اطبع هذه الصفحة


خلاف العلماء في مسائل الفقه الاسلامي

أحمد أبو وائل أيمن عمير


بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ

المقدمة
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، والشكر له شكراً جزيلاًَ على توفيقه وامتنانه، اختار من شاء من خلقه لحمل رسالته وتبليغها إلى الناس، وجعل العلماء من بعد الأنبياء ورثة لهم في علمهم ورسالتهم الخالدة، والصلاة والسلام على رسول الله محمد خاتم النبيين، ما ترك من خير إلا بينه وحث على فعله، وما ترك شراً إلا بينه وحذر منه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.. أما بعد:
أخي القارئ-وفقك الله-: اعلم أن مسائل الفقه الإسلامي العظيم قد حصل فيها خلاف بين العلماء؛ لحكمة يعلمها الله،

والتفرق عموما في الدّين أو الاختلاف فيه ينقسّم إلى قسمين:

الأول: ما كان اختلافاً في العقائد، وأصول الأحكام الثابتة، وما ثبت بإجماع صحيح عن خير القرون، فهذا تفرق مذموم بلا شك، ذلك أن دلائل تلك المسائل واضحة في الكتاب والسنة، مجمع عليها عند سلف الأمة، فالمخالف فيها متبع للهوى مفارق لسبيل المؤمنين، مقدم عقله على نصوص الوحي، وهذا قد ذمه الله ورسوله والمؤمنون.

الثاني:
ما كان خلافاً في الفروع الفقهية والمسائل كما اشرنا التي لم تجمع الأمة فيها على رأي واحد، وذلك كالاختلاف الواقع في المذاهب الأربعة، وكثير من المسائل الحادثة التي اختلف فيها أهل العلم، فهذا النوع من الاختلاف غير مذموم إذا وقع من أهله العارفين بأصوله، بل يمدح إن كان الحامل عليه اتباع الحق وتقديمه، ذلك أن نصوص القرآن والسنة في بيان تلك الأحكام ظنية في دلالتها، فربما رجح مجتهد مالم يرجحه آخر، فالكل مأجور في اجتهاده، كما قال صلى الله عليه وسلم: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" متفق عليه.

وقد كان خلاف الصحابة، وأئمة السلف من هذا النوع، فلم يوجب فسقاً ولا بدعة، بل كان بعضهم يجل بعضاً، ويكرمه من غير أن يكون خلافهم لتفرقهم، طالما أن الحق بغية كل واحدٍ منهم ومطلبه، لكن خلفهم خلوف ادعى كل طائفةٍ منهم التمسك برأي إمامٍ، وتعصب كل فريق لإمامة، وضلل الطائفة الأخرى، فتركت كل طائفة بعض ما أمرت به من الحق، وارتكبت بعض ما نهيت عنه، فوقعت العداوة والبغضاء، شأن أهل الكتاب من قبلنا، فلله الأمر من قبل ومن بعد. والله المستعان.
وما على المسلم إلا أن يتأدب بأدب الخلاف كما تأدب به السابقون.. وما نشأ التنازع والخصام في الفروع إلا من جهلة الناس أو من دعاة الفقه، وهم أجهل من العوام بقداسة العلم لتعصبهم، وكان الأولى بهم اتباع الدليل، مع ترك المخالف وشأنه بعد نقاشه بأدب ووقار، فإذا لم يحصل الاتفاق ترك كل وشأنه، مع التآلف والتسامح بين المسلمين.. هذه مقدمة وجيزة لرفع ما قد يعتري القارئ الكريم من إشكال في مسائل الخلاف أو ضيق صدر بسبها..

طلبة العلم وصية رسول الله أنتم في هذه الأمّةِ الرّادَةُ والقادَةُ وحملَةُ الأمانةِ والمؤتمَنُون فيها على مشاعلِ الهدايةِ والنور، فإذا تنوّرَت منكم - حفظكم الله - العقائد والتصوّرات؛ استقامت منكم المناهجُ والقرارات، وعادَ ذلك منكم على الأمّةِ بالخيرِ والبركة والنفع. ولمّا كان العلمُ رحمًا بين أهلِهِ وطُلاّبه؛ أحببنا أن نتدارسَ حقيقةَ مسائل متنوعة لا كلها لأن ذلك شبه المستحيل، فاستعنا الله تعالى في مشروعنا هذا إرشاد الرعية فيما اختلف فيه من المسائل الشرعية، لا يقفُ في طريقهِ إلاّ الجِدُّ وصِدقُ الشد.
مسائل كهذه مفخرة لكل مسلم حيث لم يزل الإسلام على مدار أربعة عشر قرنًا منارة العالم أجمع حضاريًا وثقافيًا واجتماعيًا، لا سيما في العصور التي كانت لا تزال تعاني أوروبا بأديانها المختلفة ونحلها ومللها المتنوعة خلالها مغبة الجهل والتخلف والظلام، وتقلص شرائعها وضعفها أن يستمد منها ذلك المجتمع دروب اهتداء .. ففي الوقت الذي كانت تحبو فيه أوروبا وروما أعظم دول الكفر على ركبتيها نحو أي بصيص من ضوء العلم والتقدم والحضارة؛ كان الإسلام على رأس حضارات الدنيا رفعةً وتقدمًا في كافة المجالات، وكان الجميع يتطلع ليقتبس شيئًا من نور الإسلام، أو حضارة الإسلام، أو تقدم الإسلام لمرونة ويسر شريعته وصدقها ووحيها الصادق.

دل على عظمته تنوع الأفكار في فهم نصوصه التي كانت قالبا وإناء لكل رأي سديد سليم لم يتصادم مع نصوصه الصريحة أو الاعتداء عليها أو تأويلها في أمور لا يصلح التأويل فيها كنصوص العقيدة والصفات والأسماء التي سطر نهاية فيها وأغلق الباب إليها من سلف الأمة الصالح، ليس استبداد في هذا المجال لكن لقصر العقلانية في استيعابه وضعف الفكر فلا عقلانية أمام النصوص الربانية هذا درب السلفية المحمدية.
وحينما نلتفت بأعيننا إلى المشهد الحضاري الإسلامي القديم والنتاج الفقهي العظيم لن تخطئ أعيننا في اكتشاف الأثر العلمي والحضاري المذهل الذي شكّله الوعي الإسلامي في عقول معتنقيه من فقهائه وعلمائه على مدار تلك الفترة المضيئة، فحتى هذه اللحظة يدين علماء الأمة قبل علماء الغرب في كل الدنيا بالفضل للعلماء المسلمين الأوائل الذي وضعوا أسسًا لكثير من العلوم التجريبية التي ينتفع بها العالم المعاصر، والتي أخذها الغرب فطورها وأحدث بها نقلات نوعية على مستوى الأبحاث والمخترعات الحديثة، وذلك في الطب والهندسة والبصريات والفلك والكيمياء والطبيعة وغير ذلك، وعلى مستوى العلوم الاجتماعية برز كثير من العلماء الذين أسسوا لذلك العلم وكان كلُّ من بعدهم عالة عليهم فيه... إلى غير ذلك من المجالات التي برع فيها المسلمون وحاكاهم من أتى بعدهم من بقية الأمم والذي يعنينا هنا هو تراثنا الديني.

الإنسان هو كلمة السر في أي إنجاز حضاري في أي مجتمع، ولأن الإسلام أولى أهمية كبرى للإنسان المسلم باعتباره ركيزة أساسية من ركائز الحضارة فقد نجح نجاحًا باهرًا في في إيقاد شعلة الإسلام بين الأمم، ما خفتت هذه الجذوة المضيئة إلا حينما عزف الناس عن شريعة الله تعالى وعن توجيهات الشرع واهتموا بما ظنوه من أسباب الحضارة وابتعدوا عن ركائزها الرئيسة ظنًا منهم أنها من أسباب التخلف والتقهقر..
وفي ملفنا العلمي (إرشاد الرعية فيما أختلف فيه من المسائل الشرعية) تعرضنا فيه إلى البناء السديد في فهم المسائل للمسلم ، في وقت تعج مجتمعات المسلمين بكثير من الحركات والمذاهب والأفكار الهدامة التي تصادم الشرع في كثير مما تحتويه من مبادئ وأفكار؛ بل تسعى جاهدة إلى تقويض مبادئ الشريعة وسلخ المسلمين عن دينهم ولكنها ابتداءً لا تظهر ذلك المظهر المحارب للإسلام صراحةً, حيث تلبس ثوب التقدم والرقي والحضارة والانساب للمنهج والطائفة الموعودة، وتتدثر أحيانا بمفاهيم الحرية والفردية والعقلانية ويقدم فيها العقل على حساب النص، و دعوى التسامح ومرة إلى التمسك بالنهج الأول للرعيل السابق وتنهش النوايا حتى وصل الأمر إلى التشكيك في العلماء ونوايا الملتزمين لتخدع بمصطلحاتها الرنانة فئام من شباب المسلمين وتتدرج في مخططاتها شيئاً فشيئاً وتحدث تشكيكا بواحا في أفذاذ العلم الأوائل وتجريحهم والتكلم في أعراضهم والنيل منهم..وها نحن نرى تطرف فكري وفقهي رهيب إن صح التعبير وصار الناس يتخبطون في أوحال هذه الجماعات وإن كانت شمس الرسالة المحمدية والجيل الرسالي الأول واضحة لا تحتاج إلى زيد من الناس لينير لنا دروبها الوضاءة التي قال عنها المصطفى من حديث ابن ماجه عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقلنا يا رسول الله إن هذه لموعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ قال: " قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وعليكم بالطاعة وإن عبدا حبشيا، فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد." قال الشيخ الألباني : صحيح.

عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألا هلك المتنطعون ألا هلك المتنطعون ، ألا هلك المتنطعون " ، أي المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم وأعتقاداتهم .
- عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الدين يسر ، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ، فسددوا وقاربوا ، وأبشروا ، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة " .
قال الحافظ بن حجر في الفتح : " باب الدين يسر : دين الإسلام ذو يسر، أو سمى الدين يسرا مبالغة بالنسبة إلى الأديان قبله؛ لأن الله رفع عن هذه الأمة الإصر الذي كان على من قبلهم. ومن أوضح الأمثلة له أن توبتهم كانت بقتل أنفسهم ، وتوبة هذه الأمة بالإقلاع والعزم والندم .

وَلاَ تَغْلُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَمْرِ وَاقْتَصِدْ *** كِلاَ طَرَفَيْ قَصْدِ الْأُمورِ ذَمِيمُ


من أخطر بعض الآثار السيئة المترتبة على الغلو والتشدد والتعصب للرأي والمذهب:

1) هدم الإسلام وتشويه مبادئه : وذلك بسبب تصرفات الغلاة والتي يلصقونها بالإسلام وهو منها براء .
2) المروق من الدين كما حدث مع الخوارج وطوائفها المارقة كالأزا رقة والإباضية وغيرهم.
3) تمزيق الأمة وتفتيتها : بسبب الأفكار الضالة المضلة والمعتقدات الخاطئة والتأويلات الفاسدة للنصوص وخلافها وقصور الافهام ولعل أوضح برهان على ذلك ما حدث من الخوارج في عهد الخليفة الراشد على ابن أبي طالب .
4) الغلو قصير العمر لأنه يورث السآمة والملل ثم العجز.
نحن اليوم نتعرض بشيء من التفصيل والدراسة لمسائل هدفه:
1 ـ مقومات بناء المجتمع المسلم : العدل ـ الأخلاق ـ الاعتراف بالحقوق وأداؤها وغيرها ـ كل ذلك من خلال التراث العلمي الذي خلده التاريخ لنا لأولئك الأعلام الأجلاء حنى نكون منصفين عادلين متخلقين معهم بأدب الخلاف وأخيرا معترفين لهم شاكرن لهم جهدهم في خدمة الفقه والشريعة ثم اعذارهم لقلقة الوسائل العلمية آنذاك لإيصال الدليل إليه (أي الفقيه).
وسعيًا منّا في كشف الحقيقة الراجحة فضلا عما شهده التاريخ التشريعي من تلك الخطّة الثوريّة الفقهية والنهضة العلمية التي تستحق الفخر والمفاخرة أمام الأمم، نقدّمُ هذا الملفّ العلمي بمحاوره ومسائله المتعددة وما تحويه من عناصر وملفّات علميّة متنوّعة، سائلين الله تعالى أن يكتُبَ فيه الخير والبركة، وأن يجعله وسيلةً من وسائل الجهاد والنصرة والدعوة في زمن قلّ فيه الناصر والمعين وكثر فيه الرويبضة ولتقضي على التعصب المذموم والفكر المتحجر..

أخوكم: أحمد أبووائل أكرم أيمن عمير
19 رمضان 1436ه

 

بحوث علمية
  • بحوث في التوحيد
  • بحوث فقهية
  • بحوث حديثية
  • بحوث في التفسير
  • بحوث في اللغة
  • بحوث متفرقة
  • الصفحة الرئيسية