اطبع هذه الصفحة


رسالة للمسؤولين عن نظام ساهر

د.عبدالقادر بن محمد الغامدي


بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم


الحمد لله وحده, والصلاة والسلام على من لا نبي بعده, وعلى آله وصحبه, وبعد؛
فيا أيها الإخوة المسؤولون عن نظام ساهر في بلادنا المملكة العربية السعودية, أدام الله عزها , السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد؛
فلا شك أن ولاة أمرنا وفقهم الله إنما سمحوا بتطبيق هذا النظام لما يحققه من مصالح كحفظ أرواح المواطنين, وهو مطلب ملح لكل عاقل .
ولكن وبما أنكم أو بعضكم كما نظنه فيهم يتقبلون النصح بصدر رحب, ويطلبون الاقتراح، ويفرحون به فاسمحوا لي أن أعبر عما في قلوب أكثر الشعب أو كثير منهم , فأقول المثل السائر : (ما هكذا تورد الإبل يا سعد)!.
فأنا أرى وكثير من المواطنين, أن استخدام ساهر بهذه الطريقة كان ضرره أكثر من نفعه بأضعاف مضاعفة . وبالإمكان الحصول على أحسن من النتائج التي حصلنا عليها بسبب (ساهر) بغير هذه الطريقة, بشرط ألا يكون استنزاف ما في جيوب المواطنين هو الأهم الأقصد .
إن أي نظام يكون له منافع ومقصد واضعيه حسن لا تجيزه الشريعة ولا العقول والفطر إلا بشرط أن تكون المصالح المترتبة عليه تفوق المفاسد . وقد يحرم الشرع - ولا يحرم إلا لحكمة تشهد بها العقول السليمة, وتتوافق مع مصالح الخلق الصحيحة والراجحة – يحرم أمورا وفيها منافع بسبب أن مفاسدها أكبر . كتحريم شرب الخمر مثلا, ونحو ذلك , قال تعالى : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا) .
إن النظام الناجح هو الذي يرضى به العاقل إن طبقت عليه عقوباته , لمعرفته أنه نظام عادل يتفق العقلاء على صحته . ومن علامات نجاح أي نظام محبة العقلاء له ولواضعيه وإن اختلفوا فالمرجع كتاب الله وسنة رسوله, والنظر باستبانات صحيحة إلى المصالح والمفاسد ، وأخذ رأي المطبق عليهم الذين عرفوا واقعه لا غيرهم .
إن سوء ظن المواطنين بالمسؤولين عن هذا النظام بهذه التطبيقات, وبغض كثير منهم لهم, ودعاءهم عليهم, وما أكثر ما يدعون - وقد تكون أدعية مظلومين لا عذر للظالم فيها - لدليل على أنه نظام غير ناجح بهذه التطبيقات .
لقد أصبح هذا النظام أيها الإخوة (كابوسا) لأغلب المواطنين, أو على الأقل على ذوي الدخل المحدود منهم, ولا يوجد في الشريعة البتة عقوبات تصل إلى هذا المستوى من العقوبات, بل يوجد ذنوبا أعظم من هذه الذنوب وعقوباتها في الشرع أقل من هذه العقوبات والتهديدات والتخويفات بالسجن ومصادرة المركبات, وكأننا أعداء لا أصدقاء.
لقد استنزف هذا النظام منذ وضعه من بعض المواطنين غير المتهورين عشرات الألوف بل مئات الألوف, ولو أن أحدهم دفع دية مقتول لم تصل لهذا الحد, كيف وهي عقوبات لمن لم يقتل أحدا ولم يؤذ أحدا . مجرد أن السرعة المطلوبة 80 وهو مشى فوق التسعين مثلا .
ومعلوم أن الشخص قد يغفل وقد ينسى, وقد يكون باله مشغولا, أو عداد سيارته غير سليم, وقد يرد على مكالمة ضرورية لو لم يرد عليها لحصلت مشكلة , وقد وقد ..الخ .
إن نظاما يريد أن يعاقب شبابا متهورين فتجري العقوبة على شعب بأكمله لنظام غير سليم. إنه يكفي لمنع الناس من تجاوز الإشارة وهي حمراء وجود سيارة مرور عند الإشارة , ومع هذا ربما حصل قطع الإشارة بغير قصد, فربما رن منبه سيارة خلف الشخص فظن أن الإشارة فتحت, وقد يحصل له حادث ويتحمل ما حصل له, وهو قضاء وقدر .
لكن مع وجود رجل المرور ينظر للقاطع ويقرر ما إذا كان شابا متهورا أو رجلا عاقلا غفل أو ذهل .
أما أن تكون العقوبة باهضة وبغير رحمة وينظر للوفيات التي حصلت بسبب قطع الإشارة بدون النظر لأغلب المواطنين البريئين من التساهل في مخالفة الأنظمة لهو ظلم وجور .ولست أتكلم عن مضاعفة المخالفة إذا لم يسدد فهو ربا صريح وظلم قبيح . لكن مجرد وضع هذه العقوبة يسبب قلقا وربما وسوسة وربما قطع بعض الناس الإشارة متعمدا بسبب شدة الخوف, وربما وقف فجأة فصدمه من خلفه, بل يقف بعضهم والإشارة خضراء خوفا من تغير الإشارة فجأة , وكل هذا يدل على أن العقوبات زائدة زيادة كبيرة عن المطلوب شرعا وعقلا .
ايها الإخوة المسؤولين عن هذا النظام, وأعلم أن الكثير من رجال المرور يشكو منه وغير راض بكثير من أنظمته, ويشكون من نظرات الناس لهم ودعائهم عليهم وسوء الظن بهم مع أنه لا ذنب لهم .
أيها الإخوة كم أثرت هذه العقوبات على أسر وكم أرهقت من مواطنين, وكم أهمَّت من مظلومين, لا يتجاوز راتب كثير منهم قيمة قسيمة واحدة قبل أن تتضاعف فكيف إذا تضاعفت, ثم إذا لم يسدد لا يبيع سيارة ولا يشتري سيارة ولا تجدد له رخصة, ولا استمارة, لذلك لا عجب أن كثيرا من المواطنين تعلموا طرق الاحتيال على النظام, وكثير منهم برخص غير مجددة واستمارات كذلك ثم في كل فترة يأتيهم قسائم تلو القسائم, وهم عاجزون عن سداد الأولى, ولم يبق لهم إلا تفويض أمرهم إلى الله, وكثير منهم يضجون بالدعاء على من وضع هذا النظام بهذه الطريقة .
حتى يكاد يتفق اكثر المواطنين أن المرور أصبح عقبة كأداء وصخرة لا تتجاوز ومصدر كدر لا حل له إلا رحمة المسؤولين عنه بعد رحمة الله تعالى .
خاصة أن الشباب المتهور يحسن التحايل على هذه الأنظمة بطرق كثيرة وبقي الضعفاء عليهم طبق النظام.

وهذا غيض من فيض, فاتقوا الله أيها الإخوة، وأدلي الآن بمقترحات حول هذا النظام أرجوا أن تنال إعجابكم :

1- منها أن يظهر عليه الرحمة واللين والرفق, ولا مانع من الشدة في مكانها لكن تكون على من يستحقها ولا تعمم, وهذا لا تعرفه الأجهزة .
2- تخفظ قيمة القسائم التي يشترك في الوقوع فيها العاقل والمتهور, وتزاد على المخالفات التي لا يقع فيها إلا المتهور كالتفحيط .
3- تجعل القسيمة ويجعل لصاحبها شهر فإن لم يكرر الخطأ تلغى, وهذا يشجعه على التزام النظام مع محبة لواضعيه . وتنتفي من مخيلته أن الهدف الجباية لا الرحمة والمصلحة .
4- يجعل عند الإشارات رجال المرور, ويجعل لرجل الأمن إمكان إلغاء القسيمة إذا ما كان الخطأ غير مقصود ولم يتسبب لضرر .
5- عدم إجبار المواطن بتسديد القسيمة في وقت محدد فقد لا يستطيع, فلا يمنع من تجديد استمارته أو رخصته ولا تعطل معاملاته, ويبحث عن أسلوب آخر . وقد قال تعالى : (وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) , فلا نطبق نظاما يطبقه الكفار إذا تعارض مع الشريعة .
6- يجعل هناك جوائز مثل أن يكون تجديد الرخصة أو الاستمارة مجانا لمن يمر عليه مدة ولم يقع في قسيمة .
7- أما إلغاء تدبيل المخالفات فترك للربا والربا مجمع بين العلماء على تحريمه, ومتوعد صاحبه للعذاب الأليم في الدنيا والآخرة.
8- إرجاع ما أخذ من المواطنين بسبب تضاعف القسائم, وهو واجب شرعي, لأنه أخذ ربا ومعلوم مسبقا حكمه , قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (278) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ) .
هذه بعض مقترحاتي أكتبها نصيحة لله, ورحمة للمسلمين, فما كان فيها من صواب فمن الله وحده, وما كان فيها من خطا فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان , وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.\


أخوكم المشفق عليكم
د.عبدالقادر بن محمد الغامدي
17/3/1438هـ.
 

مقالات الفوائد