اطبع هذه الصفحة


خطوات شيطانية!!

هيا الرشيد

 
بسم الله الرحمن الرحيم


حلمت بالحب كثيراً.. وأطلقت لخيالها العنان.. عوادم الفن الهابط تنفث في مخيلتها كثيراً من الصور الرومانسية بالرغم من بوادر التزام غلَّفت حياتها في الفترة الأخيرة.. زواج كان في نظرها تقليدياً.. لم تشعر تجاه زوجها بأي شعور تمنته فيما مضى.. كانت ترى نفسها حبيسة أربعة جدران لخدمته.. تساوى ليلها بنهارها.. وأعمالها روتينية تنجزها أولا بأول.. قتلها الملل وقتل بقايا طموح سكن ذاتها.. تذمرت.. اشتكت.. لم تجد حلاً لمشكلتها.. ولا حداً لروتين حياتها القاتل.. قلبها متعطش للحب.. للرومانسية.. للعواطف المتأججة.. داخلها يرفض جمود الصخر الذي طبع حياتها.

كانت تتأمله.. زوج جاد.. يكدح في سبيل لقمة العيش ليل نهار.. إنه يشبه والدها وجدها.. تريد أن تعيش السعادة كما عاشها أبطال عشرات الأفلام التي شاهدتها في الماضي.. تريد منه أن يمسك بيدها.. ويحلق معها نحو القمر والنجوم.. تريد مكاناً ساحلياً يناجيها فيه كعاشق ولهان.. وحبيب تمكن الحب من حنايا قلبه.. لا تريد أن تحدثه في أمرها.. ولا تستجديه الحب الذي تحتاج.. تتمنى أن ينهال عليها ما تصبو إليه عفوياً دون تكلف.. تسمع بفلان الذي يحب زوجته، وفلانة التي تعشق زوجها.. تتمنى أن تعيش هذا الشعور ولكن...... ولكنها شعرت بفوات الأوان أن تعيشه مع هذا الزوج التمثالي.

كالعادة.. شكوى صامتة سرعان ما تحولت إلى بركان ثائر.. صديقتها تملي عليها باستشارة، وشقيقتها توصيها بالصبر، وصراعها النفسي يؤكد عليها الخلاص من ذلك في أسرع وقت ممكن.. تبادرت إلى ذهنها نصائح الصديقة.. تعلم الحاسب في أقرب معهد خاص.. لم تتعلم؟ وما الهدف؟ لا يهم ذلك.. اهتمت بالخروج من سجنها فقط.. تريد الانطلاق.. تريد الاختلاط.. ولا بأس في تعلم شيء ما وإن لم يكن هدفا رئيسا لديها.

ذهبت لأيام عدة، كسرت خلالها الحاجز الروتيني.. سعادة وقتية تحسرت على انقضاءها، ولكنها عرفت جيداً كيف تتعامل مع تقنية العصر.. قررت أن تطالبه بجهاز تشغل فيه وقت فراغها.. أحضر الجهاز على مضض؛ فإمكانياته المادية للسنة الأولى من الزواج كانت صعبة للغاية.. مضى أسبوع.. وبعده أسبوعان، وعادت إليها حالة الملل القاتل.. لم تكن تعرف كيف تمضي ساعات فراغها؟!

مقترحات إحدى الصديقات:

(ما دمت قد تعلمت للحاسب فادخلي الشبكة لطرد هذا الملل، ولقضاء أوقات جميلة وممتعة.

أخبرتها بما تحويه الشبكة.. وذكرت لها إمكانية الدعوة إلى الله من خلالها.. والتزود من العلم الشرعي.. كما أخبرتها عن مواقع المرأة وما يخصها من مطبخ وزينة وتنظيم للمنزل.

الشبكة.. الإنترنت.. مصطلحات جديدة وغريبة على قاموس حياتها، ولكنها تجربة جديدة ولا بأس في خوضها.. كعادتها انهالت عليه بمطالبها.. عارض بضعة أيام.. حذره الرفاق من التكلفة المادية وأشياء أخرى، ولكنه تنازل أمام إلحاحها.. بدأت تتلمس طريقها نحو الشبكة العنكبوتية.. ذلك العالم المجهول.. صديقتها الوفية لم تكن تقصر معها.. ولم تكن تدخر جهداً ولا وقتاً في تعليمها.. أيام قلائل وقد دارت من خلال حاسوبها العالم بأكمله.. أعجبتها اللعبة.. وبدأ حب عالم الإنترنت يتغلغل في أعماقها.

بدأت ساعات يومها تمضي سريعة.. خفَّت حدة الشكوى لديها كثيراً.. سرقتها الشبكة من كثير من أعمالها المنزلية، وكثيراً ما تؤجل أعمالها من يومها للذي يليه.. بدأ زوجها يلاحظ تقصيرها.. لم يكترث، ولم يناقشها في تلك التغيرات.. كان يشعر بأن عدم شكواها مكسب كبير.. وعدم شعورها بالملل حل جذري لما كان يعانيه منها.

مرََّت الأيام، وإدمانها للشبكة يزداد يوماً بعد يوم.. وبدأت نوعية إطلاعها تتهاوى يوماً بعد يوم.. في البداية أخبار العالم الإسلامي وكثير من أمور الدين، وبعدها المواقع النسائية بمحاورها المتعددة من مطبخ وجمال وأزياء، وبعدها حدَّثت نفسها بأنه لا بأس في بعض المتعة مع أخبار الفنانين وأهل الطرب.. بدأت تستكشف أكثر، وبدأت تتعلم أكثر.. وعندما تقع عينها على مصطلح جديد تسارع بالاتصال على صديقتها.. وجدت ساحات للحوار، ومنتديات للنقاش، وبريدا إلكترونيا.. تنهدت وحدَّثت نفسها بجمال هذا العالم وروعته.. قرأت في المنتديات عن غرف المحادثة.. الماسنجر.. البالتوك.. لم تتصل بصديقتها الوفية.. وضعت سؤالاً على الفور في أحد المنتديات.. جاءتها الإجابة خلال دقائق.. بحث.. تحميل.. محاولات.. ومن ثم دخلت ما يسمى بـ (الدردشة).

عبثت بالأزرار قليلاً.. كتبت اسماً مستعاراً.. دخلت إلى غرفة المحادثة.. أسماء كثيرة.. منها العادي ومنها ما يخدش الحياء.. خطوط صفراء عليها عبارات ترحيب غريبة- أهلاً بالقمر- ممكن خاص-.. عبثت مرة أخرى.. كتبت ولم تنظر طويلاً.. وجدت ما كتبته ماثلاً أمامها على الفور.. بدأت ترسل عبارات تجربة تافهة.. تجاري تفاهة هذا العالم الذي وجدت نفسها فيه.. خاص!! ممكن!! تساءلت عن الطريقة.. رد فوري لم يستغرق بضع ثوان.. وجدت نفسها مع المجهول في غرفة محادثة خاصة.. مجهول ولكنها حدَّثت نفسها بلا بأس.. تسلية وقتية ومن ثم كل منهما يذهب إلى حال سبيله.

في الغد ولحظة خروج زوجها أسرعت لدخول الشبكة.. أسرعت بلهفة تبحث عن عالم الأمس.. تبحث عن محادثها ليلة الأمس.. استعرضت الأسماء.. لم يكن بينهم.. إشارات صفراء من رفاق آخرين يطلبون الخاص.. خاضت التجربة مع مجهول آخر.. تجربة أجمل من سابقتها.. طلب أرقاماً ولكنها رفضت.. طلب البريد الإلكتروني.. وعدته فيما بعد.. تحدثا طويلاًً.. أخذتها ساعات طوال في أحاديث شتى.. كانت بالأمس مهذبة بعض الشيء.. ذهب عالم الإنترنت اليوم ببعض حيائها.. جاء الغد سريعاً.. فتحت موقع المحادثة على الفور.. ذهب عن بالها ما كانت تهدف إليه من طلب الشبكة.. لم تعد تبحث في أحوال الأمة، ولم تعد تتابع أخبار المسلمين.. تركت المواقع النسائية.. أخذ بلبها عالم المحادثة الإنترنتية.

ترددت على مواقع معينة، وصار حديثها مع أناس بعينهم.. تمادت في الحديث معهم.. وكان لجرأة كل منهم أثر في أسلوبها، ودافع لها للتخلي عن كثير من مبادئها.. صارت تشتاق إليهم، وتضيق ذرعاً بمجيء زوجها.. وجدت في هذا العالم الجديد بغيتها.. وجدت ما يملأ عليها حياتها، ويشبع جوعها العاطفي.. استمعت إلى رقيق الكلمات، وجميل الهمسات، وانتقلت من خلال ذلك إلى عالم آخر له نشوة لم تعهدها من قبل.. كان لرفاق الشبكة تصنيف عددي لديها.. فهناك من هو أساس، وهناك من يكون على قائمة الانتظار.. وللأساس أكبر تأثير على مستوى تفكيرها وأسلوب تعاملها.

تعمقت العلاقة مع أحدهم، ودعاها للماسنجر.. لم تكن تعرف لذلك فأبدى كامل الاستعداد لتعليمها.. حمَّلت البرنامج، وزودها بحساب عمله خصيصاً من أجلها.. الماسنجر أجمل، وفيه كثير من الحرية، وله سرعة كانت تتوق إليها، بالإضافة إلى فرحتها التي تكاد لا توصف بتلك الصور والأفلام التي كثيراً ما يزودها بها.. متعة عاشتها في تلك الفترة.. وكلمات كان لها مفعول السحر على عقلها.. وفي ذلك اليوم أبدى لها كل حب وود، وأعطاها عربون ثقته فيها.. أرسل لها صورته.. كان أجمل من زوجها كثيراً، ووقعت صورته في قلبها أجمل موقع.. بدأت تتمتع بالعواطف التي حلمت بها، وبدأ لسانها فيَّاضاً بكلمات الحب والإعجاب.. كم طربت عيناها لقراءة تلك الحروف والكلمات العذبة، وتمايلت أعضاء جسدها فخراً وخيلاء بذلك.

تركت رفاق المستوى الثاني، وركزت على رفيقها صاحب الصورة الجميلة والكلمات المعسولة.. أصبحت تقضي الساعات معه، ومن خلال الماسنجر كانت تثق في إيجاده كلما سنحت لها الفرصة.. جاء الدور عليها لإرسال صورتها.. رفضت ذلك خوفاً من تلقي آخرين صورتها، أما هو فقد كان بالنسبة لها فوق الشبهات.. إذاً ليكن الصوت بديلاً.. شرح لها طريقة المحادثة بالصوت.. لكنها لم تفلح.. معلوماتها لا زالت ركيكة وبدائية في هذا المجال.. إذاً ليكن الهاتف.. هكذا حدَّثها..

قطع على نفسه أغلظ الأيمان، وأقسم بأنه غير أولئك الذئاب، وأن حبه لها فوق أي شيء آخر..، وأن مصلحتها تهمه كثيراً.. للصوت طعم آخر.. وللهمسات متعة أخرى لا تجاريها أية قراءة لحروف.. أخذت عليه عهداً أن لا يتصل إلا في الأوقات التي تحددها هي.. أوقات خروج زوجها لعمله.. وافق على الفور.. كان يتلقى طلباتها كحمل وديع، ويذعن لأوامرها دون نقاش.. للاتصال الأول رهبة هزَّت أوصالها.. وبعده شوق عصف بكيانها.. تنتظر خروج زوجها على أحر من الجمر، وتطرب أذنيها بكلام حبيبها المعسول.. مكالمة بعد أخرى، ويطالب بالمزيد...

كيف؟؟ لا....... هكذا حدَّثت نفسها.

لم يهددها كالذئاب، ولم يتلاعب بأعصابها، وكان يردد بين حين وآخر:

أنت وشأنك... كما تريدين... لا أحب أن أثقل عليك...

كان بالنسبة لها مختلفا عن كل من سمعت بهم.. لم يهددها بصور ولا تسجيل لمكالماتها الهاتفية.. إنه حبها الحقيقي الذي بحثت عنه طويلاَ- قالت ذلك في نفسها -.

بين حين وآخر يبدأ تلميحه بالمزيد.. خروج فقط ونزهة بريئة بالسيارة.. وفي الوقت الذي تحدده هي لا هو.. لم تأخذ وقتاً طويلاً في التفكير.. أبدت موافقتها.. فرح لقرارها كثيراً.. أخبرت زوجها بأنها ستخرج للتبضع برفقة صديقتها.. لم يمانع فبدأت تجربتها الفريدة.. ارتدت ثياباً جميلة، وحرصت على نظافتها، ووضعت عطراً جميلاً فوّّاحاً يسلب الألباب.. كاد قلبها أن يقفز من بين ضلوعها وهي تركب سيارته.. جلست بجانبه.. وحانت منها التفاتة إلى وجهه.. وسامة تمتزج بالرجولة.. جاذبية لا حدود لها.. تراقص قلبها طرباً لأسلوبه المهذب.. استمعت بغنج لكلامه المعسول.. امتدت يده لتقع على يدها فلم تمانع.. كانت تسأل نفسها فقط:

لماذا لا تشعر بكل هذه المشاعر مع زوجها؟؟

هل هو البرود؟؟ أم جلافة الرجل الصحراوي التي لزوجها منها أكبر النصيب؟؟

ضاعت المفاهيم من قاموس لحظاتها الجميلة.. لم تقل الهوى، ولم تذكر الشيطان.. تذكرت فقط فروقات ومواصفات للحبيب قد زينها لها شيطانها.

صدق في وعده، وأعادها للبيت، واتفقا على موعد آخر.. كانت الآمرة الناهية فيما مضى.. أما الآن فقد ارتضت بدور الحمل الوديع.. ومع ذلك لم يكشر عن أنيابه، ولم يجرح إحساسها يوماً بشيء يذكر.. كان يوحي لها بأن السيارة تحد كثيراً من حريتهما، ومقود السيارة يحرمه من التمتع بجمال وجهها وسحر عينيها.. الشوارع تعج بالمقاهي ومطاعم الوجبات السريعة.. ولن ينتبه لهما أحد، فغالباً ما تمتلئ هذه الأماكن بالناس.. جربت ذلك للمرة الأولى.. تناولا مشروباً وتبادلا الكلام.. خفة دمه أعطت لجلستهما طعماً غريباً، ومزاحه أعطاها جرعات لا محدودة من السعادة.

في ذلك اليوم أخبرها زوجها بأن عمله قد يمتد إلى المساء.. سألها إن كانت تريد منه أن يأخذها إلى بيت أهلها.. أخبرته بأن لديها أعمالاً منزلية، ومن ثم قد يأتي سائق صديقتها ليأخذها للسوق.. استعدت ليوم طويل وكامل مع حبها الوحيد.. تركت له رسالة جوال تفاجئه بتفرغها هذا اليوم له.. منَّت نفسها بيوم مختلف عن سائر الأيام السابقة، وتخيلت نفسها فتاة في مسلسل مكسيكي شائق.. إنها صغيرة في السن، ولا بأس في بعض المتعة والمرح، وعند الملل يذهب كل منهما إلى حال سبيله.. لم تكد تنهي زينتها وزخات عطرها حتى هاتفها.. أخبرها أن المكان اليوم سيكون مختلفاً.. سيكون هناك خصوصية تامة للقائهما، وسيبتعد بحبهما بعيداً عن أعين الناس.. سألته:

أفي شقتك؟؟

قال:

لا...

- إذن أين؟؟

- لتكن مفاجأة يومنا.

خرجت معه، وتنازع مشاعرها هواجس متباينة، وتذكرت الخصوصية، والبعد عن أعين الناس.. شعرت بمتعة لقائه.. وتوجست مما هي مقدمة عليه.. حاولت طرد ما اعتقدت بأنه وساوس، ولكنها عبثاً تحاول.. شعر بقلقها.. واستخدم قاموسه اللغوي في تهدئة مخاوفها.. حدثها عن حبه لها، وتعلقه بها، وصدق مشاعره.. كان يستشيرها في المضي أو العودة.. استجمعت شجاعتها وأومأت له أن يمضي.. يمضي بها نحو المجهول.. مجهول كشخصه عندما تحسست مكانه في الشبكة العنكبوتية.. طال الطريق، وعرج بالسيارة على حين غرة، وإذا بها أمام سور هالها طوله.. باب ضخم يفتح إلكترونياً.. دلفت السيارة إلى استراحة كبيرة، بل أشبه ما تكون بالمزرعة.. أشجار وارفة تملأ المكان.. وأنواع الزهور تحيط الجوانب.. المكان أشبه بحديقة قصر أسطوري.. المكان نظيف للغاية، ولا صوت إلا حفيف أوراق الشجر، وخرير مياه تنساب على بعد.

اقترب منها.. ابتعدت لا إرادياً.. أمسك بيدها وتوجه بها إلى مبنى يقع في وسط هذا المكان.. شعرت بخوف يكتسح أعماقها، وتحسست يده وكأنها يد متوحشة تريد أن تنقض عليها.. ارتبكت لدى دخولها المبنى الجميل.. سحر المكان وفخامته لم يهدئا من قلقها.. تعالت نبضات قلبها، وعلا صدرها وهبط بسرعة تبعاً لأنفاسها المتلاحقة.. نظر إليها مبتسماً ولكن ابتسامتها غاضت بين ثنايا رهبة شعرت بها.. أمسك بيدها مرَّة أخرى، ودار بها بين مرافق هذا المكان الجميل.. بيت غاية في الفخامة مكون من دور واحد.. نوافذه كبيرة تطل على حدائق غنَّاء من عدة جهات.. الجهة الخلفية فقط تطل على حوض للسباحة.. لم يتبدد خوفها.. اقترب منها.. أعاد عليها كلماته الجميلة النابضة بالحب.. ورمقها بنظرات حانية.. لم تجد وقعاً لأي شيء هذه المرَّة.. تريد الخلاص.. تود الفرار على عجل.. طلبت منه أن يعيدها.. أخبرته بارتباكها، وأخبرته بأنها قد تستعيد سكونها في المرَّة القادمة.

نظرت إليه.. أمعنت النظر في عينيه.. اختفى ذلك الوميض الحاني، وتغيرت نبرة صوته.. صعقها لدى إصرارها بكلمة نابية.. تتابعت الألفاظ السوقية تلسع مسامعها.. هالها ما ترى، وأسقط في يدها.. حاولت إقناعه ولكن هيهات بعد أن وقعت في الشباك.. حاولت الفرار ولكن أنى لها ذلك وهي تحمل عجز الأنثى وضعفها أمام رجل تضج أعضاء جسده فتوة وقوة؟!! بكت وتذللت ولكنه لم يرع سمعه لما تقول.. براكين الألم والندم تفجَّرت داخل أعماقها، وتجمعت صور شتى أمامها.. العار.. العار.. فعاجلها بضحكة استهتار:

- عار ماذا؟؟ لن يعلم أحد.

ردت عليه بقولها:

إذاً هي النار..

قال:

لقد قدمت إليها بقدميك.. حضرت بملء إرادتك.

تذكَّرت زوجها الذي يكد ويكدح في سبيل لقمة عيش نظيفة.. تذكرت والدها ووالدتها وملازمتهما لكتاب الله تعالى.. تذكرت شقيقتيها وصلاحهما، وتذكرت شقيقها الوحيد الذي أخذه الحماس للإصلاح والدعوة.. تأملت حقارة موقعها هذه اللحظة.. وتيقنت أن العار الذي ستجلبه لذاتها لن يمحوه ندم عشرات السنين.. تعيش في أسرة كريمة.. لم تتخيل يوماً أن تثلم شرف العائلة بحماقتها.. لم تتصور أبداً أن يحرز الشيطان نصراً مؤزراً على أكتافها.. تهجد صوتها وأجهشت في البكاء.. ذكَّرته ببدايات ما يسمى بالحب، وذكَّرته بوعوده لها.. انتهرها بشدة.. وأقبل إليها بوحشية لم تعهدها.. هربت منه وهي تصرخ.. فرصتها الأخيرة للإبقاء على آدميتها.. فرصة أخيرة لتحتفظ ببقايا إنسانيتها.. لم تكن تتخيل لقب الزانية يلتصق بها.. حتى ولو كان اللقب طي الكتمان، ستطلقه بنفسها على نفسها.. هربت من العار.. تحاول الفرار من النار.. تريد الهرب.. تريد أن تمنح نفسها فرصة جديدة.. تريد أن تفتح مع ذاتها صفحة جديدة بيضاء.. تريد أن تفخر بذاتها الشريفة، وإنسانيتها العفيفة.

قاومت رغبته المتأججة.. فرَّت يميناً وشمالاً.. أدركت أنها واقعة بين براثنه لا محالة.. وقفت على قدميها.. نظرة سريعة في المكان.. جالت بعينيها تبحث عن أداة للذود عن عفتها.. تريد أن تلعب بآخر ورقة لإنقاذ شرفها.. آنية من الخزف تزدان بورود صناعية.. وضعت بعناية على منضدة جانبية.. انتزعتها على عجل.. فوجئ بحركتها وأقبل مصمماً على النيل منها.. هوت بتلك الآنية على رأسه.. فوقع مضرجاً بدمائه دون حراك.


 

هيا الرشيد
  • الأسرة والمجتمع
  • الفكر والثقافة
  • القصص
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط