اطبع هذه الصفحة


حلبة السباق

هيا الرشيد

 
بسم الله الرحمن الرحيم


صباح يوم جديد،ومشاعرها السابقة تزداد تلهباً، وهواجسها وهمومها ترتفع حدَّتها، ومشكلتها مع المقارنات تتنامى يوماً بعد يوم، تقارن شهادتها بشهادة أختها،والمستوى المادي لزوجها بمستوى زوج ابنة عمها، وحجم بيتها وأثاثها ببيت ابنة خالتها،ترى نفسها الأقل دائماً،تنظر للأخريات أنهن قد تقدمن عليها في هذه الحياة، لم تكمل دراستها الثانوية ولم تحظى بوظيفة وراتب ضخم كسائر النساء في مثل عمرها،لم تكن راضية عن نفسها عندما تراخت عن إتمام دراستها مع فترة حملها بأول أطفالها،كانت تعاهد نفسها أن تستكمل الدراسة في أول فرصة مناسبة، ولكن هذه الفرصة المناسبة لم تتيسر أبداً مع توافد صغارها الواحد تلو الآخر، والآن تعاني صراعاً نفسياً متمثلاً في لومها لذاتها على التفريط،كانت تلوم نفسها بشدة وصمت عندما ترى قريباتها اللاتي هن في مثل سنها قد أكملن الثانوية والتحقن بالجامعة بالرغم من وجود البيت والأطفال، وبعد فترة وجدت كلاً منهن وقد حظيت بوظيفة محترمة تساهم من خلالها في رفع مستواها المعيشي بالتعاون مع زوجها.

في كل مناسبة تزداد تصرفاتها حدَّة لقلة حيلتها، ومحدودية الراتب الذي يتقاضاه زوجها، تعرف أن إيجار البيت والفواتير تكون لهذا الراتب بالمرصاد كل شهر لتقتطع منه الجزء الأكبر، ومستلزمات الحياة الأخرى تتسابق على البقية الباقية منه لتحظى بنصيبها قبل نفاذه، قبل أن تفتح فمها بجملة تطلب فيها كانت ترى الوضع الصعب لتقسيم راتبه فتصمت، تعود إليها حالة المقارنة بالأخريات، وتتخيل لو أنها كانت معلمة كأختها أو إدارية كابنة عمها لكان الوضع أفضل بكثير، كانت ترى أنها بالوظيفة والراتب تستطيع أن تسد الثغرات الكبيرة في حياتها مع زوجها ،فكرت كثيراً بأن راتبه بالكاد يغطي الضروريات التي لابد منها، ولكن الكماليات التي تحلم بها كانت من واجبها لو كانت قد أكملت الدراسة وعملت كغيرها.

كان يشعر بها أحياناً ويتوقع ما يجول في ذهنها، بادرها ذات يوم بفكرة لجس نبضها من خلال عرضه لفكرة عمل مسائي آخر بعد دوامه الرسمي، رحبت بالفكرة وفرحت بها مع احتفاظها بشعور مؤرق بالأنانية وحب الذات، تتأمل حياتها فترى سكنها مناسباً، ولباسها وأطفالها متوسطاً،طعامهم كأغلبية الناس، هكذا تفكر عندما تشحذ همتها وتعقلها، ولكن حالتها مع المقارنات تباغتها على حين غرَّة وتحاصرها بشدة،فأطفالها بين جدران مدارس حكومية مزدحمة، وأطفال أقاربها في مدارس خاصة راقية، تتمنى أن تذهب مع أطفالها في رحلة بحرية جميلة أسوة بمن حولها، تتحسر عندما يأتي أطفال قريباتها بمشاهداتهم حول أسفارهم أمام صغارها، وتشعر بالألم عندما يطلب أحد أطفالها أن يتناول الطعام من مطعم كبير كغيره ولا تجد إمكانية لذلك، تشعر بأن مجتمعها قد غصَّ بالمظاهر وتجد نفسها مضطرة لمسايرة الواقع، تشعر بالأسى عندما ترى أن زوجها هو ضحية تطلُّعاتها، وأنه جهده ووقته هما كبش الفداء لتحقيق رغباتها، تحتار وهي ترى نفسها ممزقة بين أحاسيسها المتباينة، ورغباتها المتناقضة، تحاول أن تطرد الهواجس عن نفسها لتعيش حياتها طبيعية ولكن ما من فائدة تذكر.

جاء يوم جديد، وأحضر زوجها ورقة يتأمل من خلالها جرعة ناجحة لسعادتها، وظيفة مسائية في شركة كبيرة، لا وقت لراحته، ولا وقت لأولاده وأسرته، سيكون جلَّ وقته لتحقيق رغباتها في مسايرة الأخريات، والعيش في رفاهية مماثلة لما تتمتع به قريباتها وبعض صديقاتها، سألت بنهم عن الراتب، وجمعته مراراً مع راتب الوظيفة الأساسية، وأصبحت تعد حساباتها لأن تعيش رفاهية الأخريات، وأن تتخلص من شعورها بالدونية في المجتمع،ستعيش الحياة المرفهة التي طالماً طمحت إليها، تعد الأيام بفارغ الصبر، تريد المال لتستشعر شخصية طالماً حلمت بها،ولترى أطفالها في مستوىً باتت تتمناه لهم، زوجها يبادر في الصباح الباكر إلى عمله، ويعود قبل العصر ليأكل لقيمات على عجل استعداداً لانطلاقته الأخرى، يعود في الليل وقد أنهكه العمل المتواصل، وأحاله إلى شخص آخر، تراقبه بصمت، وتحدث نفسها برضاه عند استلام أول راتب لهذه الجهود، شعورها بتأنيب الضمير يواتيها في بعض اللحظات ولكنها تتصدى له داخلياً بإقناع نفسها بأنه لا مجال لها كامرأة للعمل مادامت لا تحمل شهادة جامعية على أقل تقدير.

جاء اليوم الذي انتظرته بفارغ الصبر، انتهى الشهر وحان وقت الحصاد، جاءت الفرصة التي كانت تعد الأيام والليالي لتعيش دقائقها، توفر المال لتحقيق الأحلام، احضر راتبه المسائي ووضعه بين يديها، كان يريد الخلاص من نظراتها التي طالماً اتهمته بالتقصير، يتمنى أن تنظر له بإجلال كنظرتها لزوج أختها وابنة عمها،يريد أن يثبت لها بأنه ليس بأقل من غيره، وأنه يستطيع مثل الآخرين، أما أسلوب هذه الاستطاعة، وطريقة تنفيذها فكان آخر ما فكر به، استلمت المال بفرح شديد، وبدأت عملية القسمة والطرح، شعرت بالإرهاق وهي تكرر تلك العمليات الحسابية، أحصت تطلعاتها وقسمت المال عليها،لم تنضبط العملية بالسرعة التي كانت تتوقعها،وضعت آمالها في الأشهر القليلة القادمة، ووضعت لكل بند من المصروفات قسطاً يغطي قيمته، جاء الشهر الثاني سريعاً واستلمت مبلغاً آخر، وجاء الثالث، والرابع، وهو يسلمها الراتب المسائي كاملاً، بدأت في تلبية رغباتها السابقة، وبدأت في تحقيق بعض متطلباتها، شعرت بأنها في حلبة سباق مع الأخريات، تشعر بتفوقهن وتريد أن تسبقهن، تضحك فيما بينها وبين نفسها، وتعرف أنها أقحمت نفسها والأخريات في سباق صامت، تدرك أيضاً أن لا أحد يعير لأفكارها أي اهتمام يذكر، وأنها الوحيدة في حلبة سباق تافه.

أشهر قليلة وتجد نفسها قد أصبحت في الوضع الذي كانت تتمناه، الوضع الذي طالماً حلمت به، تأخذ أطفالها كل صباح إلى المدرسة الخاصة التي يدرس بها أبناء أقاربها، وفي الظهر تعود لأخذهم مرَّة أخرى،شعرت بالتعب يجتاحها من هذا الواجب اليومي الذي ألزمت نفسها به، لم تكن تجرؤ أن تتفوه بحرف أمام زوجها، سيحتج عليها بقوله بأن هذه رغبتها، المدرسة الخاصة كثيرة المتطلبات، وزوجها مشغول في الصباح والمساء، اضطرت للاستعانة بسائق لتلبية احتياجات أبنائها للمدرسة وغيرها، انشغلت تماماً خارج المنزل، بدأت تعيش دوامة الخروج وتعارضها مع أعمالها المنزلية، الخادمة كانت الحل الوحيد في نظرها في تلك الفترة بالذات،لم يناقشها ولم يعترض، جلبت الخادمة لتعيش دوامة أخرى،لم تكن قد وضعت في حساباتها المشاكل التي قد تعترضها جراء إحضار خادمة وسائق، الخادمة تقوم مقامها في الأعمال المنزلية، والسائق صار بمثابة الأب البديل لأطفالها، الدوامة الجديدة كادت تفقدها صوابها،كانت تحاول أن تستشعر السعادة التي كانت تنشدها؛لكنها لم تجد شيئاً من ذلك، كانت تستجر أحلامها السابقة، تقارن ماضيها بحاضرها، حصلت على كل مظهر اجتماعي كانت تحلم به، التحق أبناؤها بمدارس خاصة راقية، جلبت الخادمة، أحضرت السائق،تغير المنزل والأثاث،تغير مستواها المعيشي،ارتدت أزياء راقية، ولكن حاضرها تغير أيضاً من نواحٍ أخرى تستشعرها أيضاً، إنها تفتقد زوجها كثيراً، تشعر بالحنين للمساته الحانية تجاه أطفالها، تشعر بالأسى عند تذكرها لتلك الأيام التي كان يخرج فيها صباحاً لتوصيل أبنائه للمدرسة الحكومية القريبة،كانت تبقى مع الصغار لتقوم بمهامها الأخرى دون عناء،وكانت لا تخرج إلا للزيارة أو التسوق، أما الآن فهي تخرج مضطرة للوفاء بالتزام معين، تشعر بالتعب والملل يداهمانها في وقت واحد،وتشعر بعدم الرضا وقد بدأ يعكر صفو حياتها،لا شعورياً تذكرت الراحة التي تتمتع بها أختها،واستحضرت حياة ابنة عمها، وقارنت بين ظروفها وظروف ابنة خالتها، وهكذا استحضرت شريط مقارناتها السابق، وبدأت تقارن بصمت بينها وبين الأخريات، عندما شعرت بوصولها لتلك المرحلة، بالرغم من تضحيات زوجها؛ شعرت أن هناك خطأً ما، ولكنها أدركت في نفس الوقت أن هذا الخطأ لا يتعلق مطلقاً بالظروف، ولكنه متعلق بتركيبة شخصيتها، وأسلوب تفكيرها.

 

هيا الرشيد
  • الأسرة والمجتمع
  • الفكر والثقافة
  • القصص
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط