اطبع هذه الصفحة


الغرفة التاسعة

إكرام الزيد

 
" 1 "
كان الممر موحشاً .. يخيّم عليه بؤس وجوه المرضى وذويهم ، كلّ شئ يوحي بالألم .. الستارة ممزقة الأطراف التي تحجب نافذة عتيقة .. الرخام المسودّ الحروف .. والكراسي الحمراء التي حال لونها لتقادم الزمن فجعله باهتاً .. كان ممراً كئيباً .. يتراءى في أقصاه شبح ممرضة تدلف إلى غرفة مريض/حزين آخر !
كنتُ أدفعه على الكرسي المتحرك ، ليس ثمّة جديد .. فهذه الزيارة قد صارت نقطة يتمحور عليها برنامجي الأسبوعي .. زيارة استبدلتُ بها زيارات الصاحبات ودوريات بعد العصر مع الجارات .. وما يسمى بحفلات الأفراح .. شبكة .. ملكة .. زوارة .. وقائمة طويلة ... كم تبدو في عينيّ الآن .. تافهة !
أخذ يتحسس رأسه الذي بدا أصلعاً تقريباً .. كان يمسك ببقية قليلة من شعيرات ما زالت تقاوم تأثير العلاج الكيماوي .. نظرتُ إليه وابتسمت .. سألني: ما عدتُ أبدو جميلاً ؟! اتسعتْ ابتسامتي وأجبته: بلى! ثمّ قمتُ لأساعده في تغيير ثيابه ..
ممرضة ذات ملامح آسيوية تأتي بإبرة صغيرة .. تتحدث عربية مكسرة لا أطيقها منها بصوتها الرفيع .. تطلب منه كشف مؤخرته .. ينظر إلي .. يهتف: لا أريد ! مللت رؤية النساء لمقعدتي !! أبادله نظرة مشجعة .. أقترب منه .. تغافلنا بصلافة وتسحب الغطاء .. أمسك بيديه فينظر إليّ .. أزيد ضغط يديّ على يديه .. ثم تثخنه بإبرتها .. وتخرج بعنجهية ..
ضعف الرجولة موجع ..
كان يحاول نهرَ دموعه التي تسبح فيه عينيه لئلا تشي بوجعِه .. وكنتُ أشهق !

" 2 "
- ثلاثمئة وواحد وثمانون ريالاً .
قالها الصيدلي وهو يناولني أكياس الأدوية بإهمال .. أمد يدي .. ينظر إليها .. أشعر بقشعريرة .. اضطرب .. أحاول إخفائها .. أعطيه ظهري حتى أفتح محفظتي دون أن يأكل يدي بنظراته .. فيها خمسمئة ريال .. هي ما تبقى من مكافأتي الأخيرة .. التي ما تلبث أن تأتي إلا وترتحل !
ناولته نقوده .. ومضيت نحو أحمد .. كانت عيناه زائغتين .. ونفسه متقطعاً .. آثار الإرهاق بادية عليه بعد جلسة الكيماوي .. هذا يحصل لكلّ من يتداوى بهذا الدواء/الداء ..
سألني: كم أخذوا ؟ أجيبه بسرعة : لم يأخذوا شيئاً .. وأدفعه ..
يصيح بعصبية: قلت لكِ كم ؟ .. أتنهد : أربعمئة ريال تقريباً ..
- أف! هيا نخرج من هذا المكان الكئيب!
أدفعه بسماحة .. لابد أنّ أصبر على عصبيته .. فهي العارض الآخر من العوارض الجانبية للجلسة الكيميائية ! .. سرنا ثم أوقفتُ سيارة أجرة ..
- حي السعادة ؟!
- عشرون ريالاً ..
- نعم !
وأخذتُ أساعده على الركوب ..
في السيارة .. يسألني:
- كم صرفنا حتى الآن ؟
- عشرة آلاف ريال تقريباً
- إنهم يستغلوننا .. ماذا أفعل الآن ؟
- ماذا قال لك المدير بالنسبة للمعاش التقاعدي ؟
- الشركات لا يعطون معاشات تقاعدية !
- ولا تعويض ؟
- على ماذا ؟ على الفصل ! المدير أحس بالحزن من أجلي فصرف لي ثلاثة آلاف ريال من جيبه .. صدقة !

" 3 "

تهاتفني أم محمد .. تخبرني عن الشيخ أبي عبد الرحمن .. هو قارئ ممتاز .. ما قرأ على أحد إلا وشفيَ بإذن الله .. جارة قريبتها كانت تذهب بابنها .. وهو الآن سليم معافى !
كلامها يقشع عني اليأس .. فأسألها عن رقم هاتفه .. أبحث عن قلم على عجل .. أكتب الرقم في باطن كفي .. أشكرها وأغلق السماعة .. أرفعها من جديد .. أتصل .. يرن .. لا أحد يجيب .. سأحاول ثانية .. قلبي يخفق .. رُفعتْ السماعة .. صوت امرأة !
- أهذا منزل الشيخ أبي عبد الرحمن ؟
- نعم ..
- أيمكنني محادثته ؟
- هو مشغول الآن .. يقرأ على المرضى ..
- زوجي مريض .. أريده أن يقرأ عليه ..
- اتصلي بعد ساعة !
- حسنـ...
- طراخ !
لقد أغلقتها في وجهي .. ما بالها ؟! كنتُ أريد أن أشكرها فقط ..

أخبرتُ أحمد عن بصيص الأمل .. تحمس كثيراً .. ابتهجتُ لحماسه .. قالوا لنا بأن نأتيهم مغرب الثلاثاء .. ليلة دراسة بالنسبة للصغار .. لكنّ أمّ محمد ستعتني بالأطفال أثناء غيابي ..كم هي جارة طيبة !
صالة واسعة .. تذكرني بصالة المحاضرات الدينية في دار القرآن.. الكراسي تحيط بها.. وكثير من الرجال يجلسون عليها .. أما بعضهم فعلى الأرض .. وآخرون على كراسي متحركة .. بعضهم صغير يصطحب والده وبعضهم كبير يصطحب ولده، وبعضهم مع رجل آسيوي الملامح .. وفي أقصى الصالة .. يستقر كرسي وطاولة عليها مكبر ..
هل نحن في المكان الخطأ؟!
لا أستطيع تجاوز عتبة الباب لكثرة الرجال .. وما زلتُ ممسكة بكرسيه المتحرك .. أشعر بالخجل من نظرات الاستغراب التي تصفعني .. زوجي يقلب وجهه خجلاً .. هيا نعود .. يقترب منا طفل صغير.. يشير بيده إلى باب آخر .. باب الحريم .. .. أسرع نحو الباب .. وأدخل !
وقفتُ خلف الباب أستمع .. كأني أسمع تحية .. لا بد أنه قد حضر .. يعلو صوت القرآن من خلال المكبر .. كان صوته عميقاً أجشاً .. يثير الرجفة .. ترتفع الأصوات .. تختلط آهات بالصرخات .. ضجيج يصم عن صوت القارئ .. يبدو أنّ بعضهم به مس .. ترى ماذا حلّ بأحمد ؟
انتهتْ الجلسة .. ما زلتُ أدفعه ، أتلفتُ بحثاً عن سيارة أجرة .. إذا لم نجد فسأضطر لدفعه حتى نصل الشارع الرئيس .. لا أجد شيئاً .. أدفعه .. تصادفنا سيارة أجرة عتيقة الطراز .. لكنها كانت مريحة جداً !
- أتحس بارتياح ؟ لا يرد .. أضرب كتفه برفق : أحمد ؟ .. ينظر إلي : قليلاً !
أعاود الحديث .. إنه لا يأخذ مالاً ؟
- بلى
- كم ؟
- مائة وخمسون
- ياه .. إنه يأخذ مالاً كثيراً !! ألن نأتي ثانية ؟
- نعم .. لن نأتيه ثانية !
لم أخبره أنني اشتريت من زوجته قارورة ماء صغيرة قد قرأ فيها .. بمئة وخمسين ريالاً أيضاً !
تسألني جارتي الطيبة : .. أعجبكم ؟
- ليس كثيراً .. يطلب مالاً ..
- كلهم يأخذون مالاً .. العافية ليست مجانية !
- أخبريني عن غيره .. أحمد رفض أن نأتيه ثانية .. نريد رجلاً يقرأ لله لا للمال !
- مممم .. سأسأل لك ..

بعد نصف ساعة ..
- مرحباً .. لقد سألتُ لك ..
- بشريني !
- العمة الكبرى لصديقة أختي .. كانت تذهب إلى المدينة القريبة .. هناك شيخ لا مثيل له .. كما أظنّ أنه لا يأخذ مالاً .. إلا إن أعطيتموه بطيب نفس !
- المدينة القريبة ؟ صعب .. من يذهب بنا ؟ وأطفالي ؟
- أطفالك معي .. والأجرة لا تكلفكِ شيئاً .. فالمشوار لا يجاوز الساعة !
- حقاً ؟ إذن هاتي رقمه !!
أنا متحمسة .. لكنه غير متحمس.. ألححت عليه : لا بأس .. فلنجرب .. من يدري إن صابت الرمية هذه المرة .. كما أن قراءة هذا الرجل أرجى .. فهو لا يبيع قراءته .. وافق أخيراً .. هاتفتُ زوجة القارئ .. سنأتيهم مرة كل أسبوع .. وسيستغرق مشوارنا أربع ساعات تقريباً .. لا يهم .. الأمر يستحق العناء ..
جاء اليوم الموعود.. أخذت أم محمد الأطفال ..كم تكبلني بفضلها هذه المرأة .. والله إنها بديل عن إخواني/أهلي الذين لم نعد نعرفهم مذ بدأت غمّتنا .. سامحهم الله !
توجهنا نحوه .. أخذتُ أقرأ القرآن طوال الطريق .. وهو يغفو حيناً ويستكين حينا.. وصلنا بيت القارئ .. بيت يرفل بالبساطة .. استقبلونا بمودة .. قرأ عليه .. تكررت زياراتنا .. أحببناهم .. كان يحس بالارتياح والتحسن .. وكنا نأخذ منه ماءاً وزيتاً وعسلاً قد قُرأ فيه .. كانت الأمور تسير كما أحب .. وبدأت أحس بالارتياح ..
بدأتُ أشعر مع الوقت أننا نثقل عليهم .. صرنا نربطهم معنا .. كما أنهم لا يجدون من ورائنا نفعاً فنحن لا نهبهم الأموال التي يهبهم إياها كبار المرضى .. القارئ صار يقصر ساعة القراءة .. ويعتذر بالانشغال أسبوعاً .. ويتصرف بجفاء أسبوعاً .. كان زوجي شديد العزة ..شكره بحرارة في ذلك اليوم .. ودس في يده ألف ريال .. لم نعد إليهم مرة أخرى !

تهاتفني أم محمد .. تخبرني عن شيخ آخر .. يقولون أنه حجة في الشفاء بالقرآن .. أجيبها ببرود .. لا أريد ! تختم المكالمة : كما تشائين .. هيا إلى اللقاء .. جربي الكي !
أضع السماعة دون تحية ..

" 4 "

- دكتور .. لو سمحت ؟
يرفع رأسه من بين أكوام ملفات كبيرة الحجم، يشير بيده أن ادخلي .. ويكمل قرائته ..
أبلع ريقي .. أبلل شفتي بلساني ، وأدلف إلى الغرفة ، أتلفتُ على عجل أبحث عن ممرضة تقطع الخلوة ، هم هنا لا يبالون بهذا كثيراً .. لا أجد امرأة .. أرتعش خجلاً .. وأتراجع إلى الباب فأمسك به .. وأقف .. يرفع رأسه مرة أخرى مقطباً ، ويصيح بي : ماذا تريدين ؟
أرتجف أمام غضبته ، وأهمس : زوجي مريض !
يجيبني بضيق: طبعاً مريض .. وإلا لماذا أتى إلى المستشفى ؟!
يزداد صوتي خفوتاً واستجداءً : لكنه مريض جداً ..
يخلع عويناته ويتمتم : في أي غرفة هو ؟
- التاسعة جناح ب.
- حسناً اذهبي .. وسأحضر بعد قليل ..
أغلق الباب بسرعة، وأسارع في الانسحاب، أمضي إلى الغرفة .. بخطواتي المثقلة بالحزن والألم والكآبة .. كم تتعبني وأنا أجرّها جراً ..
نحو الغرفة التاسعة !

جاء الطبيب ..
- ماذا حصل ؟
- لقد كان بالأمس يحرك يده .. واليوم لم يعد يحرك شيئاً .. ولا يبدو لي أنه نائم .. لا أعرف ماذا حصل له ؟
كان منطرحاً على السرير .. جلده ناشف جداً .. لونه أصفر جداً .. وفي جنبه بدت بعض التقرحات لم يفلح تقليبي الدائم له في منع ظهورها .. وكان جهاز التنفس يجعل صدره يعلو ويهبط ..
لقد مات دماغياً !

" 5 "

اليوم .. كلّ شئ كما هو .. الممر الطويل لم يقصر .. بل يبدو وكأنه استطال وتمدد حتى صرتٌ لا أدرك آخره .. الستارة ما زالت ممزقة الأطراف .. لكنّ الكراسي لم تعد باهتة .. لقد قاموا بطلائها بأحمر قاني في أعقاب التغييرات الجديدة .. لماذا لم يغيروا الستارة إذن ؟! لا يهم .. لقد كانت الكراسي أجمل قبلاً .. لكني لم أفكر إن كان الأمر له علاقة بالماضي الجميل ؟
لا يهم .. لا يهم .. فلا شيء مختلف الآن ... سوى الألم !
خرجتُ من البوابة الواسعة .. وألمح أمامها الداخلين على الكراسي المتحركة .. مساكين .. إنهم مثلنا ..جاءوا يبحثون عن أمل يشبه الأمل الذي جئنا نبحث عنه , لكنهم لن يجدوا سوى الألم الذي واجهنا .. مساكين فعلاً !
أنظر من خلف غطائي .. أبحث عن أخي الذي تبرع بمصاحبتي هذا اليوم .. فلا أكاد أتبين وجهه من بين وجوه الرجال .. أخيراً رأيته .. هو قد رآني أيضاً .. أقبل .. أخذ يتمتم بكلمات مواساة جوفاء .. أعلم أنه غير حزين .. فالكل كان يعرف بمرض زوجي .. والكل كان يترقب موته .. كان ترقباً غاض له الحزن !
سبقني بخطوات واسعة .. وأنا أتعثر بخطواتي من خلفه لاهثة .. أحاول اللحاق به ، ويدي تداري عباءتي تلفعاً .. لا بد أنه وزوجته يحملان همّي .. مسكني وطعامي.. ومسكن أطفالي وطعامهم .. أرجو أن لا نكون ضيفاً ثقيلاً عليهم ..
ركبتُ السيارة وعيناي تتعلقان بأخي .. ما زال عابساً .. أشحتُ عنه .. وأخذتُ أتأمل ذلك المبنى الذي يقبع بكل جبروت .. يحوي كثيراً من الآهات .. وكثيراً من الأنين .. وقلوباً مكلومة .. ستنال أعلى درجات الإيمان إن هي صبرت !
أشعل محركها، ثم استدار عن المبنى بقوة .. ما زالت عيناي تنظران إليه .. إلى المبنى .. وهو يبتعد .. ويبتعد .. ويبتعد .. حتى تضاءل حجمه .. حينها .. أخفضتُ عينيّ .. وتنهدت !


- تمت -
1424 هـ

 

إكرام الزيد
  • مـقـالات
  • قصص
  • قصائد
  • أفكار دعوية
  • ردود وتعقيبات
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط