اطبع هذه الصفحة


قراءة لواقع الهيمنة الأمريكية
نادراً .. كوكا كولا!

إكرام الزيد

 
قبل بضع سنوات، احتفلت " شقراء " البهيّة بوجهائها، وأتذكر أنني قد رددتُ حينها بطرب: ودايماً .. كوكّـــا ..كووولآ، وهذه الجملة كانتْ إعلاناً ذا رنّة جذابة، تجعلكَ تشرب الكوكاكولا باستمتاع لا نظير له، مما يثير سؤالاً تقليدياً: هل سنشرب زمزم كولا ومكّة كولا بالاستمتاع نفسه ؟
زمزم كولا ومكّة كولا، خلقتهما ردّة فعل شعبية بسيطة جداً .. ترفض الرعب والخوف والسيطرة، وتبحث عن السلام والأمن والحرية الطبيعية، إنّها ردّة فعل لا توازيها الهمهمات الخائفة من رؤوس الحكومات " اليانعة " ، التي حان قطافها بالنسبة لأمريكا، وهي ردة فعل لم تقف فقط على جناح الـ(مقاطعة)، بل تجاوزت بذكاء إلى خلق البديل!
هذه الكولا المحلّية هي أبسط بديل للكولا الأمريكية المسيطرة _ كالعادة _ على كلّ العالم، تماماً مثل اللغة الإنجليزية والماركات الأمريكية والأفلام الأمريكية .. والحلم الأمريكي البرّاق!

ربّما لو قلنا قبل أكثر من سنة تقريباً: نحن نكره أمريكا ! .. لصاح في داخلنا الضمير: كاذبون، لأننا نحنّ من زيّن غرف أطفالنا بشخصيات ديزني، كالفأر ميكي والبطة دونالد والجميلة سنووايت وأقزامها، بدءً من صور الجدار وانتهاءً بمفارش السرير، ومروراً بقصص تلك المدينة _ الحلم _ منذ أن كان سعر المجلّد خمسة وثلاثين ريالاً إلى أن صار عشرين ريالاً، ناهيك عن أدوات المدرسة التي صُبغت بديزني، ولا زال طفلنا يحبّ كلّ هذه الشخصيات، لأننا لم نحاول حتى الآن انتزاعها من قلبه ..
وقد علمتم سائر الأمر مما سيطرت أمريكا على عقولنا به حتى خلبتْ ألبابنا، كسيارات وملابس وموضات وأفلام وشهادات تعتبر الأعلى " وهذا حق " وشعور صفراء وعيون زرقاء وبرغر وكولا أيضاً، لأنّ أي شئ أمريكي .. هو برّاق وخلاب دائماً، وأتذكر أنّ الكولا الأمريكية قد أعلنتْ قي تلكَ الفترة أنّها تدفع التبرعات للأطفال، وتساند مستشفى السرطان المجاني في مصر .. وتدعم ( الشعب اليهودي!) المضطهد في فلسطين، وتعمل مسابقات ومارثوانات (خيرية)، ومن وراء كوكا كولا .. كانت أمريكا العظمى واقفة تراقب كسيّدة أرستقراطية من زمن العبيد في بلاد العم سام ترقب جنيهم للقطن في الحقول، وتبتسم بغطرسة، لقد كانت تؤصل العولمة (الأمركة!) ثم ّ إذ بأحد عبيدها يصفعها ( أحداث 11 سبتمبر ) وينطلق بالجياد .. ويتحرر عبيد أمريكا بعد حرب الشمال والجنوب ( لكننا لم نتحرر بعد ! ) ..

الذي يسعدني أنه رغم ذلّ الحكومات وإحناءها رأسها بخضوع الخادم، فإنّ الشعب بدأ يقول: أنا أكره أمريكا بطريقة لا تجعل ضميره يؤنبه.. لقد حركت تلك الصفعة رواسب العزّة المدفونة، فتزلزل عرش الانهزامية الذي كان يغلّف أرواحنا !!
إن بلادنا " عربية كانت أو إسلامية " لتملك من مقومات إعمار الأرض ما لا تملكه شعوب الأرض قاطبة، ومن ذلك جريان الأنهار فيها، وخصوبة أراضيها، والمعادن في بطون الأراضي كنوز تنتظر من يخرجها، كما أننا نملك الذهب الأسود "البترول " الذي يمكننا استخدامه كسلاح فعّال ( لو كنّا نملك الجرأة الكافية ! ) وكل هذا كان سيوجد إعماراً زراعياً وتجارياً واسعاً.. لكن المشكلة تكمن في عدم وجود الصناعة لدينا مع أنّها لبّ القوة الاقتصادية .. والمؤلم أنّ أهم عناصر الصناعة هو وجود العقل المفكّر والمدبر .. وهذا لا ينقص أبناءنا، لكنّهم صاروا عقولاً مهاجرة تسعى وراء راحتها بدعمها للغرب أو الشرق، وتركونا نواجه الحروب الأهلية بيننا، متسربلين بجلباب الجهل المخزي!

بالإضافة إلى ذلك، فإننا في حاجة ماسة لسلاح الجودة لنضمنَ به قوّة المواجهة، فإني أظننا قد استوردنا منهم علماً كافياً لأن نجربّه بأنفسنا، ربّما نفشل مرّة ومرتين وثلاث لكننا سنصل كما تعلمنا في قصّة النملة التي تصعد الشجرة، وحتى أكون واقعية أكثر .. فإنّ الجودة لن تحتاج لتجربة وعلم بهذا القدر، بقدر احتياجها لركائز مساندة للأساس وهي: الدعم الشعبي، والتشجيع الرسمي، ونحن نفتقد الإثنين أمام المنتج المحلّي، ورغم أنّ هذه حقيقة محزنة، إلاّ أنّ التشدق بالمبادئ .. ليس مثل العض عليها!

ثم إننا لنملك ثقافتنا الخاصة، وأيّ شعب يملك ثقافته الخاصة كـ"فرنسا واليابان" سيكره أمريكا التي تزعزع عرش الخصوصية الشعبية، لكن الفرق .. هو في احتياجنا كمسلمين _ بالذات _ لرفض هذه الثقافة، لأننا نملك كمّاً واسعاً من الأوامر الشرعية التي تحتم علينا: البراءة/ العداء/ الجهاد في بعض الأحوال، إذن .. نحنُ نملك أكثر من دافع .. أكثر من دافع الفرنسي والياباني والموزيبيقي أيضاً! ربما يقول البعض بأنّ اليابان لو كانت في مكان أمريكا لفعلت الشيء ذاته فكل من سيسيطر سيفرض ثقافته، لكني سأستشهد بسيطرة العالم الإسلامي _ أيّام المجد_ وأقول أنّ الأمر يختلف .. بين سيطرة عدل وسيطرة ظلم .. سيطرة إعمار وسيطرة تدمير!

إنّ الآثار التي أبقاها العالم الإسلامي هي بقايا للحضارة العظيمة، تشهد بذلك قصور الأندلس ومنائر المغرب وكتاب ابن سينا الذي ظلّ يدرّس في أوروبا حتّى القرن التاسع عشر، أمّا أمريكا .. فإنّ آثارها " بغضّ النظر عن الصناعة " هي تشوهات هيروشيما وناجازاكي، وذكريات سوداء للفيتناميين، وتمحيص لاقتصاد كوبا، واضطهاد للأفغان والعراق، ومساندة الظلم .. وقتلى..قتلى.. قتلى في كلّ مكان .. ولعنات تتساقط عليها من كلّ حدب !
شتّان بين الناس في أفعالهم ... ... شتّان بين عصا وبين حسام !

ونتساءل، ماذا نفعل إذن؟ علمنا مستورد .. خوفنا متغلغل ..ويغلّف ذلك كلّه .. شعورٌ بشعٌ بالانهزامية، فنعرف أننا على حق لكننا لا نجرؤ على قوله هيبة، ليس خوف سياط أو حبس .. بل لأننا نظنّ الآخر أقوى بباطله، ونعجب أننا نشعر بذلك .. ونحن أهل الحق؟ ربّما .. لأننا بقدر ما نؤمن بمبادئنا لا نطبقها حقيقة! إنّ الانتصار الحقيقي يحتاج إلى أساس صلب يستمدّ منه الإنسان قوته الخارجية للمواجهة .. واللبنة الأقوى في هذا الأساس هي وجود مقدار إيماني كافٍ لأن يؤجج هذه القوّة ويزيدها اضطراماً، المهم أن نعرف .. أنّ الإيمان بالمبادئ لا يختص بالمسلمين فقط، فهؤلاء نمور التاميل مثلاً، يقتلون أنفسهم في العمليات الفدائية (مثال لعمل حربي) ، وهناك النصارى المبشّرون في مجاهل أفريقيا (مثال لعمل سلمي)، وهذان أبسط مثالين يؤكدان إمكانية القيام بأمر ما بكل قوة لمجرّد وجود مبدأ مستقرّ في القلب ( حتّى ولو كان خاطئاً! )، والشاهد أنّ مجرّد إحساسنا بصحة مبدئنا وقوّته يخلق فينا قوّة عظمى تزلزل أعتى عرش بشري .. لأننا نجمع بين (وجود مبدأ + اليقين بصوابه) ..لكن بما أننا لم نزلزل شيئاً بعد فإنّ علينا أن نبدأ بخطوات سليمة لوضع أساس سليم ثم الارتفاع بالبناء قليلاً قليلاً ..
وسواءً كنتِ فتاة أو فتى .. teen age أو عشريني أو ثلاثيني .. فلا تهتم! لأنّك تستطيع حصر دائرة التغيير في شخصك، ثم تكبّرها _ حسب تطوّرك وسيرك في الخطّة _ حتّى تشمل من حولك تدريجياً، ثمّ تصل إلى مرحلة التأثير العام ..ولأنّي لا أظنّ هذه المقالة ستستوعب الحديث عن خطوات البناء الفردي و البناء العام .. كما لا أظنّ أنّ بكم _ ولا بي _ سعة صدر ستحتوي الإضافات ..فسنؤجل الأمر إلى ما شاء الله في موضوع آخر ..

الختام:
لا نريد صناعة ..
يكفي شقراء كولا .. فقط !

__________________________
• توضيح:
زمزم كولا وتسنيم كولا إنتاج إيراني، ومكة كولا إنتاج فرنسي من رجل مغربي مسلم فرنسي الجنسية، وقد ظهر منذ سنتين تقريباً أو تزيد قليلاً، وكان له شعبية بين الشعب الإيراني الذي فعّل المقاطعة.
أما علاقةُ وجهاء شقراء والاحتفاء بهم بالحديث عن مشروب غازي، فهو لأنّ وجهاء شقراء الكرام هم رواد صناعة المياه الغازيّة في بلادنا.

جمادى الآخرة 1426هـ

 

إكرام الزيد
  • مـقـالات
  • قصص
  • قصائد
  • أفكار دعوية
  • ردود وتعقيبات
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط