اطبع هذه الصفحة


آلآم على السرير الأبيض.

هيا الرشيد

 
بسم الله الرحمن الرحيم


في ذلك اليوم تجرعت الألم بدرجة كبيرة والممرضة توبخها بصورة قاسية، فكلما تعبت من رقدتها الطويلة حاولت التحرك بين جنبات سريرها الأبيض،فتصدر أصوات من الجهاز الموصل بالمغذيات التي ترتبط بيدها،لا تعرف سبباً لهذه الأصوات،ولا تعلم طريقة لتقي نفسها من جرعات التوبيخ التي تتلقاها في كل وقت من الممرضات المسئولات عنها،أحياناً تتجرع الغصص،وأحياناً أخرى تنحدر دمعة حارقة تسيل على وجنتيها،لم تتجه باللوم الصامت إلى هؤلاء الممرضات أبداً،وكثيراً ما تشعر بالأسى لحالها ، ففي كل لحظة تحدث نفسها بقولها : - كيف ألومهن،وهن من أقصى الشرق،اللوم كله على أولادي.
جالت بعينيها الضيقتين أرجاء الغرفة الفاخرة،وتفحصت بصعوبة الأجهزة الحديثة التي ملأت المكان،ورددت بينها وبين نفسها:- لا أحتاج لذلك،أنا بحاجة إليهم،أريد دفء بيوتهم،أتمنى أن أنعم بكلماتهم،وأجلس بينهم،لتفرح عيني برؤية أحفادي،ولتطرب أذني بصوت ضحكاتهم،وصيحاتهم.

تقطع حبل أفكارها إحدى الممرضات،حرارة،ضغط،أدوية لا حصر لها،والطبيب يدخل فجأة،يقلب أوراقها،ويوجه لها كلمته اليومية:- حالتك مستقرة،ولا يوجد لدينا المزيد لنقدمه لك،فالبيت في مثل حالتك أفضل من المستشفى.

تنكس رأسها كمداً وتصمت،شهور وهي في هذا المستشفى الفاخر،لم يعطها أحدهم الإشارة لتخرج،ولم تعد كما كانت لتعود إلى بيتها في مسقط رأسها،تحتاج إلى الرعاية،وتطمح إلى العناية،ولكن الجميع يقابلونها بالصمت،لا مانع لديهم من دفع المال مهماً بلغ،ولكن فكرة اسقبالها في البيت كانت مستبعدة تماماً ومن الجميع،لم تكن تدرك سبب تجاهلهم لها،وهل هو نابع من أنفسهم،أم أنه إرضاء لتجبر زوجاتهم،أو الخوف من أن يتحول البيت فندقاً للأقارب والمعارف!!
بالرغم من أن الزيارة في المستشفى كانت مفتوحة،إلا أنها كانت تشعر بالملل،فأقاربها لا يحضرون إلا في المساء،في بداية دخولها كانت الزيارات كثيرة جداً وفي كل الأوقات،وبمرور الوقت بدأت تتناقص إلى حد كبير وصارت محدودة بوقت معين،أحياناً تتغافل آلآمها،وتتناسى أحزانها،وتمد يدها المرتعشة لتتناول مصحفها،كانت تقربه إلى صدرها،وتتذكر ما حفظته في الماضي،ترتب السور في ذاكرتها،وتقرأ بصوت متهدج،تشعر بشيء من الفرح كلما أكملت سورة،وتحزن عندما تخونها الذاكرة فنظرها لم يعد يسعفها لتفتح المصحف وتسترجع ما فاتها.

أعادت المصحف إلى مكانه،ولم تكن تعرف الوقت تماماً،تململت في رقدتها،ترهف السمع كثيراً وتتمنى أن يفاجئها أحدهم بزيارة سريعة،ما أطول ساعات النهار،وما أصعب ساعات الليل،كانت تفكر بالماضي كثيراً،وتتذكر أدق تفاصيله،وتحن إلى بيتها،البيت الذي أسماه أحفادها ببيت الجدة،كان هذا الاسم يسعدها كثيراً،ترفع يدها أحياناً وتتحسس التجاعيد التي ملأت وجهها،وترفع يدها أكثر لتمسح رأسها الذي غزاه الشيب،لم تكن حزينة على أيام شبابها،ولم تكن ساخطة على واقعها،فهي مؤمنة بالقضاء والقدر.

كانت تشعر بأن معاملة أبنائها وتجاهلهم لمشاعرها قد تسببت في جرح قلبها،الأبناء الذين ضحّت بكل ما تملكه من أجلهم،لم تندم على ما قدمته لهم،فهي تعرف حق المعرفة أن المعروف لن يضيع عند الله – عز وجل – وأن الأجر محفوظ لها عند الله تعالى،ولكنها في نفس الوقت تدرك تماماً بأنها في هذه الفترة بالذات إنسانة ضعيفة الجسد وبحاجة إليهم لا إلى أموالهم،لم تتمالك نفسها لطرد بعض الهواجس،فظروف أولادها الحالية،ومراكزهم ووظائفهم الكبيرة،ورواتبهم العالية كانت مثاراً لتساؤلاتها،ولتساؤلات الناس وهمساتهم من حولها.

مرّت الذكريات أمام عينيها،وتتابع شريط أحداث السنوات الماضية في ذاكرتها،تذكرتهم واحداً تلو الآخر،تذكرت فرحتها بإنجابهم،وسعادتها لكل خطوة في حياتهم،كانت تسعد لسعادتهم،وتشقى لحزنهم وألمهم،وما أكبر فرحتها عندما التحق ابنها البكر بالمدرسة،وعندما شعرت بأمارات التفوق والنبوغ تظهر عليه،ولن تنسى تتابع أولادها في الدخول إلى المدرسة،وتفوقهم جميعاً في كل المواد الدراسية،استمروا في الانتقال من مرحلة إلى أخرى،وكان ترتيب كل منهم الأول دائماً،ما أسعدها بهم،وما أكبر فرحتها لنجاحهم،المرحلة الثانوية كانت حاسمة لكل من يصل إليها منهم،ففي ختامها يتحدد الهدف،وبعدها يكون الأساس،الجامعة،الماجستير،وشهادة الدكتوراة في أهم العلوم،وأدق التخصصات،حقاً شعرت في تلك الفترة بأن متاعبها قد انتهت،وأن جهودها لم تذهب سدى، ، وأن تضحياتها قد أثمرت،ولم تنسى خلال مشوارهم العلمي،ارتباط كلاً منهم بزوجة مناسبة،وتوالى الأحفاد على بيتها،ولكل منهم ذكرى عطرة،ومكانة خاصة.

أكثر ما يثيرها،ويهيج عليها المواجع،عندما تسترجع صورة اجتماعهم السنوي لديها،يوم عيد الفطر، وعيد الأضحى، فلم يكن يتخلف أياً منهم،وإذا كانت ظروف الوظيفة تستلزم تواجد أحدهم كان يبادر بإرسال زوجته وأبنائه،فالتواجد في بيت الجدة هو أجمل هدية للأحفاد في يوم العيد،أحفادها يتراكضون أمام عينيها،ويلعبون على مقربة منها،وعندما يختلفون كانت تسارع بمناداتهم،توزع بينهم قطع الحلوى اللذيذة،فينشغلون بها وينسون ما كان بينهم من نزاع، وأبنائها سعداء وهم بجانبها،وزوجاتهم كذلك.

بين السنة والأخرى،يصر أبناؤها على مجيئها للزيارة،ويتعلق أحفادها بهذه الفكرة،تقام الولائم من أجلها،ويأتي الأقارب والمعارف للاطمئنان عليها،كانت محل حفاوة من الجميع،الجميع يتسابقون لاستضافتها،ويتنافسون على إكرامها،وما هي إلا فترة يسيرة وتغادر إلى أغلى مكان لديها،بيتها الذي لا تفتأ تشعر بقيمته مهماً بلغ تقدير الآخرون لها!! كل هذا ماضياً،أمّا الآن فأين الجميع من ذلك الكرم!!أين تلك الحفاوة!!أين التسابق على استضافتها!! لم تحتاج إليهم في الماضي كحاجتها الآن!!ولم تتمنى بيوتهم أبداً في سابق عهدها،ولكن الوضع قد تغير......
تدخل الممرضة، وتقطع عليها حبل أفكارها،وقت الدواء قد حان،تتناوله على مضض،تعود لوحدتها مرة أخرى،التفاتة سريعة نحو النافذة،اقترب المساء،واقترب وقت حضورهم لزيارتها،تتوق نفسها للحديث معهم،تتشوق لقضاء بعض الوقت بينهم،تنتظر بفارغ الصبر أن يأخذها أحدهم إلى بيته،تشعر بأن الوقت قد حان لرد بعض جميلها عليهم،تقف الكلمات عاجزة،وينتصر الصمت في كل مرّة،والخجل يعقد لسانها،وتفكر في حالها،وترد على نفسها :- إنهم يرونني،ويعلمون بحالي،لكنهم لا يريدون،هذه هي الحقيقة،لابد أن أقتنع وأرضى بما كتبه الله عليّ.

تحين اللحظة التي تنتظرها ساعات الليل والنهار،يبدأ توافدهم لحجرتها،عبارات سؤال واطمئنان،احتفاء كبير بالكلمات،تفكر في حالها لتجد تناقض بين القول والفعل،حجرتها تغص بأولادها وأحفادها،هذا يسأل وتسبق سؤاله كلمة أمي،والآخر يسأل ليسبق السؤال كلمة جدتي،تلتفت يميناً ويساراً،وتجد نفسها عاجزة عن الرد على الجميع،تسعد لقربهم،وتحاول جاهدة أن تنصت لأحاديثهم،وتستمتع بالوقت معهم،ولكن الساعات كالعادة قصيرة بوجود الأحبة،بدأ الجميع يتململ في جلسته،فهذا يرتب صحيفته ليقرأها جيداً في بيته،وهذا يكرر النظر إلى ساعته،والآخر يداعب ابنه الذي تسرب النوم إلى أجفانه،لحظات أخرى ويبدأ الجميع في سلام الوداع،تستجمع قواها،وتتحامل على نفسها،وتصارع الكلمات لتخرج،وتقول أخيراً جملتها التي عاندتها طويلاً في الخروج :- الطبيب يقول إن علاجي قد انتهى لديهم،وحالتي مستقرة،ووجودي في البيت أفضل من المستشفى.

دارت بنظراتها عليهم،لترى وقع جملتها،ولتعرف من الذي يبادر أولاً،كانت رؤيتها للأشياء كثيراً ما تخونها،لدرجة أنها لا تفرق على بعد أمتار،ولكن حاسة السمع تساند البصر لتعرف من المتحدث تماماً،انتظرت قليلاً،لم ترى أي بادرة،ولم تسمع أي رد،بدأت حركة الخروج فجأة مثلما بدأت حركة الدخول،وما هي إلا دقائق معدودة ويعود الصمت إلى جوانب الحجرة الفاخرة،وتعود إلى حزنها السابق،وتفكر فيهم واحداً بعد الآخر،تحاول أن تجد مبرراً لأحدهم على تصرفه تجاهها،تحاول مرة أخرى،لم تجد أي شيء سوى العقوق التي انطبعت على حياة كثير من الشباب في هذا الزمان حيال الآباء والأمهات،عاودتها الغصة المؤلمة،وسارعت دمعة حارقة بالانحدار على وجنتيها،ولكنها عاجلت همومها بقولها : - الحمد لله على كل حال.


 

هيا الرشيد
  • الأسرة والمجتمع
  • الفكر والثقافة
  • القصص
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط