اطبع هذه الصفحة


النقد وتطوير الذات

ماجد بن محمد الجهني
الظهران

 
عزيزي رئيس التحرير

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

فتفاعلاً مع ماطُرح في صحيفتكم في عدد يوم السبت الموافق2/2/1426هـ حول موضوع الكلمة في إطار النقد يسرني أن أتداخل بهذه المشاركة حول مبدأ من المبادئ العظيمة التي أساء استغلالها فريقٌ من الناس فجعلوا من النقد معولاً يتسلطون به على رأس من شاءوا من عباد الله تعالى،بل إن بعضهم تجاوز في ذلك فغلا وسل سيف نقده على كل شيء حتى وصلت به الحماقة والانحراف إلى نقد الثوابت وبعضهم تجاوز في انحرافه إلى التطاول على الذات الإلهية.

إن المرء بطبيعته البشرية لايمكن أن يصل إلى مستوى الكمال المطلق لأنه قد ينسى وقد يزل وقد يخطئ،وهذه الحقيقة التي جُبل عليها الإنسان كفردٍ تنسحبُ أيضاً على المجتمعات والمؤسسات بعموم،ولذا فإنَّ نقد الإنسان لذاته واستماعه لنقد الآخرين واستخلاص العبر والفوائد من ذلك هو ولاشك طريقةٌ عملية من طرائق تطوير الذات،والرقي بها إلى أعلى المستويات الممكنة،وهذا أيضاً ينسحب على كل عمل نقوم به على المستوى الفردي أو الجماعي أو المؤسسي.

النقد القائم على ركائز الحقائق والوثائق،والمتدثر برداء الأدب والأخلاق،والهادف إلى التعليم والإصلاح والهداية هو ما أعنيه في هذه الكلمات ،وأما مسألة جلد الذات،والدخول في نيات الناس ومقاصدهم بل وأحياناً النيل من أعراضهم فهذا لايمكن تصنيفه إلا تحت بند إساءة الظن وسوء الأدب مع الخلق.

إننا يجب أن نتعامل مع الظواهر التي تستحق النقد وتقبل النقاش وليست داخلةً في مجال القطعيات التي يصبح النقاش فيها باباً من أبواب الزيغ والانحراف-أقول- يجب أن نتعامل معها وفق ما أرشد إليه ديننا الذي علمنا حسن الظن بعباد الله،والإشفاق عليهم والتطلع إلى أن يجري الله الحق على ألسنتهم وأن يهدينا الله وإياهم إلى ما اختلف فيه من الحق بإذنه،وأحسب أنَّ تعاملنا بمثل هذه الروح وهذه الشفافية هو ما يجب أن نسعى إلى تربية أنفسنا وأجيالنا عليه.

وإذا كان الحديثُ عبر بوابة الإعلام شائكاً ويحتاج إلى الكثير من "الفلترة" فإنني أرى أن تقوم وسائل إعلامنا وخصوصاً المقروءة بتفعيل مفهوم النقد وتقبله من خلالها هي لكي تكون قدوةً في هذا المجال ،وهذا ما يقتضي منها أن ترقى بنفسها عن مستوى الانتقائية التي هي في الحقيقة غشٌ لمسيرتها وغشٌ لمسيريها وغشٌ لجمهورها العريض الذي يريد أن يرى مبدأ الشفافية التي لا تتعارض مع المصلحة العامة مطبقاً على أرض واقع الإعلام ككل والمقروء كخصوص.

ليس صحيحاً أن تفرض الصحافة على القراء شخصية"الصحفي والكاتب الرمز الذي لايمكن أن تُناقش أفكاره"،وليس من الحرية في شيء ألا تُنشر إلا الآراء الموافقة للكتاب الصحفيين ويُحرم الطرف الآخر من إبداء رأيه الذي ربما يملك رصيداً من الحقيقة خبا وتوارى خلف قضبان مقص الرقيب الذي يضيق ذرعاً بالنقد المخالف لتوجهات هذا الصحفي أو ذاك أو ربما لتوجهات هذه المؤسسة الإعلامية أو تلك.

أما أنا فمع المبدأ الرافض للنقد الذي يقوم على الإسفاف والتجريح والتهييج،ولكنني أيضاً ضد الاحتكار الإعلامي الذي يعطي أحياناً صورةً مُخالفةً لما هو عليه واقع حياتنا وهو ما يجعلني أتساءل قائلاً:هل تملك أي وسيلة إعلامية الجرأة في رسم مجسم كاريكاتوري في إحدى زواياها يبين لنا موقعها الإعرابي في جملة العدل والإنصاف عند التعامل مع مخالفيها؟ .



نشر في جريدة اليوم عدد يوم الأربعاء6/2/1426هـ
 

صليل القلم
  • صليل القلم
  • مختارات
  • الصفحة الرئيسية