اطبع هذه الصفحة


فقه الذل والهوان !

عمر بن عبد المجيد البيانوني


بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم


صبر الكثير على الذل والهوان لأنهم كانوا في حالة ضعف يصعب عليهم الانعتاق والتحرر مما أصابهم، ولكن المصيبة أن هناك عدداً ممن يدَّعي العلم أصبح يُشَرعِن لهذا الضعف والتخاذل، فأصبح فقهه هو (فقه الذل والهوان).

ولأن المفترض في مثله أن يتكلم بلغة علمية، فإنك تجد ظاهر كلامه أنه مبني على علم وفهم، ولكن حقيقته أنه مملوءٌ بالمغالطات التي لا يقبل بها عاقل فضلاً عن عالِم، فتراه يأخذ من النصوص ما يحلو له ويضعه في غير موضعه، ويترك النصوصَ الأخرى التي تخالف هواه، فلا يجد في تعامله مع المجرمين إلا قوله تعالى: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) وقوله: (فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناَ)، ولا يذكر من الآيات: (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ)، (وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)، وقوله تعالى على لسان موسى عليه الصلاة والسلام: (وإنِّي لأظنُّك يَا فرعونُ مَثبُوراً)..
ويأتي بالأحاديث التي تأمر بالطاعة، ولا يذكر الأحاديث التي تحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وتراه ينكر على إخوانه خلافهم معه في الظنيَّات، ولا ينكر على أعدائه خروجهم على القطعيَّات..

وتجده لا يرى من الأحرار إلا الأخطاء التي يتخذها مبرراً لعدم تأييدهم، ولا يرى من الأعداء شيئاً يمكن إنكاره عليهم، فيحسن الظن بأعدائه ويسيء الظن بإخوانه!

وتراه فَرِحاً مسروراً كلما ضعف المسلمون؛ لأنه يظن أنه بذلك قد أثبت صحة موقفه ورأيه في عدم تأييدهم.

ويجعل محاربةَ الأعداء الذين لا يُشَك في عداوتهم (فتنةً)، ولا يجعل تأييدَه لهم على إجرامهم (فتنةً).

ويدَّعي أن ما حصل هو (فتنة) يجب اعتزالها، ولكنه لا يعتزلها بل ينكر على المظلومين ويقف مع الظالمين.

إن الذي يلوم الشعب المظلوم على ثورته، كالذي يلوم القِدْر الممتلئ والنار مضرمة تحته على غليانه وفورانه، فهو يستنكر منه أمراً خارجاً عن طاقته وقدرته.
وإنما كان عليه أن يطفئ النار، لا أنْ يلومَ القِدْر!
وكذلك الذي يلوم الشعوب، كان عليه أن يسعى في إطفاء نار الظلم..
لا أن يترك ناره مشتعلة ثم يلومه على غليانه!

وليت الذي يشعر بالضعف في نفسه أن يعترف بذلك أو يعتزل، ولا يسمح لنفسه أن يبرِّرَ خطأه ويلبسَه لبوساً علمياً ودينياً..

10ـ
(فقهاء الذل والهوان) مهما علموا من الحقائق ومهما رأوا من الأحداث، فإن ذلك لن يزيدهم إلا إصراراً على موقفهم.
لأن هؤلاء مصيبتهم ليست في علمهم، وإنما في ضميرهم وأخلاقهم.

وصلَّى اللهُ على سيِّدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراً والحمدُ للهِ ربِّ العَالمين.
 

مقالات الفوائد