اطبع هذه الصفحة


جولة مع ابن حبان وعلمه بالرجال ورواية الحديث

عبدالله بنُ يوسفَ الأحمد


بسم الله الرحمن الرحيم


ما رأيت على أديم الأرض من كان يحسن صناعة السنن كأنها نصب عينيه إلا محمد ابن إسحاق بن خزيمة رحمة الله عليه فقط انتهى من كلام الحافظ محمد ابن حبان البستي.
ولد ابن حبان - صاحب الصحيح - في بُسْت في القرن الهجري الرابع، وأسرته إذ ذاك على قدر من الغنى فوفرت عليه مؤنة الطلب، والرحلة الواسعة.
ولم يطلب ابن حبان العلم إلا بعد ما ناف على العشرين عاما، ولكنه شمر عن ساق الجد فبلغ في رحلة الطلب خمسة وثمانين بلدا، وكان منها: سمرقند، وبغداد، وعسقلان، والقاهرة، والحجاز.
ثم عاد أدراجه إلى مسقط رأسه في بُست محمّلا بالعلم وألّف كُتبا عظاما كان من أبرزها: الثقات، والمجروحين.
وقد تأثر بشيخه ابن خزيمة وقال عنه ما جاء في صدر المقالة، رحمهما الله.
وقد ابتلي رحمه الله في مسألة النبوة بما لا يحتمل المقام الإطالة فيه، ويرى الذهبي كما في السير (١٦/ ٩٦) أن كلامه فهم على غير وجهه فاتُّهم بالزندقة وكُتب إلى الخليفة بذلك، فأمر بقتله، غير أن الله تعالى حفظه وسلَّمه.
ولنأخذ جولة سريعة حول بعض ما بلغنا من مؤلفات ابن حبان البديعة:

•الكتاب الأول:• الثقات.
استهلَّ ابنُ حبان كتابه الثقات بمقدمة حث فيها على السنة ونشر العلم وحفظ تواريخ المحدثين وبث فيها لفتات متفرقة من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أملى جُل أسامي الثقات من المحدثين والفقهاء.
وقد كشف ابن حبان عن سبب تأليف كتابه الثقات، فقال: لما رأيت أن معرفة السنن من أعظم أركان الدين، وأن حفظها يجب على أكثر المسلمين، وأنه لا سبيل إلى معرفة السقيم من الصحيح ولا صحة إلى إخراج الدليل من الصريح إلا بمعرفة ثقات المحدثين وكيفية ما كانوا عليه من الحالات... ا.ھ
ورتب ابن حبان كتابه الثقات على النحو التالي: ابتدأ بأسماء الصحابة فالتابعين فأتباعِهم ثم تُبّعِ أتباع التابعين، على تفصيل في ذلك ذكره في خواتم كتابه.
وتميز ابن حبان في كتابه الثقات بأمور منها: ذِكر بعض الأحاديث مع بيان عللها، والتفصيل والاستقراء لأحوال الرواة المختلف فيهم، والدفاع عن بعض الرواة والأئمة الذين تكلم فيهم بعض أئمة الجرح والتعديل إضافة إلى ذكر بعض الفوائد التاريخية والفقهية والعقدية، ويعد هذا الكتاب من أهم المراجع لدى علماء الجرح، المتأخرين منهم؛ كالمزي، والذهبي، وابن حجر.
ويرى بعض أهل العلم أن ابن حبان انفرد في كتابه الثقات بتوثيق رجال مجاهيل لا تراجم لهم في الكتب.

•الكتاب الثاني:• المجروحين.

ذكر ابن حبان في كتابه المجروحين عشرين نوعا من أنواع جرح رواة الحديث الضعفاء، وهم كما يلي: الزنادقة الذين كانوا يتشبهون بلباس أهل العلم ويضعون الحديث فتلقفها منهم بعض الثقات ورووها لمن بعدهم حتى تداولها الناس، والوضاعون بقصد الحث على الخير وذكر الفضائل متوهمين أنهم يؤجرون على هذه الشنيعة، والوضَّاعون المستحلون للكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم جرأة عليه، ومن كان يضع الحديث عند الحوادث للملوك، ومن غفل بسبب كثرة العبادة فرفع المرسَل وأرسل الموقوف، ومن اختلط بأَخَرَة، ومن كان يَتلقّن، وجماعة رأوا شيوخا سمعوا منهم ثم ذكروا عنهم بعد موتهم أحاديث لم يسمعوها منهم، ومن ذهبت كتبه، ومن ابتلي بابن سوء أو ورّاقٍ يضع الحديث عليه، ومن كان معلوما بالفسق والسفه، والمبتدع إذا كان إماما في بدعته داعية إليها، والقُصَّاص،... إلخ.
كما عدَّ ابنُ حِبان في كتابه المجروحين أجناسا من الثقات لا يجوز الاحتجاج بحديثهم، وذكر منهم: الثقات المدلسون كقتادة وابن جريج ما لم يقولا: سمعنا، والفقيه إذا حدث من حفظه لأن الغالب على الفقهاء حفظ المتون دون الأسانيد، والثقة الذي ليس بفقيه لأن الحفاظ الذين رأيناهم أكثرهم كانوا يحفظون الطرق والأسانيد دون المتون ولقد كنا نجالسهم برهة من دهرنا على المذاكرة ولا أراهم يذكرون من متن الخبر إلا كلمة واحدة يشيرون إليها، هكذا قرر رحمه الله.
وقال رحمه الله: فإذا لم يكن الثقة الحافظ فقيها، وحدَّث من حفظه؛ فربما قلب المتن، وغير المعنى؛ حتى يذهب الخبر عن معنى ما جاء فيه...؛ فلا يجوز عندي بخبر مَن هذا نعته؛ إلا أن يحدث من كتاب، أو يوافق الثقات فيما يرويه من متون الأخبار.

وهاهنا مسألتان قبل الانتقال إلى الكتاب الثالث لابن حبان، وهما:
المسألة الأولى: عدَّ ابنُ حِبان في كتابه المجروحين أجناسا من الثقات لا يجوز الاحتجاج بحديثهم كما أسلفنا، وذكر منهم: الثقات المدلسين كقتادة وابن جريج ما لم يقولا: سمعنا.
وهذا الإطلاق محل نظر عند كثير من أهل العلم لما يأتي:
أولا: إن رواية المدلس المعنعنة (التي لم يصرح فيها بالسماع) قد يكون التغيير في صفة التحديث قد طرأ عليها ممن جاء بعده من الرواة أو النُّساخ.
ويرى المعلمي في التنكيل أن (عن) في الأسانيد مِن صنع مَن دون الراوي مطلقا.
ثانيا: أشار الدكتور إبراهيم بن عبدالله اللاحم في كتابه الاتصال والانقطاع إلى أن قول الشافعي في المدلس أنه إذا لم يصرح بالسماع فلا تقبل مرويته؛ أنه منصب على المدلس الذي يثبت أنه يحدث عمن لقي ما لم يسمع عنه.
ثالثا: انتهى اللاحم في رسالة الاتصال والانقطاع إلى أن رد رواية المدلسين المعنعنة بهذا الإطلاق ليس من منهاج الأئمة، مبينًا أن مقاومة الإسراف في نقد الأسانيد بالتدليس لا ينبغي أن يخرج إلى حد التساهل فيه.

المسألة الثانية: إن رواةً كرر ابن حبان ذكرهم في الكتابين؛ فيجرحهم في كتاب المجروحين، ويوثقهم في كتاب الثقات.
وزاد ذلك إشكالا أنه لا يبين - في الغالب - سبب ذلك.
فما العمل إذا تعارضت أحكام ابن حبان في الراوي؟ وهل هذا سهو منه رحمه الله؟ أو سهو من الناقد حيث تشابهت الأسماء واختلفت المسميات؟
هذا محل بحث ومدارسة صنفت فيه رسائل معاصرة؛ منها: رسالة علمية في خمسة أجزاء نال بها عداب الحمش درجة الماجستير في جامعة أم القرى بعنوان منهج ابن حبان في الجرح والتعديل، ورسالة علمية نال بها الدكتور أمين الشقاوي درجة الماجستير من جامعة الملك سعود بالرياض، وعنوانها: تعارض أحكام الإمام محمد بن حبان البستي.
لنضرب لهذا الإشكال أمثلة:

•المثال الأول:• فضيل بن مرزوق الكوفي.

ذكره ابن حبان في كتابه: الثقات، ثم قال: كان ممن يخطئ.
وذكره في كتابه: المجروحين.
فما الأصل في روايات فضيل بن مرزوق؛ التوثيق أو الجرح؟
من المناسب هنا استدعاء آراء الأئمة النقَّاد في هذه القضية، وباستطلاعها نرى أن الثوري قد وثقه، وأن البخاري قال: لا بأس به. وقال أحمد: لا أعلم إلا خيرا. وقال أبوحاتم: صالح الحديث صدوق يهم كثيرا يُكتب حديثه. وقال النسائي: ضعيف. وقال ابن عدي: لفضيل أحاديث حِسان و أرجو ألا بأس به. ونقل الذهبي عن ابن حبان أنه قال عن فضيل: هو ممن أستخير الله فيه.
ومن مشابهٍ لموقف ابن حبان من فضيل ابن مرزوق، وهو: يحيى بن معين، حيث قال: ثقة، وقال مرة: صالح الحديث ولكنه شديد التشيع، وقال مرة: لا بأس به، وقال مرة: ضعيف.
فهل كانت هذه أحكاما عامة في هذا الرواي أو أن لكل سياق روايةً مخصوصة؟ هذا محتمل.
وحسبنا استقراء مروياته مع النظر في صنيع الأئمة من حيث قبولها وردها، ولنستعرض بعضها الآن:
الرواية الأولى: روى فُضيل بن مرزوق عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من خرج من بيته إلى الصلاة فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك... الحديث". وهو مخرج في مسند أحمد (٣/ ٢١١)، وحكمه عند الأئمة الضعف، ولكن هل كان ضعف السند من جهة فضيل؟
الواقع أن السبب متجه إلى شيخ فضيل، أعني: عطية العوفي، وهو عندهم صدوق يخطئ ويدلس.
فالحمل في ذلك على عطية دون فُضيل، والله أعلم.
وتكرر مثل هذا في أحاديث، منها: ما رواه فضيل عن عطية عن أبي سعيد مرفوعا: "إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأدناهم منه مجلسا إمام عادل، وأبغض الناس إلى الله وأبعدهم منه مجلسا إمام جائر" قال أبوعيسى الترمذي: حسن غريب.
الرواية الثانية: ما أخرجه مسلم في صحيحه (١/ ٤٣٨) من طريق إسحاق الحنظلي عن الفضيل بن مرزوق عن شقيق بن عقبة عن البراء بن عازب قال: "نزلت هذه الآية: حافظوا على الصلوات وصلاة العصر، فقرأناها ما شاء الله ثم نسخها الله... الخبر".
ثم قال مسلم: ورواه الأشجعي عن سفيان الثوري عن الأسود بن قيس عن شقيق عن البراء بن عازب قال: "قرأناها مع النبي صلى الله عليه وسلم زمانا" بمثل حديث فضيل بن مرزوق ا.ھ کلام مسلم صاحب الصحيح.
أي: إن صاحبنا فضيلا قد تابع الأسود بن قيس.
فهل هذا يعني أن مسلما لا يحتج بمرويات فضيل بن مرزوق ما لم تعتضد بشاهد؟
وهل يسقط الاحتجاج بالمرويات التي ينفرد بها فضيل بن مرزوق بناء على ذلك؟
لعل أنوار الإجابة تتطلع لنا بإيراد الرواية الثالثة إن شاء الله تعالى.
الرواية الثالثة: ما أخرجه مسلم في صحيحه (٢/ ٧٠٣) من طريق أبي كريب عن أبي أسامة عن فضيل بن مرزوق عن عدي بن ثابت عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيها الناس! إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين...، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام؛ فأنى يستجاب لذلك؟".
فأنت ترى أن مسلما رحمه الله خرج هذا الحديث في صحيحه وهو مما تفرد به فضيل بن مرزوق عن عدي، وهذا يخالف الاحتمال الذي يقول: إن عدم الاحتجاج مخصوص بما انفرد به فضيل، وقد يكون اعتبار مسلم لروايته لمعنى خاص كالشيخ الذي روى عنه أو الفترة التي حدث بها، و قد جعل مسلم هذا الحديث في الأصول.
ولم يرتضِ ذلك الحاكم رحمه الله صاحب المستدرك حيث زعم أن الرواية عن فضيل بن مرزوق ليست على شرط الصحيح، وأنه عِيب على مسلم إخراجه له في الصحيح ا.ھ
لذلك نجد أن ابن أبي حاتم سأل أباه بعد جوابه الآنف (وهو أن فضيل صالح الحديث صدوق يهم كثيرا ويكتب حديثه) قال ابن أبي حاتم: قلتُ: يحتجُّ به؟ قال - يعني أبوه - : لا ا۔ھ
ما يعني أن أبا حاتم يرى أن حديثه يكتب لا للاحتاج به وإنما للاستئناس والتقوية والترجيح، كما في الشواهد والمتابعات.
ويمكن لتحرير محل النزاع أن نقرر ما يأتي:
أولا: رد روايات فضيل عن عطية العوفي إذا تفرد بها عطية.
ثانيا: اعتبار روايته إذا وافق فيها الثقات.
ويبقى بعد ذلك البحث في رواياته التي تفرد بها عن غير عطية العوفي؛ فهذا موطن اختلاف الأئمة النقاد، وظاهر عمل مسلم في الصحيح: الاحتجاج بما انفرد به فضيل عن غير عطية، لكن الحديث لم يكن من أحاديث الأحكام.
وصنيع ابن تيمية وابن القيم يفيد ذلك حيث صححا الحديث المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم: "ما قال عبد قط إذا أصابه هم أو حَزن: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك نا صيتي بيدك.. إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرجا"؛ وهو من رواية فضيل بن مرزوق عن أبي سلمة الجهني عن القاسم بن عبدالرحمن عن أبيه عن ابن مسعود به مرفوعا.
وتصحيح ابن حبان لهذا الحديث وروايته إياه في صحيحه؛ يضعف مسلكه الآنف ويخصص ما عممه.
قال الشيخ ياسر فتحي أبوعيد المصري حفظه الله: لم أقل بصحته لأن فضيل بن مرزوق المتفرد به مختلف فيه وهو صدوق حسن الحديث ا.ھ
ولم يذكر فضيلا في الضعفاء البخاري ولا العقيلي ولا الدولابي.
فإن قيل: إن ابن حبان رواه في صحيحه لأنه روي من طريق أخرى عن أبي موسى به مرفوعا، كما في عمل اليوم والليلة (ص١٠٤).
أجيب: بأن ابن حبان رواه في صحيحه بسند فضيل.

وما تقدم في تحرير محل النزاع هو محاولة لحل مثال من الأمثلة التي اتهم ابن حبان - بسببها - بالتناقض في كتابه المجروحين حين أعاد فيه ذكر بعض من ذكرهم في كتابه الثقات.
كما وجهت على ابن حبان ملحوظات أخرى على كتابه المجروحين؛ منها: التشدد في جرح بعض من وثقه الأئمة النقّاد من الرواة، وإغفاله لذكر منهجه بالتفصيل في الجرح.
وإذا كان هذا معيبا في حق ابن حبان، أنه تنكب أشياء من طريقة المتقدمين في هذا العلم، علمِ رواية الحديث النبوي، فماذا عسانا أن نقول في الاجتهادات الطارئة على هذا العلم وقواعده وأصوله؛ بعد عصر الرواية بقرون، بما لا يتوافق مع طريقة صيارفة الفن ومرسي قواعدِه.
وما مثل من يجتهد في قواعد علم أصول الحديث ونقد أسانيده إلا كمثل من قال: إن حق الفاعل النصب.
فهذا لسان العرب استقام على طريقة، وهذا العلم قام بأصوله الخاصة به؛ وقد يدخل الاجتهاد وإنشاء القواعد بناء على استقراء ناقص لعمل الأئمة قد يدخل في باب تحريف هذا العلم المحفوظ.
على أن ذلك لا يمنع من دراسة ما اختلف فيه الأئمة النقاد أو اشتبهت فيه ألفاظهم فظُنَّ أنه اختلاف بينهم، والخلاف في الحقيقة مع الناظر.

المثال الثاني: عطاء بن مسلم الخفاف الحلبي.

سماه في الثقات، ثم سماه في المجروحين وأردف: كان شيخا صالحا... يأتي بالشيء على التوهّم فيُخطئ؛ فكثر المناكير في أخباره، وبطل الاحتجاج به إلا فيما وافق الثقات ا.ھ
واستظهر الشقاوي في رسالته عن تعارض أحكام ابن حبان (ص١٥٧): أن عطاء ابن مسلم هذا أورده ابن حبان في كتاب الثقات لصلاحه في نفسه وثناء العلماء عليه، حتى إنه دفن كتبه اشتغالا بالعبادة. هذا من جهة العدالة. ولما كان مخلا بجانب الضبط أوردهُ أخرَى في المجروحين لوجود المقتضي أيضا.
فالجهتان مختلفتان.
وفي هذا يقول أبوزرعة عن عطاء: كان من أهل الكوفة دفن كتبه ثم روى من حفظه فوهم فيه، وكان رجلا صالحا ا.ھ
لكن هذا مشكل من حيث إنه سمى كتابه الثقات وليس العدول، وللثقة دلالة اصطُلح عليها في علم أصول الحديث.
ولم يخرج له في صحيحه.

المثال الثالث: علي بن هاشم ابن البريد الكوفي مولاهم أبو الحسن.

أورده ابن حبان في الثقات، وفي المجروحين وأردف: كان غاليا في التشيّع ممن يروي المناكير عن المشاهير حتى كثر ذلك في روايته مع ما يقلب من الأسانيد ا.ھ
وباستقراء صنيع ابن حبان في صحيحه وجدنا أنه يتابع به في روايات لا تشوبها شبهة الدعوة إلى التشيع والتسويق له؛ الأمر الذي يشعرنا أن إيراده في الثقات كان مقصودا.
وإسناد ابن حبان في صحيحه لما رواه علي بن هاشم أمر سائغ لأنه لما كرر ذكره في المجروحين لم يقل: سقط الاحتجاج به، أو استحق الترك؛ بل فصل وبين، وتقدم قريبا.
وظاهر صنيع الأئمة أن ذلك لا يسوغ إلا بقرينة مرجحة لصحة روايته كأن يتابعه غيره؛ من ذلك ما صنع مسلم في صحيحه لما خرج حديث عائشة مرفوعا: "يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة"، فإن قال: حدثنا أبوكريب ثنا أبو أسامة ح وحدثني أبومعمر الهذلي ثنا علي بن هاشم ابن البريد جميعا عن هشام بن عروة عن عبدالله بن أبي بكر عن عمرة عم عائشة؛ به.
فتأمل كيف تابعه بأبي أسامة.
وخرج له البخاري في الأدب المفرد، ولم يلتزم فيه الصحة كما هو معلوم.
رحمهم الله جميعا.
لذا يمكن الخلوص إلى أن علي ابن البريد: يتابَع به. والحمد لله رب العالمين.
المثال الرابع: عمران بن ظبيان.
أورده في الثقات، وكناه أبا حفص وقال: هو من أهل المدينة.
ثم أورده في المجروحين، وقال: هو من أهل الكوفة.
والسبب هنا في التناقض ظاهر، وهو أنه ظنهما اثنين، ولم نر أحدا تابعه على ذلك، وأهل العلم بنقد الرواة يقولون عن عمران: إنه لا بأس به.
و في هذا يقول ابن الصلاح في مقدمته (ص١٧٩): وزلق بسببه غير واحد من الأكابر، ولم يزل الاشتراك من مظان الغلط في كل علم ا.ھ
ويقول ابن الصلاح في المقدمة (ص ١٦١): النوع الثامن والأربعون: معرفة من ذكر بأسماء مختلفة أو نعوت متعددة؛ فظن من لا خبرة له بها أن تلك الأسماء أو النعوت لجماعة متفرقين، وهو فن عويص والحاجة إليه حاقة ا.ھ وفي هذا صنف الخطيب البغدادي كتابا حافلا جمع فيه كثيرا من الرواة المذكورين بنعوت متفرقة.
ولكثرة ما روى ابن حبان في كتابه المجروحين من الأخبار والأحاديث فقد انبرى الحافظ الرحالة الجوال أبوالفضل القيسراني (ت ٥٠٧ھ) بجمعها وسَلكها في مصنف وسَمه ب(تذكرة الحفاظِ أطرافَ أحاديث ابن حبان).
وقد جعل أبو الفضل المرويات مرتبة بالحروف، فانتظمت في تسع وثلاثين ومائة وألف رواية؛ استهلها بقوله: هذه أحاديث رواها الكَذَبة والمجروحون، والضعفاء والمتروكون؛ يتداولها الناس في احتجاجهم ومناظراتهم ا.ھ
ومن طرائف الكذابين ما أورده عن الكذاب محمد بن الحجاج الواسطي اللخمي، ونصه: أتاني جبريل بهريسة، فقال: كل هذه؛ تشد ظهرك لقيام الليل ا.ھ ثم أردف أبو الفضل: ومحمد كذاب، وبهذا الحديث يعرف ا.ھ يعني: يُعرف كذبه.

•الكتاب الثالث:• صحيح ابن حبان.

واسمه: المسند الصحيح على التقاسيم والأنواع من غير وجود قطع في سندها ولا ثبوت جرح في ناقليها.
جمع فيه من الأحاديث الصحيحة عنده، نحو خمسمائة وسبعة آلاف حديث.
اجتهد ابن حبان في كتابه الصحيح أن يلخص ما تضمنته الأحاديث من الفقه، ويجمع بين ما ظاهره التعارض منها؛ قاصدا تقريب حديث النبي صلى الله عليه وسلم الصحيح إلى المسلمين، وصرفهم عما سوى ذلك؛ لا سيما مع اشتغالهم بكتب الموضوعات، وحفظ الخطأ والمقلوبات. هكذا كتب رحمه الله.
وقد اشتمل هذا الكتاب على بدائع علمية ودرر ثمينة وعجائب سيأتي التمثيل عليها إن شاء الله.
واشترط في أحاديثه أن يجتمع في كل شيخ من رواته خمس صفات: العدالة بأن تكون أكثر أحواله طاعة الله، والصدق، والعقل، والعلم بما يحيل المعنى، وعدم التدليس.
كما نحا ابن حبان في ترتيب كتابه الصحيح طريقة غير مألوفة أنتجتها عقليته المتميزة بالقدرة على التصنيف والتركيز والإبداع.
حيث قصد رحمه الله وجزاه عن المسلمين خيرا أن يحذو ترتيب القرآن من حيث اشتماله على الأجزاء والسور، فقسم كتابه الصحيح إلى أقسام خمسة، وفي كل قسم أنواع.
فصار الوقوف على الحديث في كتابه صعبا على غير الحافظ كالوقوف على موضع الآية من السورة.
أما الأقسام الخمسة، فهي: الأوامر، والنواهي، والأخبار، والمباحات، وأفعال النبي صلى الله عليه وسلم التي انفرد بفعلها.
ثم اجتهد الأمير علاء الدين الفارسي بترتيب أحاديثه على الأبواب الفقهية لتتيسر الإفادة منه، وسماه: الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان.
وهذه شروط جيدة تجعل صحيح ابن حبان في مصاف الصحاح، لولا أنه رجح توثيق بعض من لم يوثقه الأئمة المعاصرين للرواية فأدخل الحديث الحسن في جملة الصحيح، ونسب إلى التساهل بسبب ذلك.
والظاهر أن ابن حبان ألف كتابه الصحيح بعد كتابه المجروحين حيث قال عن إسماعيل بن عياش: قد ذكرنا السبب في تركه في كتاب المجروحين ا.ھ

ولابن حبان في صحيحه همة تتقاصر دونها الهمم، يبين ذلك قوله فيه:
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، أَوْ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، فَأَرْفَعُهَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ»، وأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو قُدَامَةَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ،عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ»قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: اخْتَصَرَ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ هَذَا الْخَبَرَ، فَلَمْ يَذْكُرْ ذِكْرَ الْأَعْلَى وَالْأَدْنَى مِنَ الشُّعَبِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ السِّتِّينَ دُونَ السَّبْعِينَ، وَالْخَبَرُ فِي بِضْعٍ وَسَبْعِينَ خَبَرٌ مُتَقَصًّى صَحِيحٌ لَا ارْتِيَابَ فِي ثُبُوتِهِ، وَخَبَرُ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ خَبَرٌ مُخْتَصَرٌ غَيْرُ مُتَقَصًّى، وَأَمَّا الْبِضْعُ، فَهُوَ اسْمٌ يَقَعُ عَلَى أَحَدِ أَجْزَاءِ الْأَعْدَادِ، لِأَنَّ الْحِسَابَ بِنَاؤُهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: عَلَى الْأَعْدَادِ، وَالْفُصُولِ، وَالتَّرْكِيبِ، فَالْأَعْدَادُ مِنَ الْوَاحِدِ إِلَى التِّسْعَةِ، وَالْفُصُولُ هِيَ الْعَشَرَاتُ وَالْمِئُونُ وَالْأُلُوفُ، وَالتَّرْكِيبُ مَا عَدَا مَا ذَكَرْنَا، وَقَدْ تَتَبَّعْتُ مَعْنَى الْخَبَرِ مُدَّةً، وَذَلِكَ أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَتَكَلَّمْ قَطُّ إِلَّا بِفَائِدَةٍ، وَلَا مِنْ سُنَنِهِ شَيْءٌ لَا يُعْلَمُ مَعْنَاهُ، فَجَعَلْتُ أَعُدُّ الطَّاعَاتِ مِنَ الْإِيمَانِ، فَإِذَا هِيَ تَزِيدُ عَلَى هَذَا الْعَدَدِ شَيْئًا كَثِيرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى السُّنَنِ، فَعَدَدْتُ كُلَّ طَاعَةٍ عَدَّهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْإِيمَانِ، فَإِذَا هِيَ تَنْقُصُ مِنَ الْبِضْعِ وَالسَّبْعِينَ، فَرَجَعْتُ إِلَى مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ مِنْ كَلَامِ رَبِّنَا، وَتَلَوْتُهُ آيَةً آيَةً بِالتَّدَبُّرِ، وَعَدَدْتُ كُلَّ طَاعَةٍ عَدَّهَا اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا مِنَ الْإِيمَانِ، فَإِذَا هِيَ تَنْقُصُ عَنِ الْبِضْعِ وَالسَّبْعِينَ، فَضَمَمْتُ الْكِتَابَ إِلَى السُّنَنِ، وَأَسْقَطْتُ الْمُعَادَ مِنْهَا، فَإِذَا كُلُّ شَيْءٍ عَدَّهُ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا مِنَ الْإِيمَانِ فِي كِتَابِهِ، وَكُلُّ طَاعَةٍ جَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْإِيمَانِ فِي سُنَنِهِ تِسْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْهَا شَيْءٌ، فَعَلِمْتُ أَنَّ مُرَادَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ الْإِيمَانَ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَنِ، فَذَكَرْتُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِكَمَالِهَا بِذِكْرِ شُعْبَةَ فِي كِتَابِ «وَصْفُ الْإِيمَانِ وَشُعَبِهِ» بِمَا أَرْجُو أَنَّ فِيهَا الْغَنِيَّةَ لِلْمُتَأَمِّلِ إِذَا تَأَمَّلَهَا، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ تِكْرَارهَا فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ أَجْزَاءٌ بِشُعَبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي خَبَرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً: أَعْلَاهَا شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، فَذَكَرَ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ شُعَبِهِ، هِيَ كُلُّهَا فَرْضٌ عَلَى الْمُخَاطَبِينَ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقُلْ: وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَالْإِيمَانُ بِمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَمَا يُشْبِهُ هَذَا مِنْ أَجْزَاءِ هَذِهِ الشُّعْبَةِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ جُزْءٍ وَاحِدٍ مِنْهَا، حَيْثُ قَالَ: «أَعْلَاهَا شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ سَائِرَ الْأَجْزَاءِ مِنْ هَذِهِ الشُّعْبَةِ كُلُّهَا مِنَ الْإِيمَانِ، ثُمَّ عَطَفَ فَقَالَ: «وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ»، فَذَكَرَ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ شُعَبِهِ هِيَ نَفْلٌ كُلُّهَا لِلْمُخَاطَبِينَ فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ سَائِرَ الْأَجْزَاءِ الَّتِي هِيَ مِنْ هَذِهِ الشُّعْبَةِ وَكُلَّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الشُّعَبِ الَّتِي هِيَ مِنْ بَيْنِ الْجُزْأَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي هَذَا الْخَبَرِ اللَّذَيْنِ هُمَا مِنْ أَعْلَى الْإِيمَانِ وَأَدْنَاهُ كُلُّهُ مِنَ الْإِيمَانِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ»، فَهُوَ لَفْظَةٌ أُطْلِقَتْ عَلَى شَيْءٍ بِكِنَايَةِ سَبَبِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَيَاءَ جِبِلَّةٌ فِي الْإِنْسَانِ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُكْثِرُ فِيهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقِلُّ ذَلِكَ فِيهِ، وَهَذَا دَلِيلٌ صَحِيحٌ عَلَى زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ، لِأَنَّ النَّاسَ لَيْسُوا كُلُّهُمْ عَلَى مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْحَيَاءِ؛ فَلَمَّا اسْتَحَالَ اسْتِوَاؤُهُمْ عَلَى مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ فِيهِ، صَحَّ أَنَّ مَنْ وُجِدَ فِيهِ أَكْثَرُ، كَانَ إِيمَانُهُ أَزِيدَ، وَمَنْ وُجِدَ فِيهِ مِنْهُ أَقَلُّ، كَانَ إِيمَانُهُ أَنْقَصَ، وَالْحَيَاءُ فِي نَفْسِهِ: هُوَ الشَّيْءُ الْحَائِلُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَبَيْنَ مَا يُبَاعِدُهُ مِنْ رَبِّهِ مِنَ الْمَحْظُورَاتِ، فَكَأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ تَرْكَ الْمَحْظُورَاتِ شُعْبَةً مِنَ الْإِيمَانِ بِإِطْلَاقِ اسْمِ الْحَيَاءِ عَلَيْهِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ا.ھ
وقد تعقب ابنَ حبان في صحيحه طائفةٌ من العلماء، فقال الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٦/ ٩٨): قَرَأْتُ بخطِّ الحَافِظِ الضِّيَاءِ فِي جُزءٍ علَّقَهُ مآخِذَ عَلَى كِتَابِ ابْنِ حِبَّانَ.
فَقَالَ: فِي حَدِيْثِ أَنَسٍ فِي الوصَالِ: فِيْهِ دليلٌ عَلَى أَنَّ الأَخبارَ الَّتِي فِيْهَا وضعُ الحَجَرِ عَلَى بطنِهِ مِنَ الجوعِ كُلُّهَا بَوَاطِيْلٌ، وَإِنَّمَا معنَاهَا الحُجَزُ، وَهُوَ طرفُ الرِّدَاءِ، إِذ اللهُ يُطعمُ رسولَهُ، وَمَا يُغنِي الحَجرُ مِنَ الجوعِ.
قُلْتُ: فَقَدْ سَاقَ فِي كِتَابِهِ حَدِيْثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي خُرُوْجِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنَ الجوعِ، فلقِيَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخبرَاهُ.
فَقَالَ: (أَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا) ، فدلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُطعَمُ وَيُسقَى فِي الوصَالِ خَاصَّةً ا.ھ
وفي ليلة الجمعة وبعد جهاد وكفاح؛ توفي ابن حبان لثمانٍ بقين من شوال سنة ٣٥٤ھ، ودفن بعد صلاة الجمعة في الصفة التي ابتناها قرب داره في مدينة بسْت.
فاللهم ارحمه، وارفع ذكره، واجزه خير ما جزيت عالما عن أمة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم.
هذا، وإن كلمة ابن حبان في ابن خزيمة تذكرنا بكلمة ابن خزيمة في البخاري، حيث يقول: ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظ له من محمد بن إسماعيل البخاري ا.ھ
والحمد لله رب العالمين.


وكتبَ عبدالله بنُ يوسفَ الأحمد
غرة شعبان ١٤٤١ھ
الرياض.

 

بحوث علمية
  • بحوث في التوحيد
  • بحوث فقهية
  • بحوث حديثية
  • بحوث في التفسير
  • بحوث في اللغة
  • بحوث متفرقة
  • الصفحة الرئيسية