اطبع هذه الصفحة


بين نقيضين

هيا الرشيد

 
بسم الله الرحمن الرحيم


جاء خبر البعثة التي انتظرتها كثيراَ في الوقت المناسب،ستكون برفقته عندما يغادر إلى كندا،بعض من حولها يخشون الغربة ولكنها على النقيض تماماَ،إنها تتمنى خوض هذه التجربة،تريد أن تنطلق في أجواء الدول الكبرى،ترغب في تعلم لغة أخرى،ومعرفة عادات وتقاليد بلاد العالم المتقدم.
حماس شديد واستعداد مسبق،وملازمة للورقة والقلم في كل وقت،كتابة المطلوب في هذه النقلة أولا بأول،تخشى أن تنسى شيئاَ،قائمة طويلة عريضة،تسير وفق بنودها بكل دقة،وكل يوم تضع إشارة على ما تم وما لم يتم،تتأكد من أدق الدقائق،لا تريد أن تنسى شيئاَ،ولا تؤجل إلى ما بعد.
تتوارد على عقلها الخواطر والأفكار،عن رفقة ذلك المكان،كيفية قضاء الأوقات،المشاريع المستقبلية،مدة البعثة،وقت العودة،سنوات ستقضيها هناك،لا بد أن تستثمرها على أكمل وجه،اللغة أولاَ،ستتعلمها،ولا بأس بدورات أخرى في مجالات مفيدة، ،ستحقق كثير من طموحاتها،وستعود بشكل آخر.

اتصال هاتفي،إنها إحدى رفيقات الرحلة المنتظرة،تتعرف بشكل سريع،وستكون هناك كثير من اللقاءات،دار الحديث،ماذا تعمل،وما هي طموحاتها المستقبلية،أهدافها،مستوى حماسها،تناقض واضح وصريح،أهداف متباعدة،أفكار متنافرة،لا بأس فهناك كثيرات غيرها،ستجد من يشاركها في طموحاتها،ويؤيد أفكارها،هذه لا تصلح لرفقتها،فهي جادة،هدفها من هذه الرحلة خدمة زوجها،والعناية بأطفالها.
تريد من تشاركها طموحها،وتوافقها على أفكارها،تنطلق معها في تحقيق ما تصبو إليه،لا بد من استثمار كل لحظة،فقد تكون هذه فرصة العمر،وقد لا تعود مرة أخرى،تخطط لأن تكون رحلتها ممتعة،مفيدة،مثمرة،تسبح في سماء أفكارها،أحلام وردية تداعب أجفانها،خيالات تطرق باب عقلها،شوق لا حدود له لخوض غمار هذه التجربة.
تمر الأيام،يقترب الموعد،تشعر بأنها على أهبة الاستعداد،ستودع الأهل قريباً،وتفارق رفيقاتها،وزميلات العمل،تغادر إلى عالم جديد،وحياة جديدة،تأمل أن تكون الأجمل في سنوات حياتها،والأكثر رخاءً فيها،تمعن التفكير في حاجياتها،كل شيء معد،تنتظر فقط لحظة الإقلاع،لتودع عالماً وتستقبل الآخر.

تحين لحظة الرحيل،تمسك بعباءتها،تنظر إليها بازدراء،وحال لسانها يقول:- سأودعك قريباً،ولسنوات طويلة،سأنعم بالحرية دونك،وسأنطلق بعيداً عنك.
تتفقد أشياءها بشكل سريع،تحمل حقائبها بعد اطمئنانها على اكتمال أغراضها،تتعاون مع زوجها على ترتيبها في سيارة أخيها،وتبدأ الرحلة المنشودة،رحلة طالماً تاقت إليها نفسها،وتسير الساعة تلو الأخرى،صالة الرحلات الخارجية،إجراءات الرحلة،وأخيراً الطائرة،اللحظة التي أعدت نفسها لها أياماً طويلة.

لحظات مفعمة بالسعادة،تتلفت حولها،ليس بعد،ولم يحن الوقت،تريد نزع العباءة،حمل ثقيل على أكتافها،ترغب في التحرر منه في أقرب وقت،تقلع الطائرة،وتناقض عجيب غريب بين الراكبات،إحداهن تتمسك بعدة حشمتها من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها،والأخرى بين بين،نزعت العباءة وغطاء الوجه ولكنها احتفظت بجزء من وقارها حيث لبست الملابس الطويلة وغطت شعرها فقط،أما هي فكانت من الفئة الثالثة حيث نزعت العباءة وما يتبعها.

ها قد وصلت إلى وجهتها،وزوجها ينهي كافة الأوراق اللازمة،انطلاقة جديدة للمدينة،وسكن ملائم قريب من الجامعة،تصل إلى بيتها الجديد تسبقها أحلامها،البيت غير البيت،والأثاث غير الأثاث،هنا المستوى أقل،ولكنه الأقرب إلى نفسها،نظام محبب إليها،وشكل ترتاح إليه،جيران من طراز آخر،متفهمون،متحررون،لا يعترفون بالقيود،شعرت بأنها ستجد الراحة بينهم.
خلال أيام تعرفت على المنطقة التي تقطنها،فرح زوجها بجرأتها،سيرتاح كثيراً هنا،ستقوم هي بكل شيء عوضاً عنه،وسيتفرغ لدراسته تماماً،تسلمت الزمام،وأصبحت المسئولة عن البيت كاملاً،تشعر بالسعادة لهذا الدور،والظروف هنا تؤهلها للقيام به على أكمل وجه.
تعرفت على كثير من النساء،وخاصة في الجامعة،حيث بدأت دراستها للغة الإنجليزية،تعمقت علاقتها بنوعية معينة من الزميلات،وتحولت العلاقة إلى صداقة حميمة،لقاءات،مكالمات هاتفية،أسواق،زيارات،كانت تقول في نفسها:- هكذا تكون الرفقة الحقيقية.

في ذلك الصباح من الإجازة الأسبوعية،استيقظت مبكرة،وزوجها يغط في سبات عميق،بينها وبين جارتها موعد،ستتسوقان من مركز تجاري قريب،وجدتها قد استعدت أيضاً،وصلت برفقتها إلى المكان المحدد،اتفقتا على اللقاء مرة أخرى أمام المدخل بعد ساعة،انطلقت وحدها، تحمل حقيبتها،تجول بنظراتها بين الكم الهائل من البضائع،تتفحص أسعارها،ونوعياتها.
وصلت إلى غرضها أخيراً،ولكن يا لها من مفاجأة،تقدم طلبها،وتقف في طابور طويل لحين إعداده،رجال،نساء،أطفال،كل منهم يحمل رقماً بدوره،وها هي تقف في آخر الطابور،تسرق النظر بين الحين والآخر إلى ساعتها،اقترب دورها،وكانت تتفحص الوجوه،خليط من أجناس بشرية،لا تفرق بينها،لغات ولهجات لا تستوعبها،أناس من شتى بقاع الأرض.

خلال تأملاتها،سمعت عبارة،قطعت عليها حبل أفكارها:(السلام عليكم ورحمة الله)،التفتت نحو مصدرها،وإذا بامرأة على يسارها،قد أرخت جلبابها،وأحكمت غطائها،تلقي عليها بتحية الإسلام،نظرت إليها بامتعاض،وتأملت لباسها بسخرية،وقالت لها بتهكم واضح:- هل تعرفين أين أنت الآن؟؟
- نعم أعرف.
من خلال جوابها القصير،انتبهت للكنتها،لم تكن عربية،وردها كان غريباً،ولم تكن ترى منها شيئاً يدل عليها،من خلال دهشتها نسيت الطابور الذي تقف فيه،وانسلت مع هذه المرأة بعيداً عنه،وطلبت منها رؤية وجهها،أخذتها بعيداً في مكان منزوٍ،رفعت غطائها بحرص شديد،نظرت إلى وجهها،وعقدت الدهشة لسانها،وسألتها باضطراب:- من تكونين؟؟
أجابتها:- أنا امرأة كندية دخلت الإسلام منذ أشهر،وعندما أشارت صديقتي إليك بأنك امرأة مسلمة لم أصدق ولذا حضرت إليك وتحدثت معك.
- لم تصدقي!!لماذا؟؟
- افتقدت فيك الحشمة التي أمر بها الإسلام،فما تلبسينه الآن هو بالضبط ما كنت ألبسه قبل إسلامي.

حركت شفتيها،تريد أن تتحدث،تريد أن تشرح،ولكن الأخرى كانت قد أسدلت غطاء وجهها وذهبت،تتبعت سيرها،تريد أن تسألها،ولكنها غابت في الزحام.

جالت ببصرها في المكان،وكأنها قد تلقت صفعة قوية على وجهها،كانت تشعر بأن أنظار الجميع مصوبة نحوها،سألت نفسها عدة مرات:- لماذا؟ماذا فعلت بنفسي؟أمسلمة في الهوية فقط؟أيرتبط إسلامي بأوراقي الرسمية؟سبحان الله!!فرق بيني وبينها!!أنا ولدت مسلمة وأتصرف هكذا،وهي أسلمت مؤخراً وهذا سلوكها!!
غادرت المكان على عجل،وصديقتها تلاحقها بأسئلتها،كانت تتمنى أي شيء تحتمي به،غطاء،عباءة،أو حتى قطعة قماش بالية،ما أطول الوقت،أسرعت الخطى،لا تعرف لماذا تشعر بالوقت بطيئاًً،تريد أن تصل إلى بيتها،تراجع نفسها،ترتب أوراقها من جديد،تصيغ حياتها بأسلوب يرضي المولى عز وجل،وبشكل يسير وفق أوامر المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام.

وصلت إلى البيت،وصورة المرأة الكندية ماثلة في مخيلتها،أو بالأحرى شكل لباسها،تسربلها بأدوات الحشمة والعفاف،أشهر وتحكم الغطاء،مدة قصيرة وترخي الجلباب،أما هي فتسابق الليالي والأيام للتخلص منهما،وتنتظر على أحر من الجمر للعيش بعيداً عنهما،حقاً اجتمع في ذلك المكان أكبر نقيضين،هي بتبرجها وسفورها،وتلك المرأة بحشمتها ووقارها،هي عندما جعلت من أدوات الحشمة عادة تتخلى عنها عندما تريد،وتلك الكندية التي اعتبرت تسربلها بتلك الثياب عبادة وأمر إلهي يجب أن ينفذ دون جدال.

دخلت حجرتها،لا زال يغط في نومه،خرجت من الحجرة على عجل،أبت قدماها الاستقرار في مكان محدد،كانت تفكر وهي في دوران مستمر،وكلما جالت البيت بأكمله عادت من جديد،لم تعد تصبر أكثر،ومثلما أحبت الحياة هنا بشغف قبل أيام،كرهتها بشدة هذا اليوم،وكما تاقت نفسها لخلع حجاب عزتها وكرامتها،هي الآن على نقيض ما كانت عليه،كانت تغالب دموعها،طال عليها الوقت وهي تنتظر استيقاظه،نزلت دموعها بالرغم منها غزيرة.

شعرت بشوق شديد إلى الماضي القريب،إلى الأهل،والأقارب،والصديقات،والزميلات،إلى كل من تعرفهم،دخلت حجرتها مرّة أخرى،أيقظته لتخبره برغبتها في العودة إلى عالمها السابق،وإلى بيت أهلها في أقرب وقت.


 

هيا الرشيد
  • الأسرة والمجتمع
  • الفكر والثقافة
  • القصص
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط