اطبع هذه الصفحة


تغريب المسلمات.. واقع لا بد من تغييره

هيا الرشيد

 
بسم الله الرحمن الرحيم


التغريب حركة تهدف إلى طبع الأمم عامة بطابع غربي بحت، بهدف محو شخصياتهم الأساسية وجعلهم أسرى التبعية الخالصة للغرب الكافر، وتركز حركات التغريب على الأمة المسلمة خاصة تمهيداً لمحو الطابع المميز للشخصية الإسلامية وإيجاد روابط مشتركة بين الإسلام والغرب بشكل يخدم أهداف الغرب فقط؛ لأنهم أدركوا قبل قرون من الزمان بأن الإسلام يقف سداً منيعاً في وجه مطامعهم الاستعمارية؛ فسعوا إلى عملية التغريب للوصول إلى ما يهدفون إليه بكل يسر وسهولة، وقد استطاعت حركات التغريب أن تتغلغل في أعماق المجتمع المسلم وتدخل كافة الدول المسلمة بمسمى المدنية والحضارة.

توجه التغريب ومنذ أن نشأ بكل ثقله نحو المرأة المسلمة؛ لأن رواده قد أدركوا أيضا أن المرأة المسلمة هي عماد البيت المسلم وذات تأثير كبير على المجتمع، وعلموا بأنهم سيصلون إلى جلَّ أهدافهم عندما يسيطرون على فكرها، ويوجهونها بالأسلوب الذي يريدون، وقد توقعوا بأن أهدافهم ستتحقق عن طريقها بشكل أكبر ومدة أقصر من الطرق الأخرى، ولذلك كان لهم جهود كبيرة ولسنوات طويلة مركزة على المرأة المسلمة وكل ما يتعلق بأسلوب حياتها في البيت وخارجه.

سار التغريب جنباً إلى جنب مع حركات التحرير ومن قبل نفس الأشخاص تقريباً وبدأ من نفس الأماكن، والغرب من خلف الكواليس يشجع معنوياً ويدفع مادياً بسخاء، ويهيئ بعض الشخصيات العربية المسلمة بكافة الطرق والأساليب لتحمل راية التغريب الظاهرة للناس وتمجِّد آراءها، لإعطائها بعض المصداقية بحيث توحي لأفراد المجتمع بأن كل ذلك يصب في مصب التقدم والمدنية والحضارة، وأنها تدفع المجتمع قدماً إلى الأمام، فتدخل عليهم بشكل جذَّاب يغريهم بالانسياق خلفها، فجميعنا نعرف أن التغيير لو حدث من قبل شخص أجنبي مباشرة لواجه معارضة عنيفة لمجرد أنه أجنبي؛ لذلك كانت البعثات والإرساليات القديمة لدول الغرب بهدف تغيير أفكار الشباب المسلم وإقناعهم بأفضلية الحياة الغربية وأسلوب حياة أفرادها، ومن ثم نقل هذه القناعات إلى المجتمع المسلم وتأكيد جدواها.
كانت أولى خطوات تغريب المرأة المسلمة في العالم الإسلامي ككل هي إخراجها من بيتها، وقد كانت هذه الخطوة في البداية تلتفع بستار التحفظ الشديد والتدقيق في طبيعة هذا الخروج؛ حيث كان لأماكن معينة مقبولة دينياً واجتماعياً لعقود من الزمان، ومن بعدها توالت الخطوات الشيطانية التي كانوا يهدفون إليها، خاصة عندما أصبح هذا الخروج مألوفاً فبدأت بعده مراحل التغريب تباعاً وجميعها في الظاهر تحمل أسساً حضارية وتقدماً لا بد منه، أما في الباطن وفي حقيقية الأمر فقد كانت تحمل السم الزعاف والمدنية الزائفة التي أبعدت المرأة بشكل كبير عن دورها الحقيقي في هذه الحياة، فأصبحت المرأة المسلمة خلال عدة عقود من الزمان لا ترى الحياة إلا بمنظور غربي بحت.

خرجت المرأة لطلب العلم، وخرجت بعدها للعمل بعلمها فعملت في البداية على تعليم بنات مجتمعها المسلم، اكتظت الكليات فكان لا بد من فتح مزيد من التخصصات، تمريض فلا بأس، جاء بعده الطب ولا بأس أيضاً لتعالج المسلمة بنات جنسها بدلاً من الرجال، جاءت الصيدلة، ومن بعدها الهندسة، وتم فتح المجال لمضيفات للطيران، ومن ثم الحاسب بتخصصاته، تشعبت الأعمال، وطالت فترات المكوث خارج المنزل، وبدأ المجتمع يتقبل الأعمال مهما كانت نوعيتها، ونتج عن كثير منها الاختلاط، وترصدت وسائل الإعلام هذا الخروج بكثير من التوصيات، وبدأت هذه الوسائل بعدِّ خطوات المرأةالمسلمة ومتابعتها أينما ذهبت، فكان هناك مدخل أساسي في التغريب وهو استغلال طبيعة المرأة التي جُبلت على حب الزينة، وكان للتجار ورجال الأعمال دور كبير في استمرارية هذه الحركة وتقدمها؛ من خلال إغراقهم لأسواق المسلمين بكثير من أدوات الزينة الغربية، وقد تجاوزت إلى كثير من المحرمات شرعاً؛ حيث تضطر بعضهن للشراء ولو عن غير قناعة لعدم وجود المناسب أصلاً، خاصة في مجال الملبوسات.
خرجت المرأة في كثير من الدول الإسلامية متأثرة بدعوات التبرج والسفور، وبقيت نساء بعض مناطق العالم الإسلامي محافظة على حجابها الشرعي، ولكن في حقيقة الأمر فقد كانت كلاً من السافرة والمتحجبة ضحية لعمليات التغريب؛ إذ إن لوثة الإسراف في الزينة قد طغت وعمَّت أغلب المناطق، وملاحقة ومتابعة "الموضة" قد أصبحت أسلوبا للجميع، فقد كرَّست كثير من الصحف والمجلات جهودها في توجيه نساء المسلمين نحو ما يتم استحداثه من موضات، ولم يقتصر ذلك على اللباس بل تعداه بكثير لأدوات الماكياج المتعددة، والعطورات، والإكسسوارات، وصبغات الشعر، وانتشرت في المجتمع المسلم مراكز التجميل، وبدأ هذا الأسلوب ينحى تدريجياً ومرَّة أخرى في اتجاه المحرمات؛ حيث تغيير خلقة الله تعالى من خلال النمص وغيره، وبعدها كان التصريح بالمحرمات حيث بدأ ظهور ما يسمى بالعيادات التجميلية التي أصبحت تجاهر بعملياتها عن طريق الدعاية لها على صفحات الصحف والمجلات.

أوحت وسائل الإعلام أيضاً لهؤلاء النسوة بأن الأناقة والجمال يسيران جنباً إلى جنب مع الرشاقة وخفة الحركة، وأن المرأة لن تحصل عليهما إلا بارتيادها لنوادي الرياضة الصحية التي تضم بين جنباتها ما الله به عليم، من استهانة بالحشمة والوقار، وتراجع ملموس في مستوى الحياء لدى العاملات فيه والمرتادات له، فأصبحت المسلمات فيه صورة طبق الأصل لنساء الغرب الكافر يستسلمن بكل بساطة لتعليمات العاملات اللاتي يغلب عليهن الديانة النصرانية من عربيات وأوربيات، وغالباً ما تمارس طالبات الرشاقة طقوسهن الرياضية في ملابس خاصة تطلبها إدارة المركز الرياضي وتكون مبتذلة للغاية وبعيدة كل البعد عن أن تكون ملبوساً لائقاً بمربية الأجيال المسلمة.

سار التلفاز جنباً إلى جنب مع الصحف والمجلات في تحطيم المثل العليا والأخلاق، وأصبح الجميع يمجِّد للشخصيات المنحطة على أنها نماذج يجب أن يُحتذى بها، وأصبح هناك ترويج علني لمجالات العمل الساقطة كالرقص والغناء والتمثيل، وعرض الأزياء، والترويج أيضاً لما يسمى بمسابقات ملكات الجمال. وبالمقابل كان هناك نشاط متزايد من هذه الوسائل الإعلامية للتقليل من شأن تكوين الأسرة، والأمومة، واستنكار قوامة الرجل، وحاربت أيضاً الزواج المبكر، وهاجمت هذه الوسائل تعاليم الشرع المطهر من خلال تعامل الإسلام مع المرأة في الميراث والشهادة، وشجعت المرأة على التمرد على واقعها، وبالتالي التحلل من تعاليم دينها، فحاربوا علانية كل القيم الإسلامية، وعلى النقيض تماماً كان هناك تشجيع للصداقة بين الجنسين، واهتمام مبالغ فيه بركن الصداقة، وفتحهم في الآونة الأخيرة للمحادثات عبر الإنترنت، وبدؤوا ينادون صراحة بخروج المرأة لمجرد الخروج، فكان افتتاح المقاهي، وارتادت المرأة المطاعم مع صديقاتها، وخرجت للحدائق بحجة أنها تُرَوِّحُ عن نفسها، وكان لكل هذه الأفكار وعلى مر الأيام قيادات مشبوهة مدعومة من الخارج، تنفث سمومها في فكر المرأة المسلمة من خلال مؤتمرات شر وفساد تم عقدها في كثير من الأقطار المسلمة يدَّعي منظموها الدفاع عن حقوق المرأة، وكانت تنتهي بطبيعة الحال في كل مرَّة بتوصيات هدَّامة تحمل الدمار للمجتمع المسلم بأكمله.

وكان من أساليب دعاة التغريب أيضاً: تضخيم الشخصيات النسائية التي توافق آراءهم إعلامياً، وجعلها تترأس المؤتمرات، وتعطيها مراكز حساسة تبدأ من خلالها في بث الأفكار التي تخدم أهدافهم، فأصبحنا نرى في كل دولة إسلامية تناقضا واضحا وكبيرا بين نساء هذا العقد وبين نساء العقود الماضية؛ حيث وصل مستوى التغريب إلى ذروته، ومازالت المحاولات الغربية بمساعدة كثير من المنتسبين للإسلام تنفخ في روح هذه الحركات في محاولات مستميتة لأن تعيش المرأة المسلمة بشكل غربي تام يشمل أفكارها، وتوجهاتها، ولباسها، وطعامها، وسكنها، وطريقة تنقلاتها، وأسلوب تعاملها، وقناعاتها، وعملها، وازدادت في جميع هذه المراحل وسائل الإعلام حدَّة في مجاراة التيار، وظهرت على السطح مجلات وصحف تدعو علناً إلى التبرج والسفور، كما ازدادت أعداد الكتب التي خرجت إلى النور بضلالها البواح؛ حيث بدأت بصرف أنظار المسلمات نحو العواطف المجردة من العقل، وعملت على إقناعهن بأن جلَّ المشاكل التي يتعرضن لها ناتجة عن الغرائز المكبوتة، وألهبت المشاعر بقصص الحب الممجوجة، والمسلسلات التي تشجع على العلاقات العاطفية.

التغريب الآن أصبح واقعاً في حياة المسلمات، ولكنه واقع مرير لا بد من تغييره، وليس معنى ذلك أن ننبذ ما جاء من الغرب برمته؛ بل نأخذ منه ما يكون فيه فائدة، ولكن الاعتراض على أسلوب التقليد المجرد من التفكير، والذي تدرج بالمرأة إلى حد خروجها عن تعاليم الشرع المطهر، وارتكابها لكثير من المحرمات، وقد ذاقت المسلمات ويلات هذا التغريب الذي أخذ كثير من جهودهن وأوقاتهن وأموالهن، فالعودة قد تلاقي بعض الصعوبة، ولكنها ليست بمستحيلة، ونذكر بعض خطوات لها على سبيل المثال:
* العودة كاملة ودون نقاش إلى كتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم-.
* اتخاذ زوجات المصطفى عليه الصلاة والسلام أنموذجاً تاريخياً للتقليد والمجاراة، واتخاذ الصالحات في جميع الأزمان مثلاً يُحتذى به بدلاً من النماذج التي أُقحمت إلى حياتنا عنوة بما تحمله من فساد.
* إيقاظ القوامة من سباتها، وعودة الرجل إلى مسؤولياته الحقيقية المفروضة، وإلى متابعته لزوجته وابنته.
* الحث على إخراج آليات الفساد من البيوت المسلمة، كالقنوات الفضائية، والمجلات الهابطة.
* لا اعتراض على عمل المرأة بحد ذاته إذا كان يضمن لها كمال سترها وحشمتها، وابتعادها عن الاختلاط تماماً، ولكن الاعتراض على العمل المختلط أو الذي ترتاده المرأة سافرة أسوة بالمرأة الغربية.
* مواجهة الإعلام الغربي وإن كان معرّباً في ظاهره ويحمل أفكار الغرب في حقيقته، وذلك ببيان ضرر ما يبثه من أفكار، وبطلان كثير من الدعاوى المغرضة حول حقوق المرأة وطبيعة حجابها.
* أيضاً مواجهة الإعلام الغربي الفاسد بإعلام إسلامي هادف يبث بالمقابل بين أفراد المجتمع المسلم كل ما ينفعه في حياته من الناحية الاجتماعية والدينية.
* الحرص على توزيع مطويات وكتيبات صغيرة بين النساء فيها تحذير لهن من نتائج هذه الحركات الهدامة وتذكير بأقوال الرسول- صلى الله عليه وسلم- التي تتحدث عن التشبه بالنصارى اليهود.
* بيان نتائج التغريب الحقيقية التي جنتها المرأة المسلمة، سواء في إطار بيتها أو في عملها خارجه من شتات نفسي وفكري وإهدار للجهود والأوقات والثروات.
* الاستعانة بأصحاب التخصصات الدقيقة والذين يحملون همَّ الإسلام كالأطباء؛ لبيان الأضرار الصحية لأدوات الحضارة الغربية والمتعلقة بأنواع الزينة المستحدثة، والملبوسات الضيقة، وأساليب الطعام الخاطئة.
* تظافر الجهود بين طلاَّب العلم والدعاة والمشايخ وخطباء الجوامع لتبصير المسلمين بحقيقة هذه الحركات، وأنها خطط للسيطرة على المجتمع المسلم من قِبل أعداء أمتنا.
* الاستشهاد دائماً بتصريحات كثير من نساء الغرب اللاتي يعانين من قسوة أسلوب معيشتهن، ونتائج بعدهن عن مجالهن الحقيقي في الحياة، وهو رعاية البيت والأولاد.



 

هيا الرشيد
  • الأسرة والمجتمع
  • الفكر والثقافة
  • القصص
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط