اطبع هذه الصفحة


حتى لا يتحول الحوار عن المسار!!

د.سعيد بن ناصر الغامديّ *

 
عناوين فرعية:
- الحذر من أن تفخخ مناوأة الإرهاب بأجندة التحالف (الطائفي الاستغرابي)
- فرق بين من يتخذ الإسلام فرصة لتثبيت كمال الإسلام وبين من ينظر إليه بمنظار غربي أو يقيسه بمقياس بنيوي أو أركوني أو صفوي أو طرقي .
- يجب التنبّه لمحاولات الذين يسعون إلى تحويل الأزمات إلى مكتسبات خاصة .
- يحدث الخلل عندما تهضم الأغلبية حق الأقلية، أو عندما تحاول الأقلية فرض أفكارها ومشاريعها على الأغلبية .
- ينبغي عدم الانزلاق في الفرح بالضغط الخارجي لتحقيق مآرب داخلية، لأن مآل ذلك الوقوع في التحكمات الخارجية .
- عند ما تجد أحداً (من أي اتجاه كان) يمارس الثأر فهو في حلبة صراع وليس في ميدان حوار .
- الغلو في الدين لن يستأصل بالتخفيف من صيغ التديّن - كما يوصي بذلك الأمريكان ومن تأثر بهم - وإنما يعالج بترسيخ حقائق الإسلام الناصعة .
- المطلوب هو ثقافة سوية( تعليمية وإعلامية) (تبعث) حركة التفكير ولا (تعبث ) به ، وتوجد فكراً (مبدعاً) لا (مبتدعاً) وتصوراً (حديثاً) لا (حداثياً) .

المتابع لمجريات الحوار الوطني يسمع كثيراً من الثناء والمدح، والتفاؤل وهذا ظاهرة صحية جيدة، لها آثارها الجيدة في تخفيف الاحتقان، وتفريغ الشحنات السلبية، بيد أن من المهم في تقديري - الالتفات إلى جوانب مهمة حتى يؤدي الحوار وما يليه من مشروعات نتائجه الإيجابية المتوخاة، يمكن الإشارة إلى جوانب مهمة، لا أدري هل ذكرت ونوقشت أو وضعت كضوابط ومعايير أم لا:

الجانب الأول : أحسب أن من الأهمية بمكان الاتفاق على معايير أساسية لتقييم الأقوال والأفعال والمواقف والمشروعات وأهم هذه المعايير في نظري أمران:
الأول:
معيار الحرص على حفظ حقيقة الإسلام وصورته - كما هي - من غير إضافات أهل " الإحداث"، ولا انتقاصات أهل " الحداثة" وأحلافهم، ولا تشويهات أهل الغلو، ولا تفلتتات أهل التفريط.

الثاني:
الحرص على المصالح العامة للوطن حرصاً ينأى عن كل وسيلة تؤدي إلى ما يفسد هذه المصالح أو يضعفها أو يقللها.
وتحت مظلة هذين المعيارين يمكن أن يتحاور العقلاء والحكماء بعقل وحكمة بعيداً عن تصفية الحسابات وتنفيس الضغائن.
فإن حصل ذلك فسوف نجد البرهان القاطع على جودة عقول المتحاورين وسلامتها من نوازع الشبهات التي تشوه جمال دين الإسلام وروعة عقائده وأصوله وتشريعاته، ونجد البرهان أيضاً على سلامة قلوبهم من الحظوظ الذاتية والأنانية الشخصية أو الفكرية أو الفئوية، مع الإقرار بأن كل طرف من الأطراف له هدفه (السياسي) المعلن أو المضمر، بيد أنه يجب وفق المعيارين السابقين دمج المطالب السياسية الخاصة في التيار المصلحي العام القائم أصلا على الثابتين السابقين.

الجانب الثاني: من المستفيض تاريخياً أنه لن يستقيم السلوك الإنساني حتى يستقم (الفكر) أولاً، فالفكر المنحرف ينبني عليه سلوك منحرف، والتفجيرات دليل ذلك، والفكر المستقيم ينتج سلوكاً مستقيماً.
فإن صح المنطلق الفكري ـ للحوار أو غيره ـ صح العمل والتصرف والإجراء المتخذ والنتائج المتوخاه. فمن تعامل مع الحوار على أساس أنه فرصة لتثبيت حقائق الإسلام وتجلية كلياته وترسيخ أصوله وإظهار كمال عدله وكمال تضمنه مصلحة البشرية، فسيكون سلوكه مغايراً لسلوك من يرى الإسلام بمنظار غربي، أو يقيسه بمقياس (بنيوي) أو (أركوني) أو (صفوي) أو (طرقي).
وقل مثل ذلك عن مصلحة البلد ومنافع الناس.

الجانب الثالث: الحذر من أن تفخخ مناوأة الإرهاب بأجندة التحالف (الطائفي الاستغرابي) فإن ذلك - إن حدث - سيؤدي في المستقبل إلى نار ذات (جو حار) وليس إلى (جو حوار) وقد تستفز هذه الأجندة الأغلبية التي ترى أن حقها قد هضم، لصالح آخرين، وقد يفسرون ذلك بأنه هجوم على (منابرهم) و (مناهجهم) واستخفاف (برموزهم وعلمائهم) وغير ذلك من مفردات، تتم ممارستها واقعيا تحت مظلة المتاح من فرص التعبير والحرية، ويخشى أن تتحول من وصفة دواء، إلى جرعة سم، وأن تصبح ملحاً يوضع على الجراح، فيكون الحال كمن أراد أن يبني قصراً فهدم مصراً، ولا حاجة إلى التنبيه هنا إلى مزايدات متوقّعة تحاول أن تصف هذا التنبيه وأمثاله بالتحجر والخوف والتراجع، والجمود والطائفية والفئوية ومحاكمة النوايا، إلى آخر مفردات الردح المتداولة والمعهودة.

الجانب الرابع: التنبّه لمحاولات الذين يسعون إلى تحويل الأزمات إلى مكتسبات خاصة، فإن ذلك - وإن تستر بالمصلحة العامة والموضوعية التامة - سيقود حتماً إلى أزمات أشد ومشكلات أكبر، ومضاعفات، ربما أبشع مما نحن فيه الآن ، والمعيار الصحيح لكل عمل صالح نافع هو مراعاة مصالح الأمة وتحصينها وتكثيرها واستدامتها، وليس مراعاة مصالح فئة محدودة أو طائفة معينة، أو الانزلاق إلى مستنقعات ضيّقي الأهداف.

الجانب الخامس: يجب أن يدرك الجميع نسبة التوزيع الفكري والعقدي في هذه البلاد، حيث الأغلبية الكبيرة هم أهل السنة والجماعة، وهناك ثلاث طوائف عقدية ذات نسبة ضئيلة، كما أن هناك أفراد قلائل من أصحاب التوجهات الفكرية الحديثة (ليبراليون ، بقايا القومية ، واليسار ، عصرانيون) ومن المعروف أن حقوق الأغلبية في كل مكان في الدنيا غير حقوق الأقليات، ونتاج الاستقراء الموضوعي الفاحص لاضطرابات البلدان والمشاكل الداخلية فيها يشير إلى أن الخلل يحدث عندما تهضم الأغلبية حق الأقلية، أو عندما تحاول الأقلية فرض أفكارها ومشاريعها على الأغلبية، أو تسعى في النيل من مرتكزات ومنطلقات أكثرية الناس، أو يعلو صوتها الفئوي أو الطائفي وهيمنتها الإعلامية على صوت وحضور الأغلبية.

الجانب السادس: ينبغي عدم الانزلاق في الفرح بالضغط الخارجي لتحقيق مآرب داخلية، لأن مآل ذلك الوقوع في التحكمات الخارجية، ولو على المدى البعيد، ويبرهن على استلاب وانخزال واستعارة خطيرة العاقبة.

الجانب السابع:
لا يمكن بحال القبول في الحوار بمنطق "الثأر" فالثأر عادة جاهلية، وعند ما تجد أحداً (من أي اتجاه كان) يمارس الثأر فهو في حلبة صراع وليس في ميدان حوار.

فعندما تحاول امرأة ما - مثلا - ممارسة شيء ما من السلوك الشخصي (الليبرالي) في أجواء الحوار ومناخاته تحت حجّة مقاومة الكبت، فهي تمارس "الثأر" من عادة اجتماعية ذات أصل ديني.
وقل مثل ذلك في التعاطي مع الأفكار والاتجاهات.
وقد لا تستطيع النية الحسنة أن تطفي نيران (الثأر) المتأججة في الألفاظ والسلوكيات.
ومن خير الحوار وأهله أن يلغي كلية مفهوم الثأر والانتقام لمخالفته للحوار أولاً، ولقدرته الهائلة على تأجيج ثأر مقابل.

الجانب الثامن: من الخطأ العظيم الاعتقاد بأن التخفيف من صيغ التديّن والتضييق على مفاهيم الإسلام وعلومه سبيل إلى مكافحة الإرهاب المستتر بالدين.
فإن هذا المسلك غير سوي ولا ذكي.
فالغلو في الدين لن يستأصل بالتخفيف من صيغ التديّن - كما يوصي بذلك الأمريكان ومن تأثر بهم - وإنما يعالج بترسيخ حقائق الإسلام الناصعة، في التوسط والاعتدال والتسامح والرفق والعدل والأناة وحقوق الإنسان وغيرها، وسوف يخطئ من يظن أن (تخفيفاً) لما يظنه (سمنة) إسلامية في المجتمع سيؤدي إلى استقرار.
لأن هذا المسلك المفتقر (للذكاء) سينشئ الإرهاب إنشاء، ويوقد نيرانه، ويمنح أصحابه الحجة القوية لمزيد من التطرف، ومزيد من العنف والدمار والشتات، تحت ذريعة أن الحوار ودعاته ورعاته إنما تصدو للدين نفسه تشذيباً وتقليصاً من خلال تقليل حظه في الإعلام والتعليم والثقافة، فحقيقة الصراع - حسب هذا المؤدي عندهم - ليس بين فئة معينة ودولة، بل بين الإسلام والدولة، فتعظم الفتنة ويشتد الخطر من حيث أردنا أن ندرأها.
ودرءاً للمقتنصين أقول بأن هذا وصف للحال والمآل وليس تسويغاً للباطل والضلال.

الجانب التاسع : الحذر من المعالجة الانتقائية.
فإذا أريد - مثلاً - معالجة الإرهاب - ثقافياً - فلابد من النظر الشمولي لأسبابه، وعدم قصرها في اتجاه واحد كالمناهج التعليمية التي حاول بعض التيارات تحميلها إثم ما حصل.
فأين الحديث عن " الإعلام" وما ينطوي عليه من ثقافات غير سوية حيث يوجد في إعلاميات عديدة ، وبوضوح صارخ أحياناً، تلك المعطيات المتمثلة في : (الثقافة المهملة للدين، والمعادية له، أو المحذرة منه والمخوفة منه) ويوجد ـأحياناًـ (الثقافة المنحرفة باسم الدين ، فضلاً عن الحضور القوي لثقافة الضياع والتيه اللهو، وثقافة العنف غير الديني، وثقافة التبعية والهزيمة والاستلاب، وثقافة الاستغراب).
ولا يجترئ منصف على إنكار هذه الثقافات الإعلامية وآثارها الخطيرة في إيجاد أجيال هشة، وإيجاد براهين لأهل الغلو يتذرّعون بها لتسويغ غلوهم وعنفهم، وسيجدون من يصغي إليهم في حال قبول الطرح المناوئ للمناهج والسكوت عن الحمولات الهائلة للثقافة الإعلامية المنحازة في الجملة.

ومهما كان إعداد لقاءات الحوار وأعداد المتحاورين وقوة التوصيات، وسرعة الإجراءات فإنها لا تكفي وحدها في معالجة ظاهرة العنف، بل قد تكون في حال الانحياز ضد الصيغ الدينية في المناهج -والسكوت عن الصيغ الأخرى في الإعلام- سبباً في تفاقم المشكلة، أو نشوئها في أزمنة لاحقة بشكل أخطر مما هي عليه الآن.

وأعنى بكل هذا أن الاهتمام بالمعالجة الثقافيّة يستوجب (استراتيجية ثقافية) حقل نشاطها الذهن والتفكير والتصور، بصورة شمولية يمكن معها حل مشكلة (التطرف والتطرف المضاد) في أدوارها الأولى باعتبار أن التفكير والتصور هو الأساس الذي تنبثق منه المشاعر والسلوكيات، ولنا أن نتساءل:
كيف يمكن أن نقنع شاباً بجدوى المقترحات الموجهة نحو السمة الدينية في المناهج وهم يتصورون قصوراً في شمولية أو عمق هذه السمة؟ بل كيف يمكن أن نثبت لهم جودة المقترحات وهم يرون أنها ركزت على جانب ثقافي واحد بل على جزء من هذا الجانب، وأهملت أو تغاضت عن الجوانب الثقافية (الإعلامية خصوصاً) وهي الأكثر حضوراً والأقوى جذباً والأعمق تأثيراً.

فلنتصور أن بعض المفاهيم الإسلامية قلصت حظوظها في الثقافة والتعليم، وشذبت المناهج مما يتصور أنه سبب العنف والغلو، وترك الحال الثقافي في وجهه الإعلامي على ما هو عليه في غلو وتسارع وقوة تأثير، ماذا سيكون الحال عليه بعد عقد أو عقدين من الزمن على أبعد تقدير؟
إن النظر العاقل الحصيف ليدرك أن المطلوب هو ثقافة سوية( تعليمية وإعلامية) (تبعث) حركة التفكير ولا (تعبث ) به ، وتوجد فكراً (مبدعاً) لا (مبتدعاً) وتصوراً (حديثاً) لا (حداثياً) وتحرراً فكرياً منضبط الاتجاه لا فوضوياً مدمراً، ومفاهيم دينية سوية تغسل العقول من لوثاث الغلو الديني والشهواني والأهوائي.
وبهذا تتم المعالجة الثقافية الشاملة التي لا يجرؤ عاقل ذو ضمير وعلم وعدل على إنكار وجوبها وحتمية العناية بها.

الجانب العاشر: التنبه من عمليات الاختطاف
فمع أن إحسان الظن ينبغي أن يكون أساساً ومنطلقاً، إلا أنه في الوقت ذاته يجب الحذر من اختطاف الحوار، وارتهان أجواء الانفتاح، وتوجيهها توجيها منحازاً (طائفياً ، أو فكرياً فئوياً ، أو سياسياً أو أمنياً) ومما يأسف له كثير من المتابعين تلك الممارسات الإعلامية القائمة على مبدأ اختطاف المشروعات، ومن أدواته:
- التركيز على بعض المشاجرات ( الحوارية) في أروقة اللقاء.
- انتقائية المقابلات وانحيازها لمفاهيم فئة مسيطرة على الإعلام أساساً أو لها نصيب كبير منه.
- انحيازية المقالات والتحليلات الإعلامية نحو أفكار واتجاهات ومقاصد فئوية.
- اقتطاع أجزاء من الأبحاث المقدمة وإغفال أجزاء أخرى، بل أحياناً إهمال شبه كامل لأبحاث مخالفة لنسق فئة معينة.
- انتقاء فقرات معينة من التوصيات، وتوسيع حاشيتها، لأنها تخدم أغراضاً معينة لدى فئة محدودة.
- أخيراً بروز اللهجة الخطابية المتوشّحة بالفئوية من البعض في لقاء ولي العهد لاختطاف النتائج والتوصيات وتوجيهها توجيهاً منحازاً، وتكييفها تكييفاً إقصائياً ولَكْم المتحاورين - المتفقين على نتائج محددة - بقفازات الحوار والتفاهم، في (نسق مضمر أصله الهجاء وتفكرته تدمير الخصم عبر تصوير بصورة بشعة.. كتوظيف للقانون الثقافي النسقي قانون الرغبة والرغبة والرهبة) [انظر: كتاب النقد الثقافي د/ عبد الله الغذامي ص 162].

إن مفاهيم الابتسار والاختزال والانحياز تشكل بؤرة (افتراق) و(فتنة) طائفية أو فئوية أو حزبية (والفتنة أكبر من القتل) ولا فكاك من ذلك إلا بإقرار فرص شبه متكافئة إعلامياً، ولا أقول فرص بحسب نسب الأغلبية والأقلية؛ لأن ذلك ـ بكل وضوح ـ لن يحدث في ظل هيمنة تيارات معينة على الإعلام، وعجز المقابل -رغم كثرته- عن التوغل.
ومن المهم –جداً- تثبيت فرص التعامل الفكري والثقافي وجعلها واضحة سافرة مثل الشمس في جو من الصدق، وعلى قاعدة من العلم والعدل.

-------------------
* عضو هيئة التدريس بجامعة الملك خالد

المصدر : موقع إسلاميات - صفحة المرأة والحوار
http://www.islameiat.com/female/article.php?sid=17
 

مـقـالات