اطبع هذه الصفحة


تناقضات

محمد السمان
 
خطيب جامع الجهيمي بالرياض


المسلم في هذه الحياة الدنيا له هدف عظيم وغاية كبيرة يسعى إليها في كل أعماله وأقواله وتصرفاته ، إن الجنة هي الهدف الأسمى لكل مسلم والطريق إليها هو ماجعله الله سبحانه مقصوداً لخلق الجن والإنس وهو عبادة الله سبحانه وتعالى ( وماخلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) .
هذه الحقيقة تحتم على المسلم أن ينظر إلى حياته نظرة راغب فيما عند الله وأن يجعل من دنياه مزرعة لآخرته وإذا أردتم أن نبسط لكم القول في المقارنة بين الدنيا والآخرة فاسمعوا إلى قول الله تعالى ( قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً } .
وإلى قوله جل شأنه { وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }
وقوله سبحانه وبحمده { وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } .
حتى أن الله سبحانه اختار لنبيه صلى الله عليه وسلم ماهو خير وأبقى فقال { وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى } .
إذا كانت هذه الحقيقة لاتخفى على شريف علمكم ، وعلى حسن بصيرتكم ، فإن الناظر إلى حال بعض المسلمين اليوم يجد من التناقض في حياته الشيء العجيب الذي يصور للناظر أن هذه الحقيقة باتت غائبة عن ذلك المسلم ، وكأنه المقصود في قول الله تعالى ( بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى ) .
إن هذه التناقضات تحمل لنا آثاراً سلبية على الفرد والمجتمع ، وإلى القارئ الكريم نماذج لهذه التناقضات البغيضة ، رجل يصلي ويصوم ويزكي ، كناية عن عمله العمل الصالح يؤدي هذه العبادات ليتقرب إلى الله بها لكنه ومع ذلك كله يقع في طوام تصل به على حد الإفلاس ، لاأقول إفلاس الدرهم والدينار ، اسمعوا إلى نبينا صلى الله عليه وسلم كيف يصف لنا حال هذا الرجل ، روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبى هريرة رضى الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"أتدرون من المفلس ؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال صلى الله عليه وسلم: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يَقضى ما عليه أُخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار".
اللهم صل على رسول الله الرحمة المهداة ، إنه يخبرنا صلى الله عليه وسلم أن للصلاة مكانتها وللزكاة مكانتها وللصوم مكانته وهذه ثلاثة من أركان الإسلام ومبانيه العظام ، لكنه صلى الله عليه وسلم يؤكد على الحقيقة لكي لا يكون متناقضاً ، الحقيقة أن الأخلاق والتعامل الحسن وحفظ اللسان داخل في العبادات أيضاً ، فعلى المسلم أن يكون دائماً ذا عبادة وخلق ، حافظاً للسانه وجنانه .

وفي هذا المقام تجد بعض المسلمين يقع التناقض عندهم من طريق آخر ، فإذا رأيته في عمله أو في وظيفته أو في محفلٍ عام تُثني عليه خيراً ، بل ويصفه واصفوه بأنه من أعذب الناس منطقاً وأكملهم خلقاً وألطفهم معاملة وأكرمهم يداً ، فإذا رجع إلى بيته بين زوجته وأبناءه فإذا بالرجل غير الرجل ، إذا تكلم شتم ، يغضب لأتفه الأسباب ، يهمز ويلمز ، معاملته جافية ويده مقترة ، وكأنه رجل آخر غير الذي ذكرنا أولاً ، والغريب أنه قد يسأل زوجته عن أبناءه ، لماذا لا يرغبون في الجلوس معي ، لماذا لا يشكون إليَ همومهم ، لماذا لا يستشيرونني ؟! والجواب يا هذا أنك أنت السبب في كل ذلك فكيف يجلسون معك وهم لا يسمعون منك إلا كلمات الشتم أو التأنيب بأسلوب جارح ، إذا تكلموا لم تسمع إلى كلامهم إذا طلبوا شيئاً يسيراً لم تأبه لهم ..
المسلم الحق هو الذي يتكامل في عباداته وأخلاقه في كل مكان وفي أي زمان ، وأهل بيته أولى بالمعاملة الحسنة والخلق الرفيع ، إن التوازن في معاملة أهل البيت من زوجة وأبناء بما يكفل التربية الإسلامية الصالحة هو الخير كله ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة في تعامله مع أهله وزوجاته .
ثم عوداً على أصل هذا الموضوع ، والذي نستعرض فيها نماذج لتناقضات في حياة بعض المسلمين ، ومن ذلك من يعمل الصالحات ، ويحصد من الحسنات ، بل إنه يقوم من الليل كما يقوم المتهجدون ، لكن ما سر تناقضه ، لنستمع إلى الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم وهو يصف لنا رجلاً تلك حاله وتلك أوصافه لكنه وقع في التناقض البغيض يقول صلى الله عليه وسلم ( لأعلمن أقواما من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضا فيجعلها الله عز وجل هباء منثورا قال ثوبان يا رسول الله صفهم لنا جلهم لنا أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم قال أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم ويأخذون من الليل كما تأخذون ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها ) رواه ابن ماجة بسند صحيح .
قال الإمام ابن القيم رحمه الله (اجمع العارفون بالله أن ذنوب الخلوات هي أصل الانتكاسات ) .

إن هذا التناقض بين عمل الظاهر والباطن ، بين العلانية والسريرة ، بين الجلوة والخلوة ، دليل على ضعف الإيمان ، وضعف المراقبة لله سبحانه فالله جل جلاله مطلع علينا {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى }العلق14.
ثم إنه من التناقضات البغيضة الرجل ذو الوجهين ، الذي كل يأت كل قوم بوجه ، فهو من شرار الناس كما أخبر بذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم ( تجد من شرار الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه ) رواه البخاري ومسلم .
قال الإمام ابن حجر رحمه الله ( شر الناس لأن حاله حال المنافق إذ هو متملق بالباطل وبالكذب مدخل للفساد بين الناس )
وقال الإمام النووي رحمه الله ( هو الذي يأتي كل طائفة بما يرضيها فيظهر لها أنه منها ومخالف لضدها وصنيعه نفاق ومحض كذب وخداع وتحيل على الاطلاع على أسرار الطائفتين وهي مداهنة محرمة ) .
وختاماً فالمسلم الحق هو الذي عرف أنه خلق لعبادة ربه وأن مكافأته على ذلك جنة عرضها السموات والأرض بعد رحمة الله سبحانه وتعالى ، فعليه أن يزن أعمالها كلها بهذا الميزان فإن كان العمل مما يقرب الله فليلزمه وإن كان العكس فليحذر ولا يأت ما يسخط الله فإن هو فعل فقد عرض نفسه لعقاب الله ، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ }الجاثية21... .
 

مقالات الفوائد