اطبع هذه الصفحة


غزة ودماء النصر والعزة

ماجد بن محمد الجهني
الظهران


غزة مدينةٌ لا تعيشُ في قلب فلسطين بل هي جرحٌ غائرٌ ، وغصةٌ في قلب كل مسلم موحد يرى بألمٍ بالغٍ ما يُصبُّ على رؤوس أهلها الذين وقفوا بعزة المؤمن وشموخ الموحد الصابر المحتسب أمام تجهم الأعداء وخذلان الأقرباء.

غزة بالأمس واليوم وغداً مدرسةٌ نحتاج إلى أن نتربى على يدي أبطالها لعقودٍ طويلة ، ولأجيال متتالية لأنها علمتنا كيف تُصنعُ الكرامة ، وممن يُستمد النصر ، وإلى من يُفوضُ الأمر ، وكيف يكون التوكل الحقيقي ، وما هو معنى حسن الظن بالله وصدق اللجوء إليه ، وكيف تحفظ الأمانات ، ومن هم أهل المبادئ ، وكيف يكون النفاق والخذلان ، وأين تكمن عللنا ، والكثير الكثير من الدروس والعبر التي تقدمها غزة ونساء غزة ورجال غزة وأطفال غزة.

تسمرتُ أمام الشاشة الفضية ، وساءني والله ما رأيته من صور الدمار والقتل المنظم لكل معنى من معاني الحياة الجميلة ، أطفالٌ في المهد ، وشيوخٌ عجزة ، ونساءٌ وولدان لا يملكون حيلةً ولا يهتدون سبيلاً قد ضُرجت وجوههم بالدماء وتقطعت أشلاؤهم ، وتطايرت رؤوسهم ، وقد خرجوا من هذه الدنيا يشكون إلى الله جلت قدرته جور الظالمين وتآمر الكاذبين وقلة الناصرين.

في ركام هذه المأساة يبرزُ لنا درسٌ يسطره بدمائه عالمٌ من علماء فلسطين ، وقائدُ من قادتها الذين جمع الله له بين شرف الانتساب للعلم الشرعي ، وشرف الجهاد في سبيل الله عزوجل ليعيد لنا صورةً مشرقةً من ماضينا المجيد حين كان علماء هذه الأمة الأبرار في مقدمة صفوف المجاهدين في سبيل الله عزوجل وهم كذلك دوما بعون الله كما رأينا في قصة العالم المحدث العامل الدكتور نزار ريان الذي عاش حياةً حافلةً مليئةً بالعلم تعلماً وتعليماً وتربيةً ودعوةً ، مع مجاهدة دائمةٍ ومستمرة لهذا العدو الغاشم على ثرى فلسطين الطاهرة.

ملحمةٌ في الثبات على الحق والهدى والدين سطرها هذا العلم الشامخ مع زوجتيه وأبنائه السبعة ليقول بلسان حاله لنا ولأمتنا التي أرهقها حب الحياة وكراهية الموت :

أيُّ يوميَّ من الموت أفر*** يوم لا قُدِّرَ أو يوم قُدِرْ
يومَ لا قُدِّرَ لا أرهبه *** ومن المقدور لن ينجو الحذِرْ

ومن خلال الشاشة الفضية يبرزُ لنا مشهدٌ آخر لامرأة مسلمة من نساء غزة الشرف والعز والسؤدد والإباء ، وهذه المرأة جارةٌ لمنزل الدكتور الشهيد نزار ريان لم يسلم من القصف بيتها ، وبعد أن سألها المذيع عن حالهم قالت بلسان الواثقة بموعود الله جل وعلا: نحن نعيشُ تحت القصف ليلا ونهارا ولله الحمد ، ومع ذلك فوالله لن أغادر منطقتي ومنزلي مهما قصفوا ونحن نحمد الله على كل حال ، وبيوتنا ودورنا وأولادنا وأموالنا كلنا في سبيل الله.

يا سبحان الله العظيم ، وما شاء الله تبارك الله على مثل هذه الحرة الأبية المسلمة ، وواهاً والله لهامات رجال لا تقوى على مثل هذه المواقف لنساء غزة المسلمات اللاتي ضربن أروع الأمثلة في الجهاد والصبر والثبات من وراء أزواجهن وأبنائهن وإخوانهن ، وبوجود مثل هؤلاء النسوة تعتز هذه الأمة وتفاخر لأنها مدارس تنبت العزة وتفوح بالكرامة وتقود بإذن الله تعالى إلى النصر والتمكين في الأرض.

من دروس غزة أنها كشفت لنا لحون الضعفة ، وشجون الشهوانيين ، وأحلام أصنام أوسلو ، وكشفت عن الوجه الكالح للنفاق من جديد ، وبينت لنا حجم جرم المنافقين في هذه الأمة ، وخطورة أمرهم ، وملحمة غزة هي قدر الله التي ظاهرها شر ، ولكن باطنها يحوي على خير كثير من أمثلته تمييز المؤمنين الصادقين عن الكاذبين والمخادعين ، ولقد بينت هذه الأزمة عن ألسنٍ كانت تدعي نصرتها لقضية فلسطين وعندما جاءت المحنة سُلت سيوفها مع دويلة اليهود وأشاعوا في الأمة التخذيل حتى قالوا عن أهل غزة لو أطاعونا ما ماتوا وما قتلوا ونحن نقول لهم عسى الله أن يأتي بالفتح أو بأمرٍ من عنده ويورث الأرض في فلسطين للمستضعفين من أهل الإيمان الذين عرفناهم ونحسبهم والله حسيبهم أنهم صُدُقٌ عند اللقاء ، صُبًرٌ حال المواجهة ، لا يملكون أرصدةً منتفخةً كما يملكها المتاجرون بالقضية ، والمقتاتون على دماء الشهداء وأرواح الأبرياء.

غزة أيها الأحبة كنزٌ تربوي وإيماني وجهادي وأخلاقي وفكري يعجز القلمُ عن الإحاطة بجميع أسراره فاللهم احفظ أهل غزة بحفظك ، وانصرهم بنصرك ، وكن لهم معيناً ونصيراً ، ومؤيدا وظهيرا يارب العالمين.

ماجد بن محمد الجهني- الظهران

 

صليل القلم
  • صليل القلم
  • مختارات
  • الصفحة الرئيسية