف هلامية ليست مجزوما بها وإنما هي من جملةِ الآراء المتاحة؟ إن فعل هذا فكم باب من الدين سيضطرب عليه؟!

فهذا الفقه الشمولي الممتد عرضا هو الذي يتجاوز معرفة القول إلى معرفة آثاره على الشريعة، وهو الذي يغيب أحيانا فيورث الخلاف، لكنه لم يغب عن ذهن الراسخين الذي وصفهم الشاطبي رحمه الله بأن شأنهم (تصوُّرُ الشريعة صورةً واحدة) وهذه العبارة الشاطبية تلخص الفقرة بكاملها!

هذا ما يتعلق بالجانب الأول من جانبي قصور النظر عن فقه المقالات وأما الثاني فمَن نظرَ في تصرفات المحققين من أهل العلم وجَدهم لا يتوقَّفون عند سطحِ المقالات وإنما يتغلغلون لملامسة جذورها، ويكون الحكمُ متوجها للقول وظروف ولادته جميعا.

فمثلا من قال بأن تارك الصلاة لا يكفر استدلالا بآية: (إن الله لا يغفر أن يشرك به)، أو بحديث عبادة بن الصامت الذي في السُّنن؛ هو أسلمُ عندهم مِمَّن لا يكفِّرُ تارك الصلاة بناءً على أن العمل غير داخل في مسمَّى الإيمان، معَ أن القولين متماثلان في الظاهر.

ومَن أخطأ من رواةِ البصرة في فهم آيات القدر وهم الذين قال فيهم الإمام أحمد: (لو تركنا الرواية عن القدرية لتركناها عن أكثر أهل البصرة) هم أسلمُ - حتى بالنظر في هذا القول وحده - من المعتزلة الذين قالوا بقولٍ يماثله في صورته الكلية، مع أن القولين متماثلان في الظاهر.

وذلك الذي يردُّ حديثا لأنه لم يثبت عنده هو أسلمُ ممن يردّه لأنه حديث آحاد، مع أن الحديث واحد .. وهكذا تلمحُ فقهَ العلماء المحققين لا يقف عند حروف المقالة البارزة، بل يسري إلى أوصالها ويتتبع ظروف ولادتها الغامضة؛ ولهذا لـمَّا اعتمد الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تقسيم الأخبار وفق تقسيم المتكلمين نبَّه الناظرَ في كلامه إلى أن هناك من يعتمد التقسيم ذاتَه، لكنه يريد به معنى مختلفا؛ فقال الشيخ: (ودع عنك تفريق المتكلمين في اصطلاحاتهم بين العلم والظن، فإنهم يريدون بهما معنى غير ما تريد).

وقال ابن حزمٍ مبيِّنا مثل هذا التفاوت الذي لا يراه الناظر الذي يغره تماثل الأقوال: (قد وافقنا أصحاب القياس في نتائج كثيرة إلا أن مقدماتنا غير مقدماتهم).

ولـمَّا استعرض الشيخ محمد الأمين مسألةً مبنيَّةً على أصل القول بالكلام النفسي قال في آخرها بأنها: (من المسائل التي فيها النار تحت الرماد) أي أنها متفرِّعة عن أصل منحرفٍ خفي .. هل يدرك مثل هذا الفقه المتعمق من يتتبع بعض العبارات المستنكرة في بعض الأطروحات المرفوضة ثم يتطلب نظائر لها لم تُستنكر غافلا عن هذا الفقه المتغلغل لحقائق الأقوال؟

وهكذا تجد أن الجانبَين اكتنفا عن فقه للأقوال (شمولي) لبقية فروع الشريعة المتصلة بهذه المقالة، وفقه (متعمِّق) في القول نفسه، وبتحصيلهما يحصل للناظرِ من الرسوخ في النظر وحسنِ تقييم المقالات الجديدة ما الله به عليم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .. وأكثر الغلط بين أهل العلم في تقييم الأطروحات الجديدة هو بسبب فقه يفتقر للعمقِ أو الشُّمول، ولذا تجد بعض من يستعجل في اتخاذ موقف من أطروحة جديدة من خلال نظرات عجلى لم تجاوز ظاهرها حينما يتبيَّن له لاحقا أثر هذا القول على بقية الأبواب أو بناؤه على أصل منحرفٍ؛ يعودُ بضع خطواتٍ إلى الوراء ويسرع في لجْمَ اندفاعةِ قلمِه ويتمنى أنه لم يتعَجَّل في الهتاف.

ومن الخطأ في تقييم الأطروحات المبني على غياب العمق ما قام به صاحب كتاب "العلم الشامخ" من اتهام الإمام أحمد بالبغي وقال بأنه - في مسألة خلق القرآن - (جعلها عديلَ التوحيد أو زاد.. وبلغ في هذه المسألة ما أمكنه من التعصب) .. فتعقَّبه الشيخ المعلَّمي بقوله: (المقبلي لم يسبر غور هذه المسائل .. فلذلك أخذَ يلوم أحمد وينسبه إلى الإفراط في التشدد ، ولعله لو علمَ ما علِم أحمد لنسبه إلى التسامح)!

ويجملُ بمَنْ أدركَ زيفَ مقالة ما أو أطروحة بسبب استحضاره هذين الفقهَين أو أحدِهما أن يقلِّلَ حجم اللائمة التي يلقيها على قفا إخوانه ممن غاب عنهم أحد الفِقْهَين أو كلاهما، فمن صنيع السلف أنهم كلما اشتبهت مقالة معينة أن يرفعوا بعضَ ما يترتب عليها من أحكام، فيستطيع أن يجمع بين الرفض التام لفكرةٍ معيَّنة وبين حفظ حقِّ ومكانة مَن تقلَّدَها، فأشياء كثيرة تجعل الناس يقولون خلاف الحقيقة غير تعمد الغلط، ومن أدرك هذه الطبيعة البشرية؛ هان عليه بناء جدار سامقٍ يفصل بين صلاحهم وآرائهم، ومن بنى هذا الجدار بإحكام استطاع أن يكون متزنا، فلا يظلم الأشخاص بذريعة هدم الباطل (كما قد يبغي بعض المستنة بزيادة على ما أمر الله به)، ولا يظلم الحقائق العلمية أيضا باسم الحفاظ على مكانة الرجال! وهذا أفدح من الأول فالأمانة التي ترثها الأجيال القادمة منا هي الحقائق العلمية وليست جثامين حملتها!

وقد انقلبت القضية، فلِكونِ الذوق الثقافي العصري أمسى لا يكترث بحقائق الأقوال مهما أوغلت في الضلال ما دمتَ تعبر عنها بلغة رفيعة وأدبٍ جمّ، فيشتطُّ الرجل أو يبتدع أو يكثر شذوذه وتَنَفُّجُه وادعاءاته بلا برهان ويظل قوله - رغم كل ذلك - في دائرة الرأي المقبول، بينما يصيب الآخر الحقَّ بعبارة جارِحة فتمجُّه النفوس وتقصيه من دائرة الصواب!

ولا يُقصد بهذا تسويغ القسوة والإغلاظ في القول على أي حال، وإنما الواجب أن يبيِّن الصواب وما يقتضيه المقام من البيان، وفي أغلب المقامات تكون في (النكاية العلمية كفاية؛ لو كانت النكاية مقصودة لذاتها).
 

سليمان العبودي
2/ 8/ 1436 هـ

 

مقالات الفوائد