اطبع هذه الصفحة


قواعد علمية لمسائل شرعية للشيخ محمد المختار الشنقيطي حفظه الله

منصور مزيد السبيعي


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد :

فقد أهتم الفقهاء بالقواعد الفقهية لما فيها من سهولة العلم والإحاطة بأحكام الفروع دون حفظها ولإلمام بمدلولاتها دون جمعها ولما يترتب عليها من انتظام الكليات للجزئيات ولولا القواعد الفقهية لكانت الأحكام الفقهية فروعاً متناثرة تتناقض في ظواهرها وإن اتفقت في مدلول بواطنها
وعليه فهذه بعض القواعد الفقهية جمعتها
من شرح زاد المستقنع للشيخ الدكتور محمد بن محمد المختار الشنقيطي حفظه الله والله أسأل أن يكتب لقائلها وكاتبها وقارئها الأجر والمثوبة والله الموفق.

1- قاعدة: (أن المشقة تجلب التيسير)
ما دام أن الناس ليس بوسعهم أن يزيلوا هذه النجاسة فيخفف عنهم في التطهر بهذا الماء، ويقال: إن الأمر إذا ضاق اتسع، ولا يكلفهم الله إلا بما في وسعهم

2- قاعدة : ( الأصل بقاء ما كان على ما كان)
فالأصل أنه طهور، ونحن شككنا في سلب الطهورية فنبقى على الأصل.

3- قاعدة : (أن النص إذا خرج مخرج الغالب لم يعتبر مفهومه)
قوله: (فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده ) خرج فيه النص مخرج الغالب، والذي خصه بالبيتوتة بنى على مفهوم الحديث

4- قاعدة : (أنه إذا ورد النهي وانفك عن المنهي عنه في جهته لم يقتضِ ذلك البطلان)
فإن الماء الذي توضأ به ماءٌ طهور، والعضو الذي
غسله عضوٌ معتبرٌ شرعاً، فإذاً صحت عبادته وصح وضوءه

5- قاعدة : (أن اليقين لا يزال بالشك)
فاليقين في أواني الكفار: أنها طاهرة في الأصل، فكيف عدلنا عن قاعدة اليقين في هذا الموضوع حتى صرنا نقول: إن أواني الكفار تغسل؟
هناك شيءٌ اسمه: دلالة الظاهر، والظاهر قد يعارض الأصل
- فتارةً يُعمِل اليقين
- وتارة يُعمل الظاهر
فإن الظاهر في حال الكفار أن أوانيهم نجسة؛ لأنهم يشربون فيها الخمور ويأكلون فيها الميتات، فالظاهر من حالهم أنها نجسة.

ومن أمثلة ذلك: إذا دخل الإنسان أكرمكم الله إلى الحمام، فوجد الماء الذي هو في مجرى النجاسة، فالماء هذا اليقين فيه أنه نجس، والماء الذي خارج الحمام اليقين فيه أنه طاهر، فيبقى الماء الذي بينهما هل نقول: اليقين فيه ما بداخل الحمام أو ما بخارجه؟! قالوا: هذا يعتبر من دلالة الظاهر، فالظاهر دورات قضاء الحاجة أنها نجسة حتى يدل الدليل على طهارتها، وبناءً على ذلك فإن الظاهر من أحوال الكفار النجاسة، فيقدم الظاهر على الأصل، وهذا من المسائل التي يتعارض فيها الظاهر والأصل

6- قاعدة : ( النفي يحمل على الصحة ما لم يتعارض مع الدليل، فيجب صرفه إلى الكمال )
فيكون هذا النفي بسبب معارضته للأحاديث الأخرى محمولاً على نفي الكمال, أي: لا وضوء كامل لمن لم يسمِّ، أو لمن لم يذكر اسم الله عليه كما في الرواية الثانية, وبهذا يجمع بين النصوص وتكون التسمية مستحبة لا واجبة.

7- قاعدة : ( أنه لا يشرع تضييع الفرائض بالسنن, أو ارتكاب المحرمات لطلب السنن)
إذا بالغ في الاستنشاق فإنه ضيع الواجب وهو الصيام

8- قاعدة : (أنه إذا اختلف الزمان واتحدت العلة فلا تأثير في اختلاف الزمان)
فالزمان هو: ليل ونهار والعلة: هي الإنقاء, فلذلك يطلب من الإنسان أن ينقي الفم عند وجود نتن الفم الناشئ عن النوم، وهذا موجود في نوم النهار كنوم الليل، فيشرع للإنسان أن يستاك من نوم النهار كما يشرع له أن يستاك من نوم الليل

9- قاعدة : (النهي لا يقتضي الفساد إلا إذا اتحد المحل بأن ينصبَّ إلى الذات -ذات الشيء- أو إلى الوصف اللازم له)
الصلاة في الدار المغصوبة، وعلى الأرض المغصوبة، تصح الصلاة؛ لأنه مأمور بها شرعاً وقد تمت أركانها وشرائط صحتها، ويأثم؛ لأن الجهة منفكة

10- قاعدة: (الشك في الرخص يوجب الرجوع إلى الأصل)
فالمسح رخصة، فنشُك إذا كان مسافراً وأقام: هل يتم مسح مسافر؟ فنرده إلى اليقين وهو اليوم والليلة، ولما كان مقيماً ثم سافر نشك: هل يطرأ عليه التوسع أو لا يطرأ؟ أو نبقيه على اليقين، فنرده إلى اليقين وهو اليوم والليلة، وهذا اختيار الشافعية والحنابلة. وقال بعض العلماء: إنه يعتبر المآل، فيمسح مسح المسافر، ولو طرأت عليه الإقامة، وهذا مذهب الإمام أبي حنيفة رحمة الله عليه. والأقوى والأحوط: أنه يتم مسح مقيم في جميع الصور

11- قاعدة :( البدل يأخذ حكم المُبْدَل إلا ما استثنى الشرع)
فلما كانت الجبيرة التي على ساعده -مثلاً- وُضِعت لجبر كسر، والأصل غَسل الساعد، فتعذر غَسله لمكان الحائل وتعذر غَسل الحائل فإنه يَمسح على ذلك الحائل بتمامه؛ لأنه بدل عن أصل، فالمسح بدل عن الغسل، فأصبحت الجبيرة بدلاً عن المحل، وهو البشرة، وأصبح المسح بدلاً عن الغَسل، واستثنى العلماء الخفين لورود النص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يستوعب الخف

12- قاعدة : (أن تأخر إسلام الراوي مع تقدم المعارض يدل على النسخ أو يشعر بالنسخ)
حديث (وهل هو إلا بضعة منك ) قالوا: إن هذا الحديث يدل على أن مس الذكر لا يوجب انتقاض الوضوء. والصحيح أنه يوجب انتقاض الوضوء، ويجاب عن حديث طلق بن علي من وجهين: الوجه الأول: أنه منسوخ؛ لأن طلق بن علي قدم عند بناء المسجد كما جاء في الرواية، وحديث: (من مس ذكره فليتوضأ ) رواه المتأخرون إسلاماً من الصحابة: كأبي هريرة رضي الله عنه

13- القاعدة : (أن ما قارب الشيء يأخذ حكمه)
أن المراد بالمس باطن الكف، فلو أنه وقع على ظاهر الكف لم ينتقض الوضوء لقوله: (من مس ذكره ) والمس: هو الإفضاء بباطن الكف والراجح أنه يأخذ حكم الباطن

14- قاعدة في اللغة: (زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى)

قوله تعالى: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ )على الجماع، والسباق والسياق محكم، وسباق الآية وسياقها يدل على أن المراد بـ(لامَسْتُمُ): الجماع ولأن السُّنة تصرف (لامَسْتُمُ) من ظاهرها إلى هذا المعنى

15- قاعدة : (اليقين لا يزال بالشك)، وهذه القاعدة هي إحدى القواعد الكلية الخمس. وتفرع على هذه القاعدة قاعدة تختص بمسألتنا وهي قولهم: (الأصل بقاء ما كان)
فلو أن الإنسان بمجرد الوسوسة ينتقض وضوءه لما استطاع أحد أن يصلي؛ لأنه بمجرد أن يدخل في العبادة أو يتلبس بالوضوء يتسلط عليه الشيطان بوساوسه، ولذلك جزم الشرع باعتبار الأصل وألغى الشك

16- قاعدة : (أن ذكر بعض أفراد العام لا يقتضي تخصيص الحكم به)
نص النبي صلى الله عليه وسلم على التربة، وذلك من باب ذكر أفراد العام الذي لا يقتضي تخصيص الحكم بذلك الفرد. ومن أدلتهم على تخصيص التيمم بالتراب الذي له غبار حديث: (ضرب بيديه الأرض ومسح بهما وجهه وكفيه )، فقالوا: لا معنى للضرب إلا لطلب الغبار

17- قاعدة : (أن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً)
حكمنا بنجاسة الثوب مبنياً على وجود النجاسة في الثوب؛ فإنه ينبغي أن يزول هذا الحكم بزوال النجاسة، وقد زالت بالشمس، فيستوي عندنا أن تزول بالشمس أو بغير الشمس.

18- قاعدة : (القدرة على اليقين تمنع من الشك)
من قدر على اليقين فلا يطالب بالشك، فإذا أمكن الإنسان أن يتحرى ويجتهد فهذا لا إشكال فيه، فعليه أن يتحرى ويجتهد

19- قاعدة :( أن ما قارب الشيء أخذ حكمه)
ابتدرها دم النفاس، فإن عاجلها قبل الولادة بيوم أو يومين أو ثلاثة فيعتبر داخلاً في حكم دم النفاس، من كونه يمنع الصوم ويمنع الصلاة، وحكمه حكم دم الحيض. هذا بالنسبة لها إذا كانت حاملاً.

20- قاعدة : (ما شرع لحاجة يبطل بزوالها)
فلما كان حكمهم بجواز الرَّزق من بيت المال مبنياً على وجود الحاجة، وهي عدم وجود المحتسب بطل بزوالها إذا وجد المؤذن المحتسب

21- قاعدة : (( حمل المطلق على المقيد شرطه اتحاد المورد ))
فهذا واردٌ في الجر، وهذا واردٌ في الإسبال. وبناءًَ على ذلك يبقى حديث الإسبال على الأصل أنه للتحريم، ونقول: الوعيد بنفي النظر وعيدٌ خاص زائدٌ على العقوبة بالنار؛ لأن هذا النص دل على حكم وهذا النص دل على حكم. فنقول: كل من أسفل عن الكعبين فإنه يعذب بالنار، كما ثبت في الحديث الصحيح، ومن جر فقد زاد على كونه ظالماً بما أسفل عن الكعبين بالخيلاء

22- قاعدة : (إذا تعارضت الفضائل قدمت الفضيلة المتصلة على الفضيلة المنفصلة)
المشي إلى الصلاة فضيلة منفصلة عن الصلاة، والصف الأول فضيلة متصلة بالصلاة، ولذلك تقدم الفضيلة المتصلة على الفضيلة المنفصلة،

23- قاعدة : (إذا تعارضت المصلحة والمفسدة قدم درأ المفسدة على جلب المصلحة)،
الذي يريد الصفوف الأول، والذي يريد الفضائل التي تكون في الصفوف الأول فليبكر، أما أن يأتي متأخراً ويتخطى رقاب الناس ويؤذيهم ويشوش عليهم فإن هذا لا يجوز له لما فيه من الضرر

24- قاعدة : (إذا ترتب على ترك الأمر وعيد كان هذا دليلاً على أنه من الواجبات، وأن الإخلال به من المنهيات)
الإخلال بتسوية الصفوف من المحرمات، والأمر به واجب، فالناس مطالبون بإقامة الصفوف وتسويتها، وثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة، فالذين يسوون صفوفهم ويعتنون بتسويتها هم مقيمون للصلاة، والله أثنى على المقيمين للصلاة وزكاهم في كتابه، فمن إقامة الصلاة تسوية الصفوف

25- قاعدة : ( النصوص إذا وردت بأمرين فلا يصح إثبات أحدهما ونفي الآخر إلا بدليل)
فكما أن الله أخبر في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بما يدل على أن الإنسان يُوزَن، وأخبر بما يدل على أن العمل يُوزَن فنقول: كلٌ صحيح، وكلٌ خرج من مشكاةٍ واحدة، فالإنسان يوزن، وعمله يُوزن، وعرصات القيامة مختلفة -كما هو جواب ابن عباس رضي الله عنهما أن عرصات يوم القيامة مختلفة- والمراد بالعرصات: المواقف -نسأل الله أن يلطف بنا وبكم فيها-، فتارةً توزن الأعمال، وتارة يوزن أصحاب الأعمال، وكلٌ على حسب ما يكون منه من خير وشر.

26- قاعدة : أن (أيّ) من ألفاظ العموم،
قال صلى الله عليه وسلم : (أيما صلاةٍ لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج )
ما فرّق النبي صلى الله عليه وسلم بين صلاتك إماماً أو مأموماً أو منفرداً، نافلة أو فريضةً، فالأصل في العام أن يبقى على عمومه حتى يرد ما يخصصه، ولا مخصص.

27- قاعدة : (العام يخصص إذا أمكن تخصيصه)
جاءنا في الحديث يقول: (لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب )، فهذا مخصص
قاعدة : (لا تعارض بين عامٍ وخاص).
قوله تعالى: ( وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ) محمول على العموم إلا في الصلاة؛ لأنك مطالبٌ بالقراءة كما يقرأ إمامك، وبناءً على ذلك: فله قراءته وأنت لك قراءة، فلا يصح أن تترك الفرض للاستماع الذي هو دونه في الوجوب

28- قاعدة : (إذا تعارضت مفسدتان أكبرهما)، وبعضهم يقول: (رُوعِي ارتكاب أخفهما بدفع أعظمهما) أي: لدفع الأكبر
ومن ذلك كَسْر السفينة، كما في قصة موسى مع الخضر، حيث علل الخضر عليه السلام كسرها بقوله فيما حكى الله تعالى عنه:(( فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا )) فكسرها أفضل من أخذها بالغصب كلها، ولذلك قالوا: كسر السفينة مفسدة أهون من فوات السفينة بكاملها. وعليه فرّع العلماء جواز أن يذهب ثلث الوقف لاستصلاح ثلثيه

29- قاعدة :( الاستثناء إخراجٌ لبعض ما يتناوله اللفظ)
فأخرج النبي صلى الله عليه وسلم فاتحة الكتاب، وقال: (فلا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب )، أي:بفاتحة الكتاب افعلوا. فألزم النبي صلى الله عليه وسلم بقراءتها وراء الإمام، فدل على أن المأموم وراء الإمام يلزمه أن يقرأ الفاتحة.

30- قاعدة : ( الأمر يدل على الوجوب إلا إذا قام الدليل على صرفه)
قال عليه الصلاة والسلام: (اجعلوها في ركوعكم )، فإن قوله: (اجعلوها ) أمر، فوَجَب على المكلف أن يمتثل هذا الأمر على سبيل اللزوم

31- قاعدة :(التكليف شرطه الإمكان)
فإذا كان المكلَّف عاجزاً عن تحصيل الشرط الذي هو طهارة الحدث فإننا نعذره ونقول: صلاته صحيحة، والدليل على ذلك ما ذكرناه، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للمستحاضة أن تُصَلِّي والدم يجري معها، فدل على أنها معذورة، وأن من كان في حكمها معذوراًَ أنه يرخص له في صلاته. ولأنه عليه الصلاة والسلام أقر الطائفة التي صلت قبل فرضية التيمم بدون وضوء، مع أن الوضوء كان لازماً، وقد ثبت اعتبار لزومه بالشرع، ومع هذا صحَّح صلاتهم ولم يأمرهم بالإعادة، وذلك لعدم إمكانهم أن يتوضأوا

32- قاعدة :( أن ما أطلقه الشارع فإنه يرجع فيه إلى العرف والعادة)
فعمل المستكثر عادة يعتبر من موجبات بطلان الصلاة؛ لأن الإنسان إذا فعل الأفعال الكثيرة التي لا تتعلق بالصلاة خرج عن كونه مصلياً، وبناءً على ذلك يحكم ببطلان صلاته، وقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (إن في الصلاة لشغلاً ) ، والتعبير بهذا الأسلوب يدل على أنه شغل، أي: ينبغي للمكلف أن يستجمع نفسه لهذه الصلاة فلا يشتغل بأي أمر خارج عنها. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاوية بن الحكم: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس )، فهي عبادة مخصوصة تقع على هيئة مخصوصة

33- قاعدة : (أن ما خرج عن الأصل لا يقاس عليه )
صلاة الخوف خارجة عن الأصل، ولذلك الإمام في بعض الصور يصليها أربعاً والمأمومون يصلون ركعة ويفارقونه، والطائفة الثانية تصلي ركعة وتفارقه، وهذا لا يعرف في سنن الصلاة أو الجماعة الأصلية، ولذلك قالوا: إن ما عدل عن سنن القياس -أي: عن الأصل- فغيره عليه لا ينقاس.

34-قاعدة : (النكرة تفيد العموم)
المضاعفة في مسجد مكة والمدينة والمسجد الأقصى شاملةٌ للفرض والنفل لقوله عليه الصلاة والسلام: (صلاةٌ في مسجدي هذا بألف صلاة )، فإنها نكرة فتشمل الفريضة والنافلة

35- قاعدة : (الدفع أسهل من الرفع)
يعذر بترك الجماعة من كان يدافع أحد الأخبثين. والمدافعة: مأخوذة من دفع الشيء، والمراد به كفه. وهناك (دفع) و(رفع)،
ما الفرق بين الدفع والرفع؟
الدفع لما لا يقع، والرفع لما وقع. فأنت ترفع شيئاً قد وقع وحصل، كأن ترفع شيئاً على الأرض، فإنه بعد سقوطه على الأرض يرفع. وأما بالنسبة للدفع فإنه يكون لشيء لا يراد وقوعه، فمدافعة الأخبثين المراد بها: أن يكون حاقناً بالبول أو الغائط أو بهما معاً، فمثل هذا لا يستطيع أن يكون مستحضراً للخشوع في صلاته، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم من يدافع الأخبثين أن يصلي حال مدافعته للأخبثين، فقال صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان )

36- قاعدة : ( الحاجة تنزَّل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة ).
يرخص للإنسان إذا كان عنده مال ويحرس هذا المال ويقوم عليه أن يتخلف عن الجماعة إذا خاف بذهابه إليها أن يسرق هذا المال، أو يضيع عليه. فمن كان عنده مال أمانة، أو ماله هو يملكه، ولا يستطيع أن يدخله معه فإنه يرخص له في ترك الجماعة لوجود الضرر. وقد نبه الشرع بالنهي عن الصلاة بحضرة الطعام على اعتبار حاجة الإنسان، والمال من حوائجه، ولذلك لا حرج عليه في قول جماهير أهل العلم رحمة الله عليهم في ترك الجماعة، خاصة إذا كانت هناك جماعة أخرى كأهله وزوجه ونحو ذلك.

37- قاعدة :(مَنْ) من صيغ العموم،
ولذلك يقولون: إن قوله صلى الله عليه وسلم : (من مس الحصى فقد لغى ) محمول على العموم، وعلى هذا فإن المرأة لو كانت في المسجد فعبثت أو تكلمت فإنها لاغية، ويحكم عليها بما يحكم على الرجل.

38- قاعدة: (إعمال الأصل حتى يدل الدليل على الاستثناء)
فالأصل عندنا في كل ميت أنه يغسل حتى يدل الدليل على الاستثناء، فاستثنى الدليل الشهيد ولم يرد دليل باستثناء من قتل ظلماً. وإنما قاس بعض العلماء من قتل ظلماً على الشهيد، بجامع كون كل منهما فاتته نفسه بدون حق؛ ولكن هذا القياس محل نظر،

39- قاعدة : (إذا تعارض حاظر ومبيح، يقدم الحاظر على المبيح)
لو قلنا للمرأة لا تزوري المقابر. فإنه في هذه الحالة يفوتها فضل الزيارة الذي يمكن أن تعوضه بالدعاء والاستغفار للميت والترحم عليه؛ لكننا لو قلنا لها: زوري المقابر. فإننا لا نأمن أن تكون قد أصابت المحظور، أو على الأقل شيئاً مكروهاً؛ ولذلك يكون تغليب باب الحظر من هذا الوجه أقوى وأولى.

40- قاعدة : (أن ما جاز لعذر بطل بزواله)
فمثلاً: أن ما جاز للإنسان أن يسأل الناس إذا أصابته حاجة، فإذا تبرع له الناس حتى سدت هذه الحاجة حرم عليه أن يسأل

41- قاعدة: (لا إيثار في القربات)
لأن الأفضل أن الشخص يصيب الفضيلة لنفسه، لكنه حينما يؤذن يحصل أجور من بادر بالفطر فيكون له مثل أجورهم، فحينئذ يزول الإشكال ولا يكون هذا من باب الإيثار في القرب. فالذي تطمئن إليه النفس أنه يبادر بالأذان، ثم بعد ذلك يفطر

42- قاعدة : (أنه إذا تردد الحديث بين معنيين: معنى يعارض به النصوص، ومعنى لا يعارض به النصوص، وأشعر معنى النص بأحد المعنيين وجب صرفه عليه)
فلما كان في هذه المساجد مزية وفضل دل على أن قوله: (لا اعتكاف) أي: لا اعتكاف كامل؛ لمزية هذه المساجد ودلالة الشرع على وجود خصوصيتها بالفضائل. فقوي حمل الحديث على اعتكاف كامل، وهذا قول جماهير السلف وبه أفتى الأئمة الأربعة، وهو أنه يجوز أن يعتكف في غير المساجد الثلاثة.

43- قاعدة: (إذا تعارضت دلالة القول مع دلالة الفعل احتملت دلالة الفعل الخصوصية)
فتقدم دلالة القول؛ لأنها تشريع للأمة.

44- قاعدة: (أن الرخص لا تكون إلا في الواجبات؛ لأنها استباحة لمحظور)
لما أذن صلوات الله وسلامه عليه للضعفة من أهله، وأذن للضعفة من الناس، دل على أن الأصل أن المسلم ملزم بالمبيت بمزدلفة، والجمهور على وجوبه

45- قاعدة :(يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام)،
الحجر على المريض بمرض معْدٍ ونحوها، كلها أضرار خاصة قصد منها دفع الضرر العام.

46- قاعدة :( أنه إذا اشتبه الحلال بالحرام، حرم الكل)
ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم في حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه، في كلب الصيد إذا أُرسل للصيد، وأكل الكلب من الفريسة، قال صلى الله عليه وسلم : (وإن أكل فلا تأكل؛ فإني أخاف أن يكون إنما أمسك لنفسه )

47- قاعدة : (أن الأصل براءة المتهم حتى يقوم الدليل على إدانته)، وهذا ما يعبر عنه العلماء بالقاعدة المشهورة: (الأصل براءة الذمة حتى يدل الدليل على شغلها)
فأنت إذا وكلت شخصاً ليقوم بأمرٍ، وحكمنا بكون الوكيل أميناً فلا نوجب على الوكيل الضمان، ولا نوجب على الوكيل تحمل المسئولية إلا إذا ثبت أنه فرط أو تعدى، فذمته خالية حتى يدل الدليل على أنها مشغولةٌ بالضمان

48- قاعدة : (يلزم العامل كل ما فيه صلاح الثمرة)
أي: بعمل أي شيء فيه مصلحة للثمرة، مما جرى العرف أن العمال يقومون به من حرث وغيره، والحرث يسمى في زماننا وفي عرف الناس

49- قاعدة :( الإذن بالشيء إذن بلازمه)
الذمين لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، فإن من لازم الإذن لهم أن يسكنوا، ومن لازم كونهم يعيشون بين المسلمين في ذمتهم: أن يحققوا مصالحهم من السكن والمأوى، فلا بأس بإجارته، وإذا استأجر فإنها إجارة شرعية إذا كانت للسكن. وهناك فرق: أن المعابد شعار، وهذا من ناحية عقدية، فالكنيسة شعار لهم وبيت لعبادة، ولا يجوز تأجير البيوت لكنيسة ولا لبيت نار

50- قاعدة:(الإعمال أولى من الإهمال) ولذلك تفرع على هذه القاعدة القول: (إعمال الأصول بما أمكن)
فإذا عقد إجارة بين طرفين فلا نتعرض للفسخ إلا بعيب مؤثر؛ لأن الأصل في الشرع عندنا يقول:[ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ] فالله ألزم الطرفين وأوجب على المتعاقدين أن يتما صفقتهما بعقد الإجارة وغيره، وعلى هذا نقول: ليس من حق أحد أن يفسخ هذا العقد أو يعطي الخيار بفسخه للمستأجر إلا إذا كان العيب مؤثراً

51- قاعدة: (لا عبرة بالظن الذي بان خطؤه)
فهو إذا ظن أن والده لا يشفى ثم شفي فإنه حينئذ يرجع إلى الأصل؛ لأن الأصل أن يحج عن نفسه، وقد رخص الله عز وجل أن يحج الغير عنه إذا عجز، وهذا لم يعجز لأن العجز كان عارضاً ومؤقتاً، كما لو مرض مرضاً مؤقتاً فإنه لا تسقط عنه فريضة الحج ولا يجوز له أن يوكل

52- قاعدة : (الجزء لا يأخذ حكم الكل)
في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حينما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (ناوليني الْخُمرة، قالت: إني حائض، قال: إن حيضتك ليست في يدك )، فلم يعطِ اليد حكم الجسم كله، فقالوا: (الجزء لا يأخذ حكم الكل)، وهذا فيما يقصد فيه الكل. هنا قلنا: (الجزء يأخذ حكم الكل)، وهذا في المؤاخذات، وقصد الكل -يعني: فيما يقصد به الكل- مستقيم؛ لأن هذا ورد، وهذا ورد، فالشرع عبَّر بالجزء عن الكل، ولذلك قال:( وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ) والمراد مكة كلها، وقال: ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) وقد أسري به عليه الصلاة والسلام من بيت أم هانئ ، وهذا يدل على أن الكل يكون في حكم الجزء، ( وقال: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ) فالشرع يعبر بالجزء عن الكل، ويعبر بالجزء عن الجزء، فحينما قلنا: إن الجزء لا يأخذ حكم الكل فهذا بالنسبة لما قَصَد الشرعُ فيه الكل كقوله عليه الصلاة والسلام: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين ) فالدخول للكل لا للبعض، فلو أدخل رجله فإنه لا تلزمه التحية؛ لأنه لم يدخل الكل، والجزء لا يأخذ حكم الكل

53- قاعدة (أن ما خرج عن القياس فغيره عليه لا ينقاس)
وصلاة الخوف صلاة ضرورة جاءت بصورة خاصة، والقياس في التعبديات ضعيف، فجاءت على هذه السنن وهذه الصورة، فلا ينقاس غيرها عليها

54- قاعدة : (التقدير تنزيل المعدوم بمنزلة الموجود، والموجود بمنزلة المعدوم)،
الصبي يتبع خير الوالدين ديناً، فإن كان أحدهما مسلماً أبوه أو أمه لحقه، وحُكم بأنه مسلم والصبي لم يشهد ألا إله إلا الله، ولم يشهد أن محمداً رسول الله، ولكن يعامل معاملة أحسن والديه ديناً من باب التقدير، فيقدر فيه الإسلام، كأطفال المسلمين قدر فيهم الإسلام مع أنهم لم يسلموا

55- قاعدة : (أن كل ما يثبت به القذف يثبت به اللعان، وما لا يثبت به القذف لا يثبت به اللعان)
لأن اللعان في الأصل شُرع لدفع الحد عن الزوج، وهذا يقتضي أن يكون هناك موجب للحد وهو القذف

56- قاعدة: (مسائل الاستثناء والأعيان لا يعترض بها على الأصول)
فيبقى الأصل كما هو، وتبقى أحكام العدد كما هي، فيقال: هذه أحوال مستثناة تخص بأحكامها، ولا يلغى حكم الأصل، ولا يعترض به على هذه المسائل التي ثبت بالعادة أنه يقع شيء منها. وإذا نظر المسلم وجد أن هناك أموراً تستدعي العمل بهذه المسائل المستثناة، فإننا لو لم نحكم بذلك لحكمنا برجم المرأة، وأنها زانية؛ لأنه -مثلاً- لو طلقها، وبعد أربع سنوات تبين حملها فإنه في هذه الحالة تتهم بالزنا، وخاصة عند مذهب من يرى أن الحمل دليل على ثبوت الزنا، كما قال عمر رضي الله عنه: (إذا كانت البينة أو الحبل)، ففي هذه الحالة الأصل أنها بريئة والشبهة قائمة، ودرء الشبهات معتبر شرعاً

57- قاعدة : (إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما)
الخضر عليه السلام كسر لوحاً من السفينة لأجل إنقاذ السفينة كاملة، وهذا يدل على أنه يجوز إتلاف الأقل لما هو أعظم منه، والجنين هنا ليس في مقام الأم، وكذلك حياته ليست غالبة ولا متيقنة، فتقدم الحياة المتيقنة وهي حياة الأم على الحياة الموهومة، وهذا هو الذي يفتى فيه بجواز الإسقاط.

58- قاعدة : (أن المجمل محمولٌ على المبين المفسر)
عن عائشة : (أن النبي صلى الله عليه وسلم ما ضرب بهيمة ولا ضرب إلا في سبيل الله ). وأجيب برواية: (فنخسه بقضيبٍ )؛ لأنها مفسرة، وراية: (فضربه) مجملة فضرب البهيمة للإسراع يجوز عند الحاجة وبقدر الحاجة؛ بشرط ألا يكون تعذيباً للبهيمة، فأجاز العلماء الضرب لكن شريطة ألا يكون تعذيباً.

59- قاعدة : (أن الحكم للغالب والنادر لا حكم له)
فنحن نربط الأحكام الشرعية بالغالب، فغالب الحال أنه لو مضت ثلاثة أيام أو أكثر من ذلك فإنه يموت الإنسان في الغالب

60- قاعدة: (عمد الصبي والمجنون خطأ)
فالصبي إذا قتل فلا يجب القصاص ولكن تجب الدية، وهكذا لو أن الصبي قطع عضواً أو ضرب شخصاً فأتلف له عضواً أو نحو ذلك، فإنه يجب ضمان هذه الجناية، ولا يجب القصاص والقود

61- قاعدة : ((كل حكمٍ يحلل حراماً أو يحرم حلالاً فإنه خلاف شرع الله عز وجل))
وهو ردٌ على من قاله. قال عليه الصلاة والسلام: (إن الله أحل أشياء فلا تحرموها ) فهؤلاء كأنهم يريدون أن يحرموا على الناس ما أحل الله لهم، والدية حقك؛ إن شئت أخذتها، وهذا حسن؛ لأنك لم تظلم أحداً وأخذت حقك

62- قاعدة : (( ترتيب العقوبة على الفعل أو الترك دالٌ على حرمة ذلك الفعل أو الترك))
وهذا أصل عند العلماء رحمهم الله، فلا تترتب العقوبة إلا على ترك واجبٍ أو فعل محرم

63- قاعدة : ((لا يفتى بالرخص مع وجود البديل المباح))
وبجميع مسائل الرخص لا يمكن لعالم أو فقيه أن يفتي فيها بالرخصة مع وجود البديل

64- قاعدة : (( إن الرجوع إن كان لحق الله أثر، وإن كان لحق المخلوق لم يؤثر))
فلو أن شخصاً أقر أن عليه لفلان عشرة آلاف ريال، ثم قال: لا ليس له عشرة آلاف ريال، لم يقبل رجوعه؛ لأنه حق لمخلوق، وبإقراره ثبت في ذمته العشرة آلاف ريال التي أقر بها، لكن لو أنه قال: إنه زنى، ثم قبل التنفيذ رجع؛ عند ذلك يسقط الحد عنه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قصة ماعز : (هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه )؛ لأنه لما فر عندما أدركته الحجارة كما في الصحيح

65- قاعدة :( الإعمال أولى من الإهمال)
الأصل إعمال العقود لا إهمالها ولا إلغاؤها؛ فنبقي البيع سارياً في إعماله، فتثبت به الملكية

66- تقرر في الأصول أن ادعاء النسخ ليس بحجة؛ لأن النسخ لا يثبت بالاحتمال
فلو قال أحد: إن هذا الحديث متأخر عن الذي قبله لا يُقبل قوله حتى يأتي بالدليل على تأخره، وأنه قد وقع بعده لكي يكون ناسخاً. ولذلك فالأحاديث التي تدل على وجوب قراءة الفاتحة على العموم، لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب )، وكذلك أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب ) كلها نصوص صحيحة تدل على أنك إذا كنت وراء الإمام فإن قراءة الفاتحة تلزمك. وهذه الركنية شاملة للمنفرد وللإمام وللمأموم، ويستوي في هذا أن تكون الصلاة جهرية أو سرية،

67- الأصل المقرر عند العلماء أنه لا إنكار إذا اختلفت النصوص صحةً وضعفاً
فكما أنك تقول بصحة حديث لتصحيح من ترى علمه، وتقول بضعف غيره للقول الذي يقوله هذا العالم، فكذلك غيرك يرى، والكل بشر يحتمل قوله الصواب والخطأ، ولذلك لا ينكر على من فعله إذا كان يتأول، وإنما يُدل من فعله على الأفضل، فيقال له: الأفضل أن تقتصر على الرفع ثم تضع يديك، وهكذا في الدعاء العام، فإذا جلس ورفع كفيه يسأل الله من خيري الدنيا والآخرة فإنه يقال له: لا تمسح وجهك. ويُدل على الأفضل، ويقال: إن الحديث ضعيف. لكن لو قال: إنني أقول بحديث عمر، وفيه كذا وكذا. فلا حرج،

68- تقرر في علم الأصول أن صيغة (لا جناح) و(لا بأس) و(لا حرج) من صيغ الإباحة، فلما قال تعالى: (( فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ )) دل على أنه لا حرج في ذلك وأنه من المباحات

والله أعلم

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

قيدها : منصور مزيد السبيعي
 

بحوث علمية
  • بحوث في التوحيد
  • بحوث فقهية
  • بحوث حديثية
  • بحوث في التفسير
  • بحوث في اللغة
  • بحوث متفرقة
  • الصفحة الرئيسية