اطبع هذه الصفحة


ماذا تعلمنا من انتصار الأتراك وأردوغان؟!

عبد الحميد المحيمد
@abd_h_as


بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم


في لحظات كتم الشرفاء فيها أنفاسهم وأطلق المرجفون فيها صيحاتهم !
كان العالم كله يراقب ما يحدث في تركيا وينتظر اللحظة الحاسمة ؛ مع اختلاف في المؤمل والمرجو من ذلك :
( وترجون من الله ما لا يرجون )
ثم جاءت ساعة الحسم لينقلب السحر على الساحر وينتصر الحق على الباطل رغم أنوف الحاقدين والشامتين .

والذي استوقفني هنا ليس فقط هبة أحفاد العثمانيين وتلاحمهم وطيهم لصفحات الخلاف والشقاق وخروج مسلمهم وعلمانيهم ومؤيدهم ومعارضهم وصغيرهم وكبيرهم ورجالهم ونسائهم إلى الساحات والجسور والشوارع ليستعيدوا حريتهم وحقوقهم من الغاصبين .
بل استوقفني أيضاً حالة العرب المتفرجين ؛ الذين انقسموا إلى فريقين يتخاصمون وتجاهلوا أخذ الدروس والعبر .

فماذا تعلمنا من أردوغان وشعب تركيا ؟!
تعلمنا أن المحن والشدائد تكشف معادن الرجال وتغربل الشعوب
وتمحص القلوب وتكشف النوايا الدفينة وتظهرها للعلن .
فكم هي المحن التي عصفت بنا كمسلمين وعرب بدءاً من فلسطين إلى العراق وانتهاء بسوريا ومصر واليمن ...؟
فهلّا تعلمنا الدرس من شعب تركيا ؟
هلّا تعلمنا أن النصر مع الصبر والثبات ، وأن الحقوق لا توهب وإنما تُنتزع انتزاعاً !
فلو أن الأتراك قبعوا في بيوتهم وأغلقوا نوافذهم لاستبد العسكر بحكمهم ولوطئ أحلامهم وخنق حرياتهم !
ولو أن زعيمهم أردوغان فرّ من بلاده ولم يهمس بآذانهم عبر الجوال لفقد شعبيته وأضاع هيبته وطويت أخباره .
إذاً نحتاج الصبر و المبادرة بالفعال لا التنظير والأقوال .
ولقد تعلمنا أن أصوات التكبير الصادح من الجوامع أقوى من الرصاص المندفع من فوهات البنادق والمدافع .
وأن الدعاء في جوف الليل بقلب مجروح وصوت مبحوح ولسان لحوح هو السلاح الذي لا يخطئ الهدف .
فكم من قائم وساجد وعابد تضرعوا ليلتها ودعوا ربهم وجأروا إليه.
فما أحوجنا للدعاء وألا نتخذه للتجربة وعند الحاجة ولكن ندعو بيقين وثقة ونكثر منه وقت الرخاء والشدة .
وهنا استذكر كلمات قالها القائد المسلم قتيبة بن مسلم في إحدى المعارك حيث سأل عن محمد بن واسع الزاهد العابد ؛ فقيل : هو ذاك في الميمنة جامح على قوسه ، يبصبص بأصبعه نحو السماء . فقال : تلك الأصبع أحب إلي من مائة ألف سيف شهير وشاب طرير .

تعلمنا أننا يجب أن نلتف حول القادة المصلحين والمخلصين وألا يكون ديدننا التسفيه والانتقاص أو الطعن والتشكيك .
فكم من مخلص جهلنا قدره حتى إذا بذل روحه وفارق الحياة تسابقنا لنعدد محاسنه وننشر بطولاته وسيرته .
لقد تعلمنا أن القائد الحقيقي ينبغي أن يكون متوكلاً على ربه واثقاً بشعبه لا بجنده ومدافعه .
هكذا ظهر أردوغان وهو الذي كان يردد قول الله تعالى : { لا تحزن إن الله معنا }
وهو الذي قالها مراراً : لا غالب إلا الله .
لقد رأينا كيف خرجت حشود الجماهير وكأنها سيل عارم لتجرف الدبابات وتنتزع البنادق من الانقلابيين .

وتعلمنا أن رص الصفوف سبيل النجاح ونبذ الخلاف مصدر القوة والفلاح .
فما أحوجنا للتلاحم والغض عن العيوب والنقائص وتغليب المصلحة العامة على الخاصة .

وأخيراً اذكركم بقوله تعالى :{ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}

ولنصغِ إلى تلك الصيحة التي أُطلقت قبل عدة عقود :

تنبهوا واستفيقوا أيها العرب --- فقد طمى الخطب حتى غاصت الركب
فيم التعلل بالآمال تخدعكم --- وأنتم بـين راحـات الـقـنا سـلـبُ
فشمروا وانهضوا للأمر وابتدروا --- من دهركم فرصة ضنّت بـها الـحقب .

أسأل الله أن يؤلف بين قلوب المسلمين ويصلح أحوالهم وينصرهم على من عاداهم.
وصلى الله على نبينا محمد .

بقلم عبد الحميد المحيمد


 

مقالات الفوائد