اطبع هذه الصفحة


النعرات القبلية....من المستفيد؟

ماجد بن محمد الجهني
الظهران

 
في الفترة الأخيرة برزت ظاهرةٌ لم نعهدها من سنوات وقد تحولت من مجرد مظهرٍ من مظاهر التراث الذي يذكره الأبناء عن الآباء حفظاً للتاريخ كما يقال إلى مصدرٍ من مصادر التعصب والانحياز والفخر والخيلاء التي يبغضها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

إحياء النعرات القبلية في هذه الأمة أخذ في الفترة الأخيرة بُعداً آخر ولستُ أُبالغُ إن قلتُ أن لهذا الأمر أبعاداً سياسيةً ، وأغراضاً يستفيد منها الأعداء في مخططاتهم الرامية إلى تقسيم أمتنا الإسلامية إلى دويلات وشوارع وأحياء يتحكمون بها على أساس التقسيم القبلي والعرقي الذي يخدم هذه التوجهات بشكلٍ مباشرٍ وغير مباشر ولعلي في هذا السياق استشهد بما نشره موقع آسية الحاسوبي يوم الثلاثاء الموافق19/10/1428هـ من كلامٍ للشيخ ناصر العمر الداعية المعروف حين قال:"ما يحدث من إشعال ‏نار القبلية ظاهر الآن من التعصب للقبيلة والعشيرة، مما يلمس في الواقع اليوم من خلال ‏الإعلام والساحات والإنترنت وحديث المجالس، وحتى إثارة الخلافات الطبيعية بين العلماء ‏بخصوص الهلال وغيره من قبل الصحفيين، مما قد لوحظ بعد رمضان، وكل هذا هدفه واضح ‏من مساعي تفكيك المجتمع والبلدان والقبائل".‏ لقد نهانا رسولنا الكريم عن مآثر الجاهلية وفخرها وخيلائها وبين أن هذا الأمر لايزال في هذه الأمة حيث قال عليه الصلاة والسلام:" أربع في أمتي من أمر الجاهلية ، لا يتركونهن : الفخر في الأحساب ، والطعن في الأنساب ، والاستسقاء بالنجوم ، والنياحة . وقال : النائحة إذا لم تتب قبل موتها ، تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ، ودرع من جرب".أخرجه مسلمٌ من حديث أبي مالك الأشعري.

وحدث الفخر بين أهل الغنم وأهل الإبل أمامه صلى الله عليه وسلم فقال:" الفخر والخيلاء في أهل الإبل والسكينة والوقار في أهل الغنم وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث موسى صلى الله عليه وسلم يرعى غنما على أهله وبعثت أنا وأنا أرعى غنما لأهلي بجياد".

وأبان عليه الصلاة والسلام أن آفة الجمال الخيلاء ، وآفة الحسب الفخر ، وفي حديث قيس بن عاصم قال:" أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فلما دنوت منه سمعته يقول هذا سيد أهل الوبر فسلمت وجلست فقلت: يا رسول الله المال الذي لا يكون علي فيه تبعة من ضعيف ضافني أو عيال إن كثروا؟. قال: نعم المال أربعون من الإبل والكثير ستون وويل لأصحاب المئين إلا من أعطى في رسلها ونجدتها وأفقر ظهرها وأطرق فحلها ونحر سمينها وأطعم القانع والمعتر. قلت: يا رسول الله ما أكرم هذه الأخلاق وأحسنها إنه لا يحل بالوادي الذي أنا فيه من كثرة إبلي. قال: فكيف تصنع بالمنيحة؟. قلت: إني لأمنح في كل عام مئة. قال: فكيف تصنع بالعارية؟.قلت: تغدوا الإبل ويغدو الناس فمن أخذ برأس بعير ذهب به. قال: فكيف تصنع بالأفقار؟. قال: إني أفقر البكر الضرع والناب المدبر. قال :مالك أحب إليك أم مال مولاك؟.قلت: بل مالي. قال: فإنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو أعطيت فأمضيت وما بقي فلمولاك .قلت: لمولاي؟. قال: نعم. قلت :والله لئن بقيت لأدعن عدتها قليلة. قال الحسن: ففعل رحمه الله فلما حضرته الوفاة دعا بنيه فقال: يا بني خذوا عني فلا أجد أنصح لكم مني إذا أنا مت فسودوا أكابركم ولا تسودوا أصاغركم فيستسفه الناس كباركم وتهونوا عليهم وعليكم باستصلاح المال فإنه منبهة للكريم ويستغنى به عن اللئيم وإياكم والمسألة فإنها آخر كسب المرء وإن أحدا لم يسأل إلا ترك كسبه فإذا أنا مت فكفنوني في ثيابي التي كنت أصلي فيها وأصوم وإياكم والنياحة علي فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عنها وادفنوني في مكان لا يعلم به أحد فإنه قد كانت بيننا وبين بكر بن وائل خماشات في الجاهلية وأخاف أن يدخلوها عليكم في الإسلام فيعيثوا عليكم دينكم".حديثٌ حسن.

وفي هذا الحديث العظيم درسٌ بليغٌ لأهل الإبل الكثيرة عن تبعات المسؤولية عنها بين يدي الله عزوجل في أداء الحقوق من الإطعام والتصدق والاستعانة بها على فعل المعروف ونوائب الدهر لا أن تتحول إلى معلمٍ من معالم البذخ والسرف والخيلاء وإحياء مآثر الجاهلية وقهر الضعفة ممن لا يملكون مالاً وقد أعوزهم الجوع لا يستطيعون سد جوعتهم وجوعة من معهم وهم يرون الأموال الطائلة تنفق على مظاهر زائفة ودعايات قبلية فجة.

إننا قبل الإسلام على كثرة قبائلنا وتنوع أصولنا وفروعنا كعرب لم نكن سوى سُبَّةٍ على جبين التاريخ يقودنا الروم والفرس والشرق والغرب كعبيد لهم يسومون شريفنا قبل وضيعنا سوء العذاب ، ولما جاء الإسلام رفع الله به ذكرنا وأحيا نارنا الخامدة وسيرتنا الهامدة فأصبحنا شامةً في جبين الأمم.

إنه ليس من العقل ولا الحكمة في شيء أن يُترك اللاعبون على حبال تشتيتنا وتمزيقنا يلعبون بنا كالكرة التائهة لإنفاذ مخططاتهم في إحياء مآثر الجاهلية بيننا ودرس معالم الإسلام التي نهت عن هذا السفه المشاهد في الأموال التي تنفق على دعوات خطيرة هي من أسباب التباعد لا التقارب ، ومن أسباب التخلف لا التقدم أقول ذلك نصحاً وإبراءً للذمة.


ماجد بن محمد الجهني-الظهران
 

صليل القلم
  • صليل القلم
  • مختارات
  • الصفحة الرئيسية