اطبع هذه الصفحة


الصفاقة .. بطريقة أرستقراطية ! ( الوليد وهنادي )

إكرام الزيد

 
لا ألومكِ يا هنادي كثيراً ..
ومنذ بدء الحكاية .. لم أكن أتذمّر منكِ شخصياً !
إني - وإحساناً للظن - أرَاكِ فتاة طيّبة القلب، نشأتِ في بيئةٍ منفتحةٍ " أكثر مما ينبغي " وما نحيتِ هذا المنحى إلاّ بتشجيع أهلكِ، ومباركةِ قومكِ، وربما أنّ الحجاب في عرفكم هو تغطية الشعر دون الوجه، فلذلكَ صرتِ تتساءلين دائماً .. ما بالهم يحاربونني وأنا محجبة؟ ويرافقني والدي أو أخي؟ وأقود الطائرات (وفق الشريعة الإسلامية) ؟!!
ماذا فعلتِ يا هنادي حقاً؟ غيرَ أنّكِ ذهبتِ إلى الأردن لتدرسين مثلَ كثيرٍ من فتياتِنا وأبنائِنا هناك، ثمّ تعلمتِ قيادةَ الطائراتِ .. وعدتِ بشهادةٍ لا قيمةَ لها – المفترض – في مجتمعٍ محافظٍ، نساؤه لا تقود السياراتِ بلْه الطائراتِ، أليستْ هذه أضحوكة الزمان؟ أن تؤتى المفاسد من قِبـَلِ الأعسر قَـبْلَ الأيسر؟

قصداً يا هنادي، فلستِ الـمُلامة في الأمر!
وإن أعجبْ فعجبٌ قولهم، وعجبٌ تمجيدُ إعلامنا وصحافتنا لقضيةِ طيرانكِ، تمجيداً يصلون به حدّ المبالغةِ والإسفاف، فبعضهم يلاحقكِ بكاميرته حينما زرتِ متحفَ الطيران، وآخرون جعلوا خبرَ توقيعكِ عقدَ الطيران في صفحتهم الأولى، وبعض يتغنّى بتمرّدكِ الذي أدخلكِ التاريخ!!

وإن فرضنا أنكِ يا هنادي قد قدتِ الطائرة بحجابكِ الذي ترينه حقاً، ويرافقكِ أخوكِ – أو محرمكِ - في رحلاتكِ، فستقولين حينها بقوّة: وما حجّتكم الآن؟ فلا ألبثُ إلاّ أن أجيبكِ بتحنان ولطافة: ذاك يفتح بابَ فتنةٍ عظيمة يا صاحبتي، تُخالفُ فيه القيم الفطرية، وتنتكسُ المفاهيم الجبليّة، وتستأسد النساء .. !
يا هنادي .. القضيةُ ليستْ قضيّة عقدٍ وراتبٍ وعمل، كما هي قضيّة فكرٍ! لقد أرادوا قصّ الجدائل وفتل الحبائل، فكنتِ خيرَ مطية!
برأيكِ .. لو كانَ الأمير بحاجة للطيارين، ألم يكن الفتيانُ ليتوافدون عليهِ زرافات ووحداناً، كلّهم يخطب ُودّه وينشد قربه؟! بلى يا هنادي .. ولكنّكِ فتاة .. وبكِ يسطع كسرَ القيود، وفتحَ الأبواب، وتأويل الأقوال!
إنهم يفتخرونَ بكِ مفاخرة، جعلت الأميرَ الثري يوقّع عقداً مع فتاةٍ لا تبلغ الخامسة والعشرين لتقود طائرته، ثمّ يعلنُ بتمجيدٍ أميري في قلبِ صحيفةٍ يوميّةٍ أنّه يفعل ذلك وفق الشريعة الإسلامية!! ( انظر صحيفة الجزيرة – الاثنين ).

مسكينة أيّتها الشريعة الإسلامية!
هنتِ في كلّ شيء .. وذكرتِ بعدَ كلِّ شيء .. حتى كادوا يجعلونكِ ملصقات ورقية، ليسهل استخدامكِ حين يُراد إلجام الأفواه!
كان الأمرُ سيهون، لو كانوا لا يذيّلون إسفافهم وسخفهم بالقولِ الكسير: ( وفقَ الشريعة الإسلامية )، ولكن .. صدق القائل:

ولو أن أهل العلم صانوه صانـهــم ... .... .... ولـو عـظموه في النفوس لعظما
ولكـن أهـانــوه فـهــان ودنــسـوا ... .... ... مـحـيـاه بالأطمـاع حتـى تجهمـا!!

حين كنتُ في زيارة لمعرض أرامكو التقني، كانتْ تعرّفنا بالأركان امرأة لطيفةٌ تبدو عليها سمة الجد والتعقّل، وحين كانت تتحدّث شارحةً، هتفت بعض الفتياتِ بحماسٍ: ليتنا نستطيع العمل في أرامكو! لماذا لا تفتح جامعة البترول أبوابها للفتيات؟؟
وعجبتُ كثيراً ..!
انظروا كيفَ أوغلَ الإعلامُ المقيتُ في تصوير المرأة ندّاً للرجل، وكيفَ توغّلت هذه الصورة في فكرِ شابّاتنا، حتى جعلتهنّ يردنَ اقتحام المعتركات، وخوض اللجج، طلباً للتميّز والتمرّد والتغيير!
وسبحانَ من أنطق تلكَ المرأة في أرامكو حيث قالت: ربّما يا فتيات أنّي افتخرتُ كثيراً حينَ عملتُ في أرامكو كأول امرأةٍ سعوديةٍ تقتحم هذا المجال، لكني أصدقكم أنّي أشعر بكثير من الندم، ويطوّقني تأنيب الضمير لانشغالي عن أولادي وبعدي عن بيتي!
لقد كانت شهادةَ حقّ من تلكَ المرأة ( المتفتّحة الناجحة! ) ..

لقد صار شعارُ توسيع فرص عملِ المرأةِ – وعمل هنادي أحد هذه الفرص - قضيّة إعلامية وطنية تشدّ لأجلها الرحال، وتُعتلى المنابر، وتسكب المحابر، ويا ليتهم يتركون المرأة وشأنها، فليس خيرٌ للمرأة غيرَ ألاّ ترى الرجالَ ولا يروها كما قالتِ الزهراء فاطمةُ رضي الله عنها!

إنّ أيّ عملٍ للمرأة لا يقوم إلا على ثلاثٍ لابدّ منها، وإلا فلا يستقيم أمرها وهذا العمل .. فيجب أن يوافق الشرع الرباني الطاهر الشامل، فإنْ توافقا فعليهِ أن يُلائم جبلةَ الضعف الأنثوي، ويناسب طبيعتها وفطرها، وبعد ذلك كلّه يُنظر في احتياجِ سوقِ العملِ لعملها .. فإنّ وافقتْ ذلك كلّه وبرزتْ الحاجة لها وفق تلكَ الضوابط، فلتخرج بحشمة وتقى، دون تضييع لأولى مسؤولياتها، وأعظم واجباتها!

يا قومي وبني جلدتي ..
كيفَ ستخمد نارُ الفتنة وهم يشعلون أوار القلوبِ بغطرستهم ونأيهم عن الحق؟ وأي سبيلٍ نسلكه وأي قصدٍ نصله؟ وإنْ يريدون إلاّ الإفساد ما استطاعوا .. يعلنونَ ذلكَ على رؤوس الأشهاد، ويتحدّون كل المجتمع الذي يرفضُ هذه المهازلَ الإعلامية المفبركة، التي تؤزّها تياراتُ الفتنة، في وقتٍ نحن أحوج ما نكون فيهِ إلى التمسّكِ والتآزر والعضّ على الثوابتِ بالنواجذ؟!
يا قومي ..
كيفَ السبيل للصلاح .. ومن ورائهم جدُر ؟

يا قومي ..
إن أريدُ إلا الإصلاحَ ما استطعتُ وما توفيقي إلاّ باللهِ!


* كاتبة وعضو الجمعية السعودية للإعلام والاتصال
 

إكرام الزيد
  • مـقـالات
  • قصص
  • قصائد
  • أفكار دعوية
  • ردود وتعقيبات
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط