اطبع هذه الصفحة


نعمة لا قمامة

أ / إبراهيم بن محمد بن سليمان السعوي


من لطف الله بهذا العبد الضعيف أن أنعم عليه نعم لا تحصى في مجالات شتى ، قال تعالى : {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}، وقال سبحانه {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} ، بل أنه سبحانه سخر هذا الكون السفلي وما فيه من مخلوقات لتكون فداء لأغراض هذا الإنسان ليحقق الغاية من إيجاده في هذه الحياة ، وهي الذل والخضوع والانقياد ، فقد قال عز من قائل : {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ، وقال تعالى {وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} وقال تعالى : { أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً } .
فالإنسان يصبح ويمسي فهو يَنعم بنعمه سبحانه : نعمة الهداية ، وكمال العقل ، ورغد في العيش ، وأمن في الأوطان و.... قال  : " من أصبح منكم آمناً في سربه معافىً في جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا ".
فلقمة العيش التي يَسد بها الإنسان رمقه من أعظم النعم التي مَنّ بها الرب على أهل مكة ؛ قال سبحانه : {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} .
ومن نعمه سبحانه على أهل هذه المنطقة توفر العيش من مأكل ومشرب ، من قوت ومدخر ، ما لذّ وطاب ، من معروف وغير معروف ، أصناف يعجز المرء عن حصرها وتعدادها ، جُبيت من جميع أقطار الأرض التي حُرم كثير من أهل الأرض منها .
والواجب على العبد تجاه هذه النعم شكر المنعم سبحانه ، فقال تعالى : { فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلالاً طَيِّبًا وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} ، وقال تعالى : {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ } . وقطع سبحانه بالمزيد مع الشكر {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ } .
والشكر ينتظم من علم وحال وعمل ، فالعلم معرفة النعمة من المنعم ، والحال هو الفرح الحاصل بإنعامه المتعلق باللسان بالتحميدات الدالة على شكره سبحانه ، والعمل هو القيام بما هو مقصود المنعم ومحبوبه المتعلق بالجوارح باستعمال هذه النعم في طاعته ، والتوقي من الاستعانة بها على معصيته .
فكل من عمل في نعمه سبحانه عملاً يخالف الغرضَ المقصود منها فقد كفر بهذه النعمة .
فالحفاظ على الأطعمة بأي شكل من أشكال الحفظ ؛ هو المتحتم من كل إنسان سيما المؤمن بالله رباً ، وبمحمد نبياً ، وبالإسلام ديناً يكون فيه شكر لهذه النعم ، والعكس بالعكس ، قال الله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} .
وأما الاستهانة في النعم ورميها مع النفايات غاية في الإسراف والتبذير ، الذي هو سمة المتغطرسين ، والمتكبرين ومن لا يقدر للأمور قدرها ، قال الله تعالى {يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}.
وأخبر سبحانه عن منزلة المبذر بقوله : { وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} .
ونتيجة الإسراف والتبذير ، والكفر بالنعم نتيجة سيئة للغاية : دمار وخراب ، وتفرق وشتات ، نحو ما ذكره الله عن قوم سبأ : { لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ }.
والاستهانة بالنعم ، ورميها مع النفايات طلقات من العيار الثقيل لكسر قلوب الفقراء والمساكين ؛ فكيف هم لا يجدون ما يسدون به رمقهم ، وهذه النعم ترمى مع النفايات ، وما يرمى من بعض البيوت قد يكفي لعائلة كاملة من العوائل الفقيرة .
وبما أن الجميع متفقون على أن التساهل ببقايا الطعام ، ورميها مع النفايات غير سائغ شرعاً ، ولا عقلاً نجد نسبة كبيرة من المجتمع لا يُلقون لهذه النعم أي اهتمام ، وتزيد هذه النسبة في مجتمع وتقل في مجتمع آخر ، وأكثر ما تزيد في المدن الكبيرة والمتطورة ، والأماكن التجارية التي تقدم للمجتمع الطعام ؛ كالمطاعم ، والوجبات السريعة و.......وأماكن المأوى والمبيت كالفنادق والشقق المفروشة.
فهناك دراسة على نفايات مستوى دول الخليج مفادها أن نسبة الأطعمة من نفايات هذه الدول (040/0) من مجموع هذه النفايات .
وهذا التساهل نجده يقع وللأسف الشديد ممن عليهم سمات الخير والصلاح ، وإنه ليحزنك حينما تأتي لأحد الصالحين في بيته تجد بقايا الطعام مع النفايات ، حتى أن روائح الطعام تفوح من مكان النفايات ، وعندها بعض الحيوانات قريبة من مكان النفايات .
وتواجد بعض الحيوانات داخل الأحياء تسرح وتمرح قريبة من المنازل ظاهرة غير حضارية ، ولا صحية ، وغير لائقة بالمجتمعات المتقدمة ، وهذه من النتائج السلبية لرمي هذه الأطعمة مع النفايات .
وشكر النعمة ، والحفاظ عليها مسؤولية الجميع كل بحسبه : فالأب داخل البيت ، ومن تجارتهم قائمة على تقديم الطعام للناس ، كالمطابخ ، والمطاعم ، والوجبات الخفيفة على نطاق متجرهم ، وكذا أصحاب محلات الخضرة و الفواكه .
وأصحاب الفنادق ، والشقق المفروشة ليسو بمنأى عن مسؤولية ما يرمى مع نفايات منتجعاتهم من الأطعمة .
والقائمون على محاضن التربية والتعليم على كاهلهم مسؤولية عظيمة تجاه ما يرمى من الأطعمة من بعض المدارس ؛ فإن هناك للأسف الشديد كثير من المدارس لا يهتمون بما يبقى من الطعام من الطلاب ، فترمى مع النفايات .
فالأمانات والبلديات على قمة هرم المسؤولية فليأخذ هذا الموضوع حيزاً كبيراً من اهتماماتهم وشؤونهم ليجد حلولاً مجدية كغيره من الموضوعات الشائكة التي تم علاجها لما لقيت الصدق والجد ، وعلاج ظاهرة رمي الأطعمة مع النفايات لن يجد صعوبة تذكر إذا صدق القائمون على الأمانات والبلديات في تلافي هذه الظاهرة ، وهذا هو المؤمل منهم .
وأما جمعيات البر والمستودعات الخيرية فقد قطعوا مشواراً يشكرون عليه في هذا المضمار مع قلة يد العون فلهم جهود في جمع ما بقي من ولائم الأفراح و المناسبات ، وبقايا الخبز ؛ إلا أن الناس ما زالوا يطمعون في توسيع هذا المشروع حتى يشمل بقية الطعام ، والمحافظات والقرى ؛ حتى يساهموا في إعانة الناس على تقدير هذه النعم .
ونشاطر الرأي أن مثل هذا المشروع يُعد أهم من بعض الأعمال التي تقدمها هذه الجمعيات ، وفي كل خير .
وإنه لمحزن حقاً أن بقايا الطعام بهذه النسبة العالية (040/0) من مجموع نفايات منطقة أهل الخليج لا يمكن الاستفادة منه اقتصادياً فهناك كبريات الشركات في أوربا والولايات المتحدة قائمة على الاستفادة من بقايا الأطعمة بدلاً من أن ترمى مع النفايات يتم تحويلها إلى أعلاف للحيوانات وأسمدة عالية الجودة .
مع أن المسلمين أجدر وأحق بهذا التصرف الحميد ، فنهيب أصحاب رؤوس الأموال من أهل هذه المنطقة إلى المسارعة إلى مثل هذا العمل مع التعاون مع الأمانات والبلديات ولن يتوانوا في ذلك بل يستبشرون ويسارعون في تقديم ما يستطيعونه في هذا العمل الخيري الحضاري . وسيجمع الله لهم بين الحسنتين : فتح لهم في دنياهم ، وأجر مدخر لهم في أخراهم متى ما جمعوا بين الصدق والإخلاص .

وسائل وطرق في الحفاظ على هذه النعم :
التوسط في المأكل والمشرب بلا إسراف يؤدي إلى التخمة والأمراض ، ولا يقصر فيضر بصحته أخذًا بوصية الحبيب  صلى الله عليه وسلم  : " ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه ، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه ، وثلث لشرابه ، وثلث لنفسه " .
وعند الأخذ بهذه الوصية فلن يحتاج الإنسان إلى رمي ما بقي من الطعام .
عزل ما يمكن أن تكون الفائدة منه كبيرة مثل بقايا الخبز عن بقية بقايا الطعام . ومن ثم تعطى من يستقبلها نحو الجمعيات والمستودعات الخيرية .
البعد عن إطالة تخزين بقايا الطعام كأن تجلس يومين فأكثر ومن ثم ينتج عنه روائح فيريد الإنسان أن يتخلص من هذه الروائح فيلجأ إلى رميها مع النفايات .
فصل أماكن بقايا الطعام عن أماكن بقايا النفايات داخل المنزل . وعلى أصحاب الفنادق ، والشقق المفروشة تقديم خدمات للنزلاء بهذا الخصوص كأن يكون هناك حاويات ، وأكياس مميزة ببقايا الأطعمة فهي خدمة أولى وأفضل بلا شك من كثير من الخدمات التي تقدم لنزلاء هذه الأماكن .
مما يعين على الاستفادة من بقايا الطعام أن أصحاب المواشي يستقبلون هذه الأطعمة ، ولا يمانعون من ذلك فيتحرى الإنسان عن هذه المواشي ، وقد يجد من يكون من أهل الحي الذي يقطن فيه عنده مواشي فيستقبل هذه الأطعمة لاسيما التي ليس لها روائح ، وقد يكون أحد أهل الحي خصص سيارة لبقايا الأطعمة . بل قد يتعدى إحسانه إلى أبعد من ذلك فتجده يمر على الأطعمة التي وضعها أصحاب البيوت عند أبوابهم وخاصة جيرانه الأقربين فجزاء الله خيراً من كان هذا صنيعه ـ .
أو أن هناك مواشي قريبة من بعض الأحياء في بعض المدن يستقبل أهلها هذه الأطعمة فما عليك أخي إلا أن تمشي خطوات معدودة احتراماً لهذه النعم .
بما أن كثيراً من المدن لا يبعد عنها البر مسافة تذكر فما عليك أخي إلى أن تحتسب الأجر عند الله فتذهب بهذه الأطعمة إلى هذا البر ، ومن ثم قد تأتي حيوانات تأكل هذه الأطعمة فتظفر بأجرين من رحمته سبحانه ـ إن شاء الله ـ : أجر لاحترام هذه النعم ، وأجر إطعام هذه الحيوانات ، وفضل الله يؤتيه من يشاء .
مع التنبه لخول هذه الأطعمة مما يضر بالحيوانات كقطع الحديد والزجاج .

وصلى وسلم على المبعوث رحمة للعالمين ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .


إعداد
أ / إبراهيم بن محمد بن سليمان السعوي
القصيم ـ بريدة
 

مقالات الفوائد