اطبع هذه الصفحة


تربية امرأة

هيا الرشيد

 
بسم الله الرحمن الرحيم


لم تكن تفكِّر كثيراً في أسلوب إخوتها للخلاص منها، وكانت تحاول قدر الإمكان استبعاد فكرة خداعهم لها من أجل علاقات اجتماعية بحتة، كانت كبش فداء في مجاملتهم لفلان وفلان، دخلت الحياة الزوجية لتعيش مع واقعها الأليم.. مخلوق غريب همه الطعام والشراب، نظراته شاردة لا يكاد يدرك من أمر الحياة شيئاً، ومع ذلك فتركيبته الغريبة استندت إلى قاعدة منبوذة من خلال عشقه للمال، وانزعاجه المُفرط من صرفه حتى ولو كان للضرورة القصوى.. وجدت في راتبها سنداً ومعيناً لها بعد الله في ظل أزمتها، ولكنها لم تجد لسَوْرات الغضب التي تجتاحه أي حل، اكتفت بإغلاق باب غرفتها على نفسها وطفليها إلى أن تهدأ الأوضاع، ومن ثم تخرج لمزاولة أعمالها المنزلية، ولسكب دموع المرارة والقهر التي لازمتها لسنوات طويلة..

لم تعد تفكر في نفسها، وبات تفكيرها منصباً حول مستقبل أبنائها فقط، كانت تستبعد تماماً فكرة هروبها من هذا الجحيم وتخليها عنهم، وكانت تشعر بالخوف من مجرد فكرة احتفاظه بصغارها يعانون البؤس والشقاء، ولم يتهادَ إلى فكرها أن تلجأ لغير مولاها؛ فالهم الأوحد لكل واحد من أقاربها نفسه وأولاده، فلم تجد من أحد معيناً لإنهاء مشكلتها وحماية أولادها.

في مساء ذلك اليوم اجتاحته الحالة الغريبة التي لم تكن تدرك كنهها، أدركت فقط أنها وأطفالها في خطر، استنجدت بأمها وشقيقاتها، حضرن لنجدتها برفقة سائق أجنبي، وقف للجميع بالمرصاد أمام البيت، وأصبح يلح في أخذ الصغار نكاية بها، أصابها الهلع من حالته وتصميمه على أخذهم في ذلك الوقت بالذات، اتصلت بأحد الأقارب، تريد ظل رجل يواجهه، أقبل قريبها بسيارته، وعندما رآه عن بعد انسل هارباً دون أن يواجهه بكلمة واحدة.

هربت إلى بيت أسرتها دون أن تحمل من حاجياتها شيئاً، حقيبة يدها فقط وطفلاها هم كُلُّ ما خرجت به من حياتها السابقة، وجراح لا يمكن أن تمحوها سنوات عمر بأكمله.

لم يطل الأخذ والرد بينها وبين أسرته، الأمور واضحة جلية، والأطفال هم محك الخلاف وحدهم دون سواهم، مساومات اتسمت بحقارة النظرة، ودونية اتشحت بها تلك الوساطات، لا مانع من قبله ولا من قبل أهله من احتضانها لهم، المهم أن لا تطالبهم بقرش واحد لأبنائها ما دامت على قيد الحياة.. ستكون الأم، وستشغل منصب الأب الذي تخلى عنه والدهم دون قيد أو شرط، وافقت على الفور، وشعرت بينها وبين نفسها بالانتصار والهزيمة في وقت واحد، انتصرت لحضانة أطفالها، وانهزمت لجور المجتمع الذي صاغ لها هذا الحل اللا إنساني، لم تأبه لذلك كثيراً، واستشعرت فرحة بقاء أبنائها معها طول العمر، ومرت الأيام بحلوها ومرّها وهي تتلمس الأوراق النقدية التي تحصل عليها آخر كل شهر من وظيفتها، وتحمد الله تعالى على هذه النعمة التي كانت بعد الله تعالى سبباً في حفظها لكرامتها وكرامة أبنائها بين أفراد المجتمع.

وصل صغارها إلى مرحلة دخولهم المدارس، وتتابعت السنوات والمراحل الدراسية عليهم عاماً بعد الآخر، وهي تدور في فلك خدمتهم والإنفاق عليهم ومتابعة دروسهم ومن ثم ملاحقة طلباتهم خارج المنزل، وأصعب لحظاتها كانت لدى مرافقتهم إلى قسم الطوارئ في المستشفى القريب مع ملازمة الواحد منهم لعدة ساعات عند حاجته لجرعات المغذي أو أخذ كمية من البخار لدى مداهمة نوبات الربو لصدره المتعب.

وعند استقرار الأمور يداهم الصغار صفو الحياة بشقاوة كان الجميع يراها شاذة، كان التوجيه، ومن ثم التأديب، ولا نتيجة تذكر، أطفال يحبون المرح، ولديهم دافع كبير للاستطلاع هنا وهناك، تريد أن يدرك أهلها أنهم أطفال، وتتمنى أن تصدر قناعة من لدن نفوسهم بمواصفات هذه الطفولة، ولكن الجميع وقفوا بالمرصاد للأهازيج التي تميزت بها تلك الطفولة، مرت الأيام، وطال الوقت، وعبث صغارها يجد حرباً شعواء من محيطها، سنوات وبيت أهلها دون أطفال، فجاء صغارها وقلبوا الموازين، شهور مرّت على تعاطف مع ظروفهم، ولكن الجميع الآن يراهم حملاً لابد من الخلاص منه، هروب آخر بأطفالها، وكلمة "تربية امرأة" ترن في ذهنها، تعود لدوامة الشقاء مع صغارها، وبيت صغير تأوي إليه برفقتهم، تتلفت يمنة ويسرة، وتحسب ألف حساب لنظرات المجتمع من حولها، تجرحها الهمسة، وتؤلم شعورها الإشارة، والصغار أصبحوا كباراً، وصلوا لسن المراهقة، معاناة من نوع آخر، وطلبات تهد الجبال، ومقارنات بالآخرين توقعها بضائقة مادية بين اليوم والآخر، تعاهد نفسها أن لا تمد يدها إلا لمن خلقها، وتأخذ عهداً على أبنائها أن لا يطلبوا من الآخرين شيئاً، وأن يتعلموا القناعة، وأساليب حفظ الكرامة والكبرياء.

تنصرم الأيام، وتنقضي الشهور، وتمر السنون، وتبدأ مرحلة نضجهم، وتصبح أيام الطفولة والمراهقة ذكريات يتندرون بها، وتبدأ في سباق مع الزمن، تريد أن تبرهن للمجتمع بأن تربية المرأة قد تنجح وتؤتي ثمارها، كما أن تربية الرجل قد تفشل إذا قدَّر الله تعالى عليها ذلك.

حاولت مراراً أن تطرد هذا الهاجس من نفسها، ولكن لتكرار الكلمة على مسامعها وقع مؤلم على نفسها، ترى الأولاد والبنات في مجتمعها يسيرون وفق أساليب مختلفة، وترى المجتمع يغض الطرف عن أحدهم إذا كان في أحضان والديه، ويدعون له بالهداية والصلاح، ويرددون بين الحين والآخر بأن والديه لم يقصروا أبداً، ولكن الهداية من الله، بينما تجد أن العيون مصوبة نحو النساء اللاتي انفردن بتربية الأبناء فقط، النساء اللاتي واجهن قسوة الحياة، وضيم الدهر، يجدن بالإضافة إلى كل معاناتهن دقة متناهية من خلال مراقبة أفراد المجتمع لهن ولأسلوب تربيتهن، فأي زلة أو هفوة تخرج من الأفواه جزافاً تلك الجملة الممجوجة التي تمقتها كثيراً "تربية امرأة"، فهي تفهم من إطلاقها أنها لا تستحق مجرد تصويب أو تلميح، فكم راعت لهذه الكلمة، وكم حسبت لها من حسابات في الماضي والحاضر، وكم ترقبت لنتائجها في المستقبل.

التحول الذي طرأ على أولادها في نهاية المرحلة الثانوية كان جذرياً، بدؤوا يتعاملون مع أنفسهم ومجتمعهم من خلال منطق ناضج، ازداد تفكيرهم في المستقبل، وتحولت أحاديثهم عن السابق، مخططات للمستقبل، ورؤى لملابسات قدراتهم، جد واجتهاد في هذه الفترة لتحصيل مجموع مشرِّف، وطموح لتخصصات معينة، تمر أيضاً تلك الأيام العصيبة كسابقاتها، ويتحور المستقبل أمام ناظريها، التحاقهم بتخصصات مشرفة رفع من معنوياتها كثيراً، وجعل نظرتها للمستقبل أكثر إشراقاً، وأكبر طموحاً، ويباغت هواجسها التوجه الإعلامي الهادف لابنها البكر، بعد التخرج بفترة قصيرة، يبدأ توهج العطاء، وتبدأ الأيادي البيضاء موسماً رائعاً مع إنتاج متلاحق، للإعلام لمسة سحرية جذابة، بدأت العيون تتفتح على هذا البرعم الذي قد نضج، وبدأ الاسم يرن على المستوى الأسري والاجتماعي، ظهر في أغلب القطاعات الإعلامية، وجعل لقدميه موطئاً في كل مكان، وقلمه الفياض بدأ ينساب أحلاماً وردية على أوراق ندية معطاءة، تواجده هنا وهناك أشبع نفسها المتعطشة للنجاح سعادة وحبوراً، وهواجس الماضي من جملة "تربية إمرأة" قد انسلت على استحياء إلى دهاليز الماضي الأليم، وحاولت جاهدة أن لا يكون لتلك الجملة المؤلمة وجود في حياتها ولا ذاكرتها التي أثخنتها جراح ظروفها السابقة.

 

هيا الرشيد
  • الأسرة والمجتمع
  • الفكر والثقافة
  • القصص
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط