اطبع هذه الصفحة


جريمة بلا حدود

ماجد بن محمد الجهني

 
الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لانبي بعده وبعد :

ففي أمسية من أمسيات شهر رمضان المبارك اهتزت قلوب المسلمين في هذه البلاد وفي غيرها من بلاد المسلمين للحادث المروع والتفجير الآثم المفزع الذي استهدف مجمع المحيا السكني في مدينة الرياض حرسها الله ، لقد كان منظر الدماء التي أريقت والمنشآت التي دمرت منظرا يفت الفؤاد ويطارد الرقاد ويبعث على توالي الأرق والسهاد وكيف لايكون الأمر كذلك والعين تبصر وتشاهد مثل هذه الأعمال الإجرامية على أرض الطهر ونبع النور جزيرة الإسلام ومأرز الإيمان وواسطة العقد في بلاد المسلمين.

لقد كان ليل السبت الموافق للرابع عشر من شهر رمضان المبارك من عام أربع وعشرين ومئة وألف للهجرة النبوية المباركة ليلا مرعبا فألسنة اللهب تشق سكون وظلام الليل لايباريها في ذلك إلا صراخ النساء ونحيب الأطفال وتأوهات الجرحى وهذا وربي منظر لطالما تقطعت القلوب وهي تشاهده يحل بإخوان لنا مسلمين في بلاد اخرى فإذا بنا نشاهده يحل بإخوة مسلمين لنا وفي بلادنا وعلى يدي فئام لهم أجندة خفية ومخططات دموية تريد أن توقع هذه البلاد في مستنقع الخوف والرعب والهرج والعياذ بالله.

إنه ولا شك اعتداء سافر على الأرواح المعصومة وعلى الأموال والممتلكات وهو حيدة خطيرة عن النهج الأصيل لهذه الأمة الراشدة ولا إخال أن الأعداء بمنأى عن عصف تلك الليلة فطلسماتها ومسوحها ورسوم عبورها يقول بشكل صارخ وواضح : إن الأكمة ورائها ماورائها وإن الحاقدين على هذه البلاد ينسجون خيوطا رغم خبثها وسوء نتاجها تظل أوهن من بيت العنكبوت متى كان لنا من الاستمساك بحبل الله عاصم ، وإن المتأمل الفاحص فيما حدث في مدينة الرياض يلمس بشكل جلي أن مثل هذا العمل إنما هو بمثابة الهدية الثمينة التي تقدم لأعداءهذه الأمة الذين يهمهم زعزعة استقرار بلاد المسلمين والعبث بمقدراتها وإدخالها في أتون حالات امنية متشنجة تقض مضاجعهم وتعطل حركة التنمية وقبل ذلك وبعده الكيد لهذا الدين ولأهله وتزهيد الناس فيه وفي حملته وهذه ولا شك كلها تخدم مصالح اليمين المتطرف الصهيومسيحي .

إن هذا التفجير ولا شك هو هتك لحرمات الإسلام المعلومة بالضرورة فهو هتك لحرمة الأنفس المعصومة ، وهتك لحرمات الأمن والاستقرار وحياة الناس الآمنين المطمئنين في مساكنهم ومعايشهم ، وغدوهم ورواحهم وهو هتك للمصالح العامة التي لاغنى للناس في حياتهم عنها ، وما أبشع وأعظم جرم من تجرأ على حرمات الله ولم يراع حرمة المكان ولا حرمة الزمان وما أبشع جريمة من ظلم عباد الله وأخاف المسلمين والمقيمين بين ظهرانيهم.

إن النفس المعصومة في حكم شريعة الإسلام هي كل مسلم وكل من بينه وبين المسلمين أمان كما قال الله تعالى " ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما " وقال سبحانه في حق الذمي في حكم القتل الخطأ : " وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة " ، فإذا كان هذا في حق الذمي الذي له أمان إذا قتل خطأ ففيه الدية والكفارة فكيف إذا قتل عمدا ؟ والأدهى والأمر من ذلك إذا كان المقتول مسلما صائما وفي شهر من أقدس الشهور عند الله عزوجل ، إنها ولاشك جريرة عظيمة وإثم وبغي وعدوان.

إن الواجب علينا جميعا أن نرفض مثل هذه الأعمال في بلاد المسلمين لأنها ولا شك تنسجم مع مخططات أعداء هذه الأمة الذين يهدفون إلى زعزعة استقرار بلاد المسلمين ونشر الفوضى والسلب والنهب والقتل فيها ووالله إن الأعداء لهم أشد فرحا وأعظم شماتة بنا وودوا لو أن ظفروا من المسلمين بمثل ذلك فهي تقدم لهم دماء المسلمين وأموالهم على طبق من ذهب .

إن نسف المساكن وتفجير المجمعات وإتلاف الممتلكات وإزهاق الأرواح المسلمة والمستأمنة هي بادرة شر وسبيل مفظ إلى مالاتحمد عقباه على المدى القريب والمدى البعيد فهي أعمال لاتجني سوى الإفساد والترويع وقد نهى الله عزوجل عن الإفساد في الأرض فقال عز من قائل " ولاتفسدوا في الأرض بعد إصلاحها " قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعليقا على الآية السابقة (ينهى تعالى عن الإفساد في الأرض وما أضره بعد الإصلاح ، فإنه إذا كانت الأمور ماشية على السداد ثم وقع الإفساد بعد ذلك كان أضر مايكون على العباد ) ولهذا فإن إفساد الناس وذلك إما عن طريق بث الأفكار الهدامة سواء كانت إلحادية أو غالية جافية أو شهوانية مادية كل ذلك من الإفساد في الأرض وهي من أعظم طرق الإفساد ، وكذلك ترويع الناس وانتهاك حرماتهم والاعتداء على دمائهم وأعراضهم وكرامتهم وأموالهم بغير وجه حق كل ذلك داخل في إطار الفساد والإفساد المنهي عنه وصاحبه متوعد بالعقوبة في الدنيا والآخرة حيث قال سبحانه " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا!
ولهم في الآخرة عذاب عظيم " فهذا حكم الله عزوجل في كل من حارب الله ورسوله وخالف نهجه وسعى في الإفساد في الأرض وتغيير معالمها وإفشاء الجريمة والفحش والانحراف والشطط ضاربا بموازين الدين القويم ومنهاج القسط المستقيم عرض الحائط راضيا بالدون وأن يكون لعبة يستغلها أعداء هذه الأمة في تمرير مخططاتهم الهادفة إلى تقويض كل فضيلة وإحلال كل رذيلة وجريمة وإرعاب وإرهاب مكانها.

إنه من حقي ومن حق كل مسلم أن يتسائل بكل وضوح ماهي مصلحة المسلمين من تفجير مجمعات سكنية يقطنها مدنيون عاديون مسلمون أو غير مسلمين ؟ هل من مصلحة المسلمين أن يخفر بعضهم ذمة بعض ؟ ماهي المصلحة الشرعية المجتناه من قتل طفل مصري أوطفلة لبنانية أو حتى هرم ألماني أو إيطالي ؟ .

لقد كان من المفترض فينا أن نكثف من الدعوة إلى الله عزوجل بين الكفار المعاهدين ممن هم بين ظهرانينا وأن نتسبب في عودتهم إلى بلادهم وقد ذاقوا نور الحياة الحقيقي وذلك بهدايتهم لهذا الدين لا أن يعودوا إلى بلادهم في توابيت الموتى ؟؟؟؟.

حادث الرياض المفجع يوضح أمامنا بجلاء أننا جميعا بحاجة للوقفة الصادقة مع النفس وذلك لمراجعة أحوالنا مع الله عزوجل ومع حدوده على مستوى الأفراد وعلى مستوى الأمة ككل وذلك لأن الذنوب والمعاصي بريد الشرور وموقدة الأخطار ولذا فنحن بحاجة إلى توبة جماعية نستدرك بها مافات ، وحادثة الرياض تلقي بظلال المسؤولية الكاملة على رجال هذه البلاد حكاما ومحكومين وتدعوهم إلى تحمل المسؤولية الكاملة والوقوف صقا واحدا متراصا على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لدحر المخططات الرامية إلى إغراقنا في بحر لجي من التناحر والتباغض والتحريش ، وحادث الرياض يوجب على العلماء المخلصين الذين هم معقد الأمل بعد الله عزوجل أن يهبوا إلى القيام بدورهم في التوجيه وبيان منهج النبي صلى الله عليه سلم في التعليم والدعوة وسائر نشاطات الحياة ، وعلى الإعلاميين واجب عظيم في الإرشاد وتثقيف الناس والوقوف في وجه عواصف المحن التي تريد بهذه البلاد وأهلها سوءا وأن يتقوا الله فيما يقولون ويذرون فالقول في التأثير إيجابا أو سلبا نظير الفعل تماما.

ختاما أسأل الله جلت قدرته أن يحفظ على هذه البلاد أمنها وأمانها وأن يكفينا بمنه وكرمه شر كل من فيه شر.
 

صليل القلم
  • صليل القلم
  • مختارات
  • الصفحة الرئيسية