اطبع هذه الصفحة


بحر من الديون

هيا الرشيد

 
بسم الله الرحمن الرحيم


عندما ازدادت الخلافات بينها وبين أم زوجها حدّة،قررت أن تخرج من البيت برفقة أولادها،كانت الإعاقة التي تعرض لها زوجها إثر حادث مروري سبباً رئيساً في هذه المشاكل،إذ أنه أصبح مقعداً بعد عمل حر،وليس له تقاعداً شهرياً أسوة بموظفي الدولة،فأصبح العبء عليها بالكامل،وأم زوجها تطالبها بما لا تطيق من ولائم وهدايا للأقارب في كثير من المناسبات،كانت تستلم راتبها شهرياً وتذهب إلى البيت وتفترش الأرض مع ورقة وقلم،تقسم وتطرح وتسجل الجزء المستحق لكل بند،تعيد العملية مرّات ومرّات،وزوجها يراقبها وهو على كرسيه المتحرك بكثير من الحسرة والألم،وصوت والدته يخترق سكون حجرتهما الصغيرة يذكرهما ببعض الكماليات التي عجز الراتب عن تأمينها.

فواتير الكهرباء،والهاتف،والماء،والجوال،أخذت نصف الراتب،وتذكرت في اللحظة المناسبة السائق الذي يأخذها إلى حيث تعمل في المركز الصحي، ويأخذ أولادها إلى المدارس فقد حان موعد السداد له أيضاً،والعاملة المنزلية التي تعتني بالصغار صباحاً لها نصيب أيضاً،ومستلزمات البيت والمدارس،فالكل يلح في تحصيل احتياجاته،تضع يدها على رأسها مراراً من الحيرة،فالراتب كبير،ولكن المصرفات أكثر وأكبر،كانت تتأمل حياة المحيطين بها والذين يتقاضون راتباً أقل منها،وتتفكر في طريقة تعاملهم مع كل هذه الاحتياجات،بالإضافة إلى أن أغلبهم يدفعون إيجاراً للسكن،أما هي فكانت تجد لسكنها في بيت أهل زوجها راحة من بند رئيس في المصروفات وهو الإيجار.

بالرغم من صعوبة ظروف الحياة،وكثرة الضغوط المالية،استأجرت بيتاً صغيراً وأخذت أطفالها وخادمتها،احتار زوجها في البداية بينها وبين أمه ولكنه قرر في النهاية أن يلحق بأطفاله،كانت في بادئ الأمر مبتهجة للبعد عن المشاكل التي أقضّت مضجعها لسنوات طويلة،وتنظر لهذا البيت الصغير بتفاؤل كبير،كانت أيضاً تنظر إلى الأغراض البسيطة الموجودة بدونية وتؤمل نفسها بوضع كل جديد وجميل،بدأ أولادها بتذكيرها بأغراض أبناء أعمامهم،وأبناء خالاتهم،ويلحّون عليها بتأمين ما يماثلها لهم،ووعدتهم بتأمين كل ما يحلمون به عن قريب،كان القسط الأول من الإيجار هو همها الأول،تريد دفعه لتتفرغ لشراء ما يحتاجه البيت من أثاث جميل وأجهزة حديثة،وطالت الفترة،والراتب مثلما كان،يجد ألف باب وباب كل آخر شهر،ولدى تقسيمه لا يتبقى لتحقيق الأحلام إلا القليل الذي لا يكفي لشيء،ولم تحسب في سنواتها الماضية أي حساب لمثل هذه الظروف.

شعرت بالحيرة تلف رأسها،وفكرت كثيراً في طريقة تخرج من خلالها من هذا المأزق،ولجأت إلى أعز صديقاتها لتساعدها على حل مشكلتها،البيت خاوٍ،والأولاد يريدون ويتمنون،وهي أيضاً تريد أن تفرح وتستقبل أقاربها وصديقاتها في البيت،تريد أن تودع أيام الشقاء،وتستقبل أياماً جميلة ومفرحة،تتمنى بيتاً جميلاً يضم بين جنباته كل مستلزمات الحياة العصرية،تريد أن تسافر في رحلات ممتعة،وتريد أيضاً أن تهتم بمظهرها أمام الناس بصورة أكبر مما هي عليه الآن،فكيف السبيل إلى ذلك؟؟وكيف تتحقق كل هذه الأحلام؟؟

كان الحل لدى صديقتها سهلاً،وقد جربته مسبقاً في أزمات عديدة ونجح بالفعل،شعرت باللهفة الشديدة لمعرفة هذا الحل،تريد أن تعيش حياتها أسوة بغيرها،تريد أن تحقق رغباتها في أقرب وقت ممكن،تريد أن ترى الفرحة مرسومة على وجوه أولادها مثل غيرهم،لم تعد تطيق صبراً أن ترى كل شيء ولا تحصل على أي شيء،استشعرت صديقتها هذه اللهفة وطمأنتها بقولها:-
- مهلاً فستعرفين كل شيء في لحظات.
- أريد الحل،أريد أن أحصل على المال بسرعة.
- أعرف حاجتك،وسأذكر لك أقصر الطرق وأيسرها.
- ما هي؟؟؟
- راتبك لا بأس به،وسيكون مناسباً لما أقول.
- مناسباً لماذا؟؟
- للتقسيط.
- هل سأشتري أثاثاً بالتقسيط.
- لا،بل ستشترين سيارات بالتقسيط.
- أنا بحاجة إلى الأثاث والأجهزة المنزلية وليس للسيارات.
- ستبيعين السيارات وتشترين بثمنها كل ما تريدين.
- فهمت الآن.
- ومن ثم فراتبك كبير وسيغطي الأقساط الشهرية بكل يسر وسهولة.
- يسر وسهولة!!أشك في ذلك كثيراً.
- هل ستفكرين فيما قلت.
- لن أفكر،بل قررت.

أخبرت زوجها بقرارها،فلم تستشيره أو حتى تستمع لرأيه،شعرت بعدم الرضا في نظراته،ولكنها ضربت بكل شيء عرض الحائط،سألت،وأعدت العدة لكل شيء،ومن ثم تم الأمر بكل بساطة،وخلال أيام قليلة رأت بأم عينيها تلال من المال بين يديها،كانت تتساءل هل هي في حلم أم علم،إنها الحقيقة والمال معها تفعل به ما تشاء،صديقتها الحميمة سايرت خطواتها الأولى،وعايشت أفراحها الجميلة،وذهبت معها إلى كل مكان لتشتري أجمل ما يعرض من أثاث منزلي،وأجهزة منزلية راقية،غرف نوم جميلة للأولاد،وأثاث أجمل لغرف الضيوف،وسجاد فاخر تم وضعه بعناية في كثير من جنبات البيت،ولم تنس بطبيعة الحال الأعمدة الرخامية وأواني الزهور التي وُضعت في الممرّات،وأكملت هذه الرفاهية بكثير من اللوحات الفنية الراقية،والتحف المميّزة.

مرّ الشهر سريعاً،وحان موعد سداد الأقساط،أحضرت الراتب كاملاً،وافترشت الأرض مع قلمها وورقتها،ووضعت في البداية الأقساط جانباً،وبأت عملية القسمة والطرح،عندما تأخذ لبند،تجد النقص على الآخر،سحبت من هنا،ووضعت هنا،وامتدت العملية لساعات طويلة،وأصبحت في حيرة شديدة،تذكرت صديقتها العزيزة،وأسرعت بالاتصال،وكعادة صديقتها لديها الحل لكل شيء،عرضت عليها أن تعطيها قيمة الأقساط لهذا الشهر،ويكون الرد عندما تتحسن الظروف،فرحت لمبادرتها،وانتهت أزمة هذا الشهر على خير.

الشهر الذي يليه،الأقساط الجديدة،تتكرر العملية مجدداً،اتصال بالصديقة الوفية،لم يكن لديها مال هذه المرّة،ولكن الحل موجود،أقنعتها بأن تستدين من أحد زميلاتها في المركز الصحي،الفكرة مناسبة،ولا بأس بهذا الحل مؤقتاً،المهم أن تصل الأقساط لأصحابها خوفاً من المشاكل،وبعد عدة شهور يأتي الهمُّ الأكبر،إيجار البيت،مبلغ كبير وفوق استطاعتها،ولم تقتطع من راتبها طوال الشهور السابقة من أجل سداده شيئاً،مشكلة كبيرة،وقد استدانت مسبقاً من زميلات العمل،وصديقتها العزيزة تشير عليها بأن تقترض قيمة الإيجار من أخوتها،هرعت إليهم،واستلمت المبلغ كاملاً،ويأتي الشهر التالي سريعاً،تتصل بصديقتها،لم تشعر بحفاوة هذه المرّة،لعلها تريد ما اقترضته منها من مال قبل عدة شهور،تستدين من شقيقتها وترد المال إلى صديقتها،أخذت مالها بلهفة دون أي تعليق،وشهر بعد آخر تزداد الديون،والهمُّ يثقل كاهلها،زوجها يحثها على التريث،فلا تكترث لكلامه،ويذكرها على استحياء بعدم وجود ضرورة للكماليات حالياً،فتنظر إليه نظرة متعالية وتستمر على دأبها.

زميلات العمل اللاتي استدانت منهن في البداية يلمحن بحاجتهن إلى مالهن،وبعضهن يصرّحن،وأخوتها يطالبونها بمالهم الذي طالت غيبته،وشقيقتها تحتاج أيضاً لمالها لشراء مستلزمات ضرورية،والأقساط كل شهر،والإيجار،والفواتير،و،و،و،إنها بحاجة ماسّة إلى صديقتها،بحاجة إلى استشارتها،تتصل عليها مجدداً،الهاتف لا يجيب،الجوال أيضاً،تطرق بابها عند عودتها من العمل،الخادمة ترد بأنها غير موجودة في المنزل،توقعت أن صديقتها قد شعرت بالملل منها،أو أنها تخشى أن تستدين منها مرًة أخرى،تشعر بأنها بحاجة إليها،تريد حلولها الجهنمية،وأفكارها النيّرة،ولكنها يئست من ردها،فعادت إلى بيتها وهي تدافع بيديها الأمواج التي تشعر بها في بحر الديون المتلاطم.

 

هيا الرشيد
  • الأسرة والمجتمع
  • الفكر والثقافة
  • القصص
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط