اطبع هذه الصفحة


رياحٌ مرسلات

فوزية الخليوي
عضو الجمعية العلمية السعودية للسنة

 
إنّ من أبهى ما ترتديه المرأة من ملابس الدنيا وأزينِ حُلَلِها! هو ثوب الكرم والجود والإيثار!! لما لهذه الصفة من محبة عند الله -عز وجل-ّ فقد جاء في الحديث الشريف عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: " إن الله تعالى جوادٌ يحب الجود"، وجاء من صفاته صلى الله عليه وسلم أنه: "أجود الناس"
تعوّد بسط الكفّ حتى لو أنّه ثناها لقبضٍ لم تجِبه أناملهُ
ومن شرف هذه الخلة أن الله -عز وجل- قرن ذكرها بالإيمان ووصف أهلها بالفلاح( الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون) إلى قوله:(أولئك هم المفلحون) ولهذا لما خالطت بشاشة الإيمان قلوب الصحابيات جُدن بالغالي والنفيس لهذا الدين ولم يلتفتن إلى جمع الحُي والحلل؟!
فهذه عائشة حبيبة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والمبرّأة من فوق سبع سموات كان من حالها مع الجود والإيثار كما حكت عنها أم درة في طبقات ابن سعد :أنها أُتيت بمائة ألف ففرقتها وهى يومئذ صائمة فقلت لها :أما استطعت فيما أنفقتِ أن تشتري بدرهم لحماً تفطرين عليه!
فقالت: لو ذكّرتني لفعلت! وكيف لا تجود بكل ما تملك وهى ابنه الصّديق الذي قال عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- " ما نفعني مال قط إلا مال أبي بكر"رواة النسائي وهو الذي جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بماله فقال له النبي- صلى الله عليه وسلم-"ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله!رواة الترمذي.
ثم هي تبلغ أقصى الإيثار عندما تؤ ثر عمر بن الخطاب - بدفنه عند رسول الله فى حجرتها!!
ومن أقوالها –رضي الله عنها-:" ليس من السّرف التبسّط للضيف في الطعام".
وحذت حذوها سائر نسوة النبي صلى الله عليه وسلم فكُنّ بحق كما قيل:
ليس يعطيك للرجاء أو الخوف *** ولكن يلذّ طعــــــــــــم العطاءِ
فهذه صفية بنت حييّ تدخل ومعها ذهب فتهب منه لفاطمة ولنساء معها و يتجلى الجود والصفح فى هذه الحادثة عندما اشتكتها جارية لها عند عمر بن الخطاب فقالت: إن صفية تحب السبت وتصل اليهود؟؟
فسألها عمر فقالت: أما السبت فإني لم أحبه منذ أن أبدلني الله الجمعة!وأما اليهود فإن لي فيهم رحماً فأنا أصلها!!ثم أعتقت الجارية على ظلمها لها!!
وتأبى عليها نفسها الفياضة أن تدع آل عثمان بن عفان محبوسين فى الفتنة فجاء عن ابن سعد فى الطبقات : بسند حسن أنها خرجت على بغلتها فلما منعوها وضعت خشباً بين منزلها ومنزل عثمان فكانت تنقل عليه الطعام والماء!!
ثم تأتي زينب بنت جحش زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم بتزويج الله له من السماء قالت عنها أم سلمة: " كانت صوّامة قوامة صناعاً تصدق بذلك كله على المساكين".
وفى مسلم أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال " أسرعكن لحاقاً بي أطولكن يداً" فكن يتطاولن أيتهن أطول يداً قالت: وكانت أطولنا يداً زينب؛ لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدق وإنما أراد أطولهن بالصدقة!!
وكان عطاؤها اثني عشر ألفاً لم تأخذه إلا عاماً واحداً فجعلت تقول: اللهم لايدركني هذا المال من قابل فانه فتنة!! ثم قسمته فى رحمها و فى أهل الحاجة!!
وبلغ عمر فعلها فأرسل لها باثني عشر ألفاً أخرى لتستبقيها لنفسها ففعلت بها نفس فعلها!!
ويتجلى هذا السموّ فى آخر لحظات حياتها عند الوفاة حينما يرسل لها عمر بكفن فقالت: إني أعددْت كفني فتصدقوا بأحدهما وإن استطعتم أن تتصدقوا بحقوي فافعلوا فقالت عائشة: لقد ذهبت مفزع اليتامى والأرامل!!
فقد ورد فى مسلم أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- رأى امرأة فأتى امرأته زينب وهى تمعس منيئة(تدبغ جلداً) فقضى حاجته فهذا يشير أن هذا هو دأبها والعمل ديدنها!!
وتحذو حذوهن زينب امرأة عبد الله بن مسعود فقد دخل بلال على النبي -صلى الله عليه وسلم- قائلاً في الباب زينب!
قال: أي الزيانب؟
قال: زينب امرأة عبد الله بن مسعود وزينب امرأة من الأنصار تسألانك عن النفقة على أزواجهما وأيتام فى حجورهما!
فقال: لهما أجران: أجر القرابة أجر الصدقة" رواة البخاري.
ولله درّ القائل:

إذا المرء لم ينفعك حيّاً فنفعُه *** أقلُ إذا ضُمت عليه الصفائحُ
لأية حال يمنع المرءُ ماله  *** غداً فغداً والموتُ غادٍ ورائحُ

ربح البيع!!
كانت أم الدحداح جالسة فى بستانها الذي يُعد من أشهر البساتين فى المدينة النبوية, فقد غطت الأفق أشجار النخيل الفارهة, وأسبغت على المكان هواءً عليلاً, ومع دخول زوجها أبي الدحداح الذي دخل مسرعاً ,وهو يلوّح لها بالخروج!!
فتبينت منه قوله: يا أم الدحداح! اخرجي من الحائط, فإني بعته بنخلةٍ فى الجنة!!
فقالت (وبدون تردّد)ربح البيع، ربح البيع!!
فلما بلغ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: " كم من معلقٍ لأبي الدحداح فى الجنة" رواة أحمد ومسلم.
فللّه درهم من قوم عقلوا قول الله عز وجلّ: (لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبون)
وتضرب هذه الصحابية أروع الأمثلة التطبيقية, عندما ضاف الرسول -صلى الله عليه وسلم- رجلاً فقال لنسائه فقلن: ما معنا إلا الماء!!
فقال رسول الله -صلى ا لله عليه وسلم- " من يضم أو يضيف هذا!!
فقال رجل من الأنصار : أنا, فانطلق به إلى امرأته فقال: أكرمي ضيف رسول الله فقالت : ما عندنا إلا قوت صبياني!
فقال: هيئي طعامك, وأصلحي سراجك, ونوّمي صبيانك إذا أرادوا عشاءً!!
فهيأت طعامها, وأصلحت سراجها, ونوّمت صبيانها, ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته, فجعلا يُريانه أنهما يأكلان, فباتا طاويين, فلما أصبح غدا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال:" ضحك الله _ أو عجب من صنيعكما".
فأنزل الله (ويؤ ثرون على أنفسهم ولو كان بهم خَصَاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون).
وهذا مصداق قول الحسن البصري: والله لقد رأيت أ قواماً كانت الدنيا أهون على أحدهم من التراب تحت قدميه يمسي أحدهم ولا يجد عنده إلا قوتاً! فيقول : لا أجعل هذا كله فى بطني, فيتصدق ببعضه, ولعله أجوع إليه ممن يتصدق عليه!!

 

فوزية الخليوي
  • مـقـالات
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط