اطبع هذه الصفحة


هل يجوز التصدق بجميع المال ؟

د. باسم عامر
عضو رابطة علماء الشريعة


بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ

هل يجوز التصدق بجميع المال ؟


هل يُشرَع للمسلم أن يُنفق أمواله كلَّها إذا أراد ذلك؟ وهل هذا العمل مما مدَحه الله تعالى وأثنَى عليه؟ وهل كان السلف - رحمهم الله تعالى - يفعلون ذلك أو لا؟
لا بد أولاً من بيان أنَّ من خصائص الإنفاق المحمود الاعتدالَ والتوسُّط، فكما أنَّ المسلم مأمورٌ بالبَذْل على غيره، فكذلك عليه إبقاءُ قَدْرٍ من ماله لنفسه ولِمَن يَعُول، وكذلك تحسُّبًا لنوائب الدَّهر وتقلُّبات الأحوال، فلا يُحْمَد للمسلم أنْ يُبالِغَ في الإنفاق، فيُنفِق كلَّ أمواله، ولا يدَّخِر منها شيئًا.
وهذا المعنى يُستنبَط من قول الله - سبحانه وتعالى -: ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ [البقرة: 3]، وجه الشاهد من الآية الكريمة هو قولُه - سبحانه وتعالى -: ﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾؛ يقول الشنقيطي: "عبَّر في هذه الآية الكريمة "بِمِن" التبعيضيَّة الدَّالة على أنه يُنفِق لوجْه الله بعضَ ماله لا كلَّه، ولَم يُبيِّن هنا القَدْر الذي ينبغي إنفاقُه، والذي ينبغي إمساكُه، ولكنَّه بيَّنَ في مواضعَ أُخَر أنَّ القَدْر الذي ينبغي إنفاقُه هو الزائدُ على الحاجة وسَدِّ الخَلَّة التي لا بدَّ منها، وذلك كقولِه: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ﴾ [البقرة: 219]، والمراد بالعفو: الزائد على قَدْرِ الحاجة التي لا بدَّ منها على أصحِّ التفسيرات، وهو مذهب الجمهور"[1].
وأيضًا هناك آياتٌ أُخرى تعضد هذا المعنى؛ كقوله - عزَّ وجلَّ - في صفات عباد الرحمن: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ [الفرقان: 67]، فوصَفَهم الله تعالى بأنهم لا يُسْرِفون إذا أنْفَقوا، ومُقتضى ذلك إبقاءُ جزءٍ من المال وعدمُ إنفاقه كلِّه.

الآيات القرآنية تُشير إلى الادِّخار:

يُستفاد ممَّا مضى أنَّ القرآن الكريم قد سَبَق عِلْمَ الاقتصاد الحديث في الحثِّ على الادِّخار[2]، وذلك من خلال الإشارة إليه من غير ذِكْره صراحةً، ولعلَّ هذا الأمرَ يُعَدُّ من الإعجاز في القرآن الكريم من الناحية الاقتصـادية والبلاغيَّة؛ يقول د. يوسف القرضاوي: "ومن أسرار التعبير القرآني أنه جعَل الإنفاقَ المطلوبَ ممَّا رزَق الله؛ أي: بعضَ ما رَزَق الله، ومعنى هذا: أنه يُنفِق البعضَ، ويدَّخِر البعض الآخر، ومَنْ أنفَق بعضَ ما يكتسب، فقلَّما يَفتقر، وقد صحَّ أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان يدَّخِرُ لأهله قُوتَ سَنَتهم[3]، فهذا لا يُنافي التوكُّلَ على الله تعالى، ولا الزُّهد في الدنيا؛ لأنه من الأخْذ بالأسباب المشْروعة.

وإذا تعوَّدت الأمَّة الادِّخار، وأصبَح هذا خُلُقًا عامًّا لها، اجتمَعت لديها مقاديرُ هائلة من الأموال، تستطيع أن توظِّفَها فيما يعود على المجتمع كلِّه بالخير وأبْرَك الثمرات، وتسد به ثغرات في الحياة الاقتصادية، بدلَ أن تلجأَ إلى الاستدانة من الخارج بالرِّبا الذي يَمحقه الله، والذي آذنَ اللهُ تعالى مُرتكبيه بحرب الله ورسوله، ونحن نرى آثار هذا المحق وهذه الحرب في هذه المليارات من الديون وخِدْمتها وفوائدها التي أرْهَقتْ شعوبَنا ومجتمعاتنا، حتى أمستْ تحاول توفيةَ الديون بديونٍ أخرى"[4].
إذًا من ثمرات هذا الاستنباط تقريرُ مبدأ الادِّخار، واعتباره مبدأً إسلاميًّا دعا إليه القرآنُ بجانب الإنفاق، فكما أنَّ الإنفاق مطلوبٌ فكذلك الادِّخار، فليس المنهجُ الإسلامي بذاك الذي يَدعو الأفرادَ أن يُنفِقوا كلَّ أموالهم، ثم ينتظروا البركة والتعويض.

سيدُنا أبو بكرٍ الصِّدِّيق - رضي الله عنه - يُنفِق أمواله كلَّها:

في عهْد النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - حصَلتْ حادثةٌ تدلُّ على جواز إنفاق المال كلِّه، وهي القصة المشهورة التي يَرويها سيِّدُنا عمرُ بن الخطاب - رضي الله عنه - حيث يقول: "أَمَرَنا رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يومًا أن نتصدَّق، فوافَق ذلك مالاً عندي، فقلت: اليوم أسْبِق أبا بكر إن سبقتُه يومًا[5]، فجِئْت بنصف مالي، فقال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ما أبقيتَ لأهلك؟))، فقلت: مثلَه، قال: وأتَى أبو بكر بكلِّ ما عنده، فقال له رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ما أبقيتَ لأهلك؟))، قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلتُ: لا أُسابقك إلى شيءٍ أبدًا"[6].
فهل هذه الرواية تُخالف المبدأ الذي تَمَّ تقريره في الإنفاق استنباطًا من القرآن الكريم، من أنه ينبغي أن يكونَ الإنفاق من بعض المال لا كله؟ أو أنَّ هنـاك توجيهًا يصحِّح المعنى المتبادَر إلى الذهن من أنه يجوز إنفاق المال كلِّه استنادًا إلى فعْل أبي بكر الصدِّيق - رضي الله عنه - وإقرار النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - له؟

من خلال التأمُّل في القصة ووقائعها والظروف المصاحبة لها، يُمكن القول بأنه مَن كان في مثل حال أبي بكر - رضي الله عنه - فإنه لا بأْس أن ينفقَ أموالَه كلَّها في وجوه الخير والبِر، وتفصيل ذلك كما يلي:

1- لا شكَّ أنَّ يقينَ أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وإيمانه الراسخَ بالله - سبحانه وتعالى - وصبرَه سهَّل عليه مثل هذا الفعل؛ يقول الخَطَّابي: "وإنما لَم يُنْكِر على أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - خروجَه من ماله أجْمع، لِمَا عَلِمَ من صحة نيَّته، وقوَّة يقينه، ولَم يَخَف عليه الفتنة"[7]، ويقول ابن عابدين: "ومَن أرادَ التصدُّقَ بماله كله وهو يَعلم من نفسه حُسْنَ التوكُّل والصبرَ عن المسألة، فله ذلك، وإلاَّ فلا يجوز، ويُكره لِمَن لا صبرَ له على الضِّيق أن ينقصَ نفقة نفسه عن الكفاية التامَّة"[8]، وبالتالي فمَن وَجَد من نفسه مثلَ هذه الحالة الإيمانية من اليقين والصبر، جاز له أن ينفقَ مالَه كلَّه؛ كما فعَل الصديق أبو بكر - رضي الله عنه.

2-
يُشترط لمَن أراد أن يقومَ بمثل هذا الفعل ألاَّ يكون مسؤولاً عمَّن أوجَبَ الله - سبحانه وتعالى - نفقتَهم عليه، أو إذا كان مسؤولاً وعنده مَن يَعول من زوجة وأولاد، بأن يُبقيَ لهم كفايتهم، أو إذا كانوا مثلَه في الصبر واليقين، جاز له فعْلُ ذلك؛ قال الطبري: "قال الجمهور مَن تصدَّق بماله كلِّه في صحة بدَنه وعقله؛ حيث لا دَيْنَ عليه، وكان صبورًا على الإضاقة، ولا عيال له، أو له عيال يَصبرون أيضًا، فهو جائز، فإن فُقِد شيء من هذه الشروط، كُرِه، وقال بعضهم: هو مَردود"[9].

3-
بالرغم من أنَّ أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - أنْفَق أموالَه كلها، فإنَّ ذلك محمولٌ على إنفاق الدراهم والدنانير، والأموال المنقولة لا غيرها؛ يقول ابن حزم: "بلا شكٍّ كانتْ له[10] دار بالمدينة معروفة ودار بمكة، وأيضًا: فإنَّ مثل أبي بكر لَم يكن النبي - صلى الله عليه وآله وسلَّم - ليُضَيِّعه؛ فكان في غِنًى"[11].
إذًا فعل سيدنا أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - ليس على إطلاقه، ولا يجوز لأيِّ أحد من الناس الاقتداءُ بفِعْله من غير الشروط والقيود التي ذكرناها آنفًا، والله أعلم.
وقد جاء في حديث كعب بن مالك - رضي الله عنه - في قصة تخلُّفه عن غزوة تبوك، ثم نزول توبته من الله - عز وجل - حينها أرادَ كعب - رضي الله عنه - أن يُنفق كلَّ أمواله في سبيل الله تعالى؛ شكرًا لله تعالى وتصديقًا لتوبته؛ حيث جاء في سياق ما قاله - رضي الله عنه - في القصة المشهورة: "يا رسول الله، إنَّ من توبتي أن أنخلِعَ[12] من مالي صدقةً إلى الله وإلى رسوله، فقال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أمْسِك بعض مالك، فهو خير لك))[13]، قال النووي: "وإنما أمَرَه - صلَّى الله عليه وسلَّم - بالاقتصار على الصدقة ببعضه؛ خَوفًا من تضرُّره بالفقر، وخوفًا ألاَّ يصبرَ على الإضاقة، ولا يُخالف هذا صدقةَ أبي بكر - رضي الله عنه - بجميع ماله؛ فإنه كان صابرًا راضيًا"[14].

والخلاصة:
أنَّ مسألة التصدُّق بجميع المال يتعدَّد فيها الحُكم الشرعي بحسب الاعتبارات المذكورة آنفًا، فمَن كان حاله قريبًا من حال أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - فلا بأْس عليه إذا أنفَق ماله كلَّه، وأجْرُه على الله تعالى، ومَن كان بخلاف ذلك، فالأولى أن يُبْقِيَ جزءًا من ماله، ولا يُنفقه كلَّه، والله أعلم.

---------------------------
[1] الشنقيطي: محمد الأمين؛ أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (1/51)، دار عالم الكتب، الرياض.
[2] هناك فَرْق بين الادِّخار والاكتِناز، فالادخار لا يَعْدُو أن يكون اقتطاعًا لجزءٍ من الدخل؛ بُغية الانتفاع به وقت الحاجة، ودفْع ذلك الجزء المقتطع إلى أوْجه الاستثمار المختلفة بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، أمَّا الاكتناز، فهو الاحتفاظ بالثروة وحجْبها مطلقًا، وعدم أداء الحقوق الواجبة فيها؛ كالزكاة وغيرها؛ انظر: سانو، قطب: المدَّخرات: أحكامها وطُرق تكوينها واستثمارها في الفقه الإسلامي، ص 209، دار النفائس، الأردن، ط 1، 1421هـ - 2001م.
[3] عن عمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه -: أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان يبيع نخلَ بني النضير، ويَحبس لأهله قوْتَ سنتهم؛ رواه البخاري؛ صحيح البخاري، كتاب النفقات، باب حبْس نفقة الرجل قوت سنة على أهله، وكيف نفقات العيال، برقْم (5357)، (3/ 439).
[4] القرضاوي يوسف؛ دور القِيَم والأخلاق في الاقتصاد الإسلامي، ص 213، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 1، 1422هـ - 2002م.
[5] "إن سبقته يومًا"؛ أي: إنْ سبقتُه يومًا، فهذا يومه، وقيل: إن نافية؛ أي: ما سبقتُه يومًا قبل ذلك؛ انظر: المباركفوري، محمد بن عبدالرحمن؛ تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي (10/ 113)، دار الفكر، بيروت، وآبادي، محمد شمس الحق: عون المعبود شرح سنن أبي داود (5/ 94)، دار الفكر، بيروت.
[6] رواه أبو داود واللفظ له؛ سنن أبي داود، كتاب الزكاة، باب الرُّخْصة في ذلك، برقْم (1679)، والترمذي، وقال عنه: هذا حديثٌ حَسَن صحيحٌ؛ سنن الترمذي، كتاب المناقب عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - باب في مناقب أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - برقْم (3829)، وقال الحاكم في المستدرَك على الصحيحين: هذا حديث صحيح على شرْط مسلم ولم يُخرِّجاه؛ انظر: المستدرك على الصحيحين؛ للحاكم النيسابوري (1/ 573)، دار الكتب العلمية، بيروت، 1990م، وقال عنه الألباني: حسن؛ انظر: صحيح سنن أبي داود؛ للألباني (1/ 315)، برقْم (1472)، مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض، ط 1، 1409هـ - 1989م.
[7] انظر: الخطابي، حمد بن محمد: معالم السنن (2/ 78)، المكتبة العلمية، بيروت، ط 2، 1401 هـ - 1981م.
[8] ابن عابدين، محمد أمين: حاشية رد المحتار على الدر المختار (2/ 371)، دار الفكر، بيروت، 1995م.
[9] نقَلَه عن الطبري الإمامُ الحافظُ ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاري، (4/ 45)، ولَم أجد هذا النقل في تفسير الطبري.
[10] أي: أبو بكر الصدِّيق - رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
[11] ابن حزم، علي بن أحمد؛ المُحلَّى بالآثار (6/ 244)، دار الكتب العلمية، بيروت، 2003م.
[12] أَنخلِع؛ أي: أخرج من جميع مالي؛ انظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري؛ للحافظ ابن حجر، مرجع سابق، (8/ 452).
[13] رواه البخاري؛ صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب حديث كعب بن مالك - رضي الله عنه - وقول الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [التوبة: 118] برقْم (4418)، (3/ 125)، ومسلم؛ صحيح مسلم، كتاب التوبة، باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحِبَيْه، برقْم (2769)، ص 1107.
[14] النووي، أبو زكريا يحيى بن شرف؛ شرح النووي على صحيح مسلم (17/ 76)، دار الفكر، بيروت، 1995م.

 


 

بحوث علمية
  • بحوث في التوحيد
  • بحوث فقهية
  • بحوث حديثية
  • بحوث في التفسير
  • بحوث في اللغة
  • بحوث متفرقة
  • الصفحة الرئيسية