اطبع هذه الصفحة


الحراك الثقافي الأعرج

ماجد بن محمد الجهني
الظهران


في الآونة الأخيرة برز على السطح مصطلحٌ يردده الكثير من الإعلاميين والمحسوبين على الثقافة والأدب ألا هو مصطلح الحراك الثقافي ، وعند سبر غور هذا المصطلح سنجد أن له إفرازات كثيرة ألقت بظلالها على التوجه الثقافي العام في بلادنا ،وهذه الإفرازات في كثير من مضامينها تتنافى مع الثوابت التي قامت عليها هذه البلاد ومع ثقافة المجتمع الأصيلة النابعة من روح الإسلام وتعاليمه.

لقد قام هذا الحراك بتعزيز موقع الأحادية الفكرية والثقافية وجعلها هي الأصل ، ليواكب الدور الإعلامي الذي تقدم عليه واستطاع أن يلجم الكثير من الأصوات ، وقد جاء الحراك الثقافي الذي روج له الإعلام المتفرد بالرأي ليقول للجميع إن الوضع الذي يجب أن يكون عليه المشهد الثقافي بمجمل مكوناته هو بهذه الصورة ، ولكي يبقى بهذه الصورة فُرغت الكثير من المنابر الأدبية والثقافية من المبدعين الحقيقين وأصبحت حكراً على فئة تنتج وتخرج وتستمع فهي مصدر الثقافة وهي ناقدها وهي جمهورها ويصدق فيها قول الأول:

فيك الخصام وأنت الخصمُ والحكم.

هذه الأحادية التي عززها الحراك الثقافي كانت ثمرته المتوقعة هو الفشل الذريع لمؤسسيه ومسوقيه وللمقتاتين عليه وللدلالة على ذلك أضرب مثلاً بالتشكيل الجديد للأندية الأدبية الذي فشل فشلا ذريعاً في استقطاب الجماهير ، والأسباب تعود إلى أن الأندية لم تعكس الثقافة السعودية ، ولم تلامس ثقافة المجتمع المحيط بها بل بعض الأندية سوقت لمشاريع لا تمت للبلد بأي صلة وهذا مما يؤسف له ، فتحولت الأندية الأدبية عن دورها الأدبي والنقدي والثقافي الرصين إلى ترويج ثقافة القشور عبر صالات العرض السينمائية والترويج للمهترئين أدبياً ولغوياً ،و أصبح الكثيرون لا يجدون المأوى في بيت الأدب والثقافة.

لقد صدق أحد الفضلاء حين قال:( إن التشريد والتهجير الذي أصبح يعتري المثقفين لم يلمسه الكثير وهو ما تثبته النشرات والمجلات الخارجية التي أصبحت تستقطب كثيراً منهم ، وهو أمر لا نستطيع المطالبة به وهو حق لكل مواطن في هذا البلد ، ولا يوجد جهة يمكن أن تتبنى مثل هذه القضايا في رفع الدعوى ضد الجهة التي شردت الثقافة وهجرتها من مواطنها ولم تحمها وتشجعها ، وتشجع المثقف في بلده الذي أصبح مطلوباً منه إما أن يتقمص جلداً غير جلده ، أو يسكت ويكتفي بهز الرأس والموافقة ، وهنا ينكر ذاته ويتسامى على هويته ويذوب في غيره ، وهذا يحتاج إلى وقت طويل ، فبحث الجادون عن بيت جديد ولم يعودوا ينتظرون شيئا من الأندية ، فقد استخفت بعقول الأدباء ، ولم تعد تعيرهم اهتماما ).

والخلاصة الحقيقية هي أننا لا نعيشُ حراكاً ثقافياً حقيقياً له أصوله وقواعده المعتبرة وإنما نعيشُ فوضى ثقافية خلاقة القصد منها تعزيز روح التبعية للآخر الذي ذاب بعض بني جلدتنا في حسنه فاستقبحوا جميع ما عندنا ، واستباحوا هدمه والتهوين من شأنه...ودمتم بخير.

 

صليل القلم
  • صليل القلم
  • مختارات
  • الصفحة الرئيسية