اطبع هذه الصفحة


سابع بنت!

هيا الرشيد

 
بسم الله الرحمن الرحيم


لم تكن تتوقع يوماً أن تجد نفسها في هذا الموقف، ولم يكن حزنها لفراق والدة زوجها كحزنها على غشاوة أصابت بصيرتها قبل سنوات طويلة، شعرت بالألم يعتصر أعماقها عندما شاهدت ابنتها الصغرى تجول حجرات المنزل بحثاً عن جدتها، هي أصغر بناتها ولكنها لم تعد طفلة كالسابق، فقد التحقت هذا العام بإحدى الجامعات، كانت نظراتها ودموعها توحي لابنتها بالمصاب، لقد انتقلت الجدة إلى رحمة الله فجر هذا اليوم، كانت ابنتها آخر من رآها في الليل، فقد كانت كعادتها تستلم العناية بالجدة للفترة المسائية، لم يكن واجباً فرضه والداها بل واجباً ألزمت نفسها به حباً لجدتها، أدركت ما حدث ولم تلقِ مزيداً من الأسئلة، وشيعت والدتها بنظراتها الحزينة وصعدت إلى حجرتها.

عاد الأب قرابة الظهر وهو يهاتف أخوته وبعض قرابته لإخبارهم بموعد الصلاة عليها وإجراءات دفنها، وابنه البكر قد أمسك بجواله الخاص يرسل لبعض أقاربهم لإعلامهم بالموعد، يوم حزين وثقيل مرَّ عليهم وكأنه دهر، والأم تجلس في صدر البهو الكبير للمنزل، تستقبل أفواجاً من النساء، عينها لم تكد تنزل عن سلالم المنزل، تنتظر أن ترى صغرى بناتها وهي قادمة إليهم، طال انتظارها والجميع في حركة دائبة إلا ابنتها فلم يكن لها أي وجود، كانت تشعر بالحرج أن تصعد لترى ابنتها وتترك هؤلاء النسوة اللاتي قد أتين للتعزية، وكانت تشير بين الحين والآخر لبعض بناتها أو زوجات أبنائها للاطمئنان على ابنتها الصغيرة.

هذا الموقف جعلها تراجع نفسها وهي تدافع الغصص التي ألجمت لسانها لموقفها السابق من ابنتها، ليس موقفها فحسب؛ بل موقف جميع أفراد العائلة ومن بينهم الجدة، فهي تتذكر دائماً فرحتها لدى إنجابها لكبرى بناتها، وتتذكر أيضاً عندما أنجبت ابنتها الثانية كيف فرحت بها لتؤنس وحدة شقيقتها، أما الابنة الثالثة فكان الوضع عادياً ولكنها وجدت في نفسها خوفاً من أن تكون ذريتها من البنات فقط، كانت نظراتها تتلاقى مع نظرات زوجها ولكنهما يلوذان بالصمت، ولكنها استشعرت في عينيه عدم الرضا والقناعة، الابنة الرابعة كانت الأصعب، وكان الموقف تجاهها ينذر بكارثة، وأصدقاء الأب يداهمون محاولاته لإقناع نفسه بكلمات هي أقرب للعزاء من التهنئة، مرت الأيام سريعة لتدخل الفرحة بيتهم بقدوم أول أبنائها، ومع الابن الثاني تجددت الفرحة، وأكثرت من الدعاء ليأتي الثالث والرابع قريباً، وكانت تتوجس من عودتها إلى إنجاب البنات وكأن ذلك مرهون بها، والزوج يحدثها دائماً عن الوافد الجديد، ولم يخطئ يوماً بأن ذكر أنها وافدة، كانت تشعر بأنه لا يريد أن يتحمل استقبال مزيد من البنات، وكانت تجاريه في شعورها خوفاً من ردة فعله.

أربع بنات وولدان وتكون المفاجأة في مساء يوم شديد البرودة بابنة جديدة، هي الابنة الخامسة بين شقيقاتها، شعرت بأنها تسابق الزمن، تريد الأولاد الذكور قبل أن تبلغ سن اليأس، لقد تعدت الأربعين من العمر، وكانت تعتقد أن العدد الحقيقي للإنجاب هو في تعداد الذكور فقط، أما الإناث فكانت تنظر إليهن بمضض وإشفاق في الوقت نفسه، وتشعر بأنهن مجرد تحصيل حاصل، ولن يكون لهن أي أثر في حياتها، وشعرت بمزيد من الألم عندما أنجبت ابنتها السادسة، وازدادت حالتها النفسية سوءاً وهي تعد على أصابع يدها أبناء أختها الذكور، أو أبناء شقيقة زوجها، أو أي امرأة أخرى من أقاربها أو حتى جيرانها، لم تجد من زوجها أي مراعاة نفسية، وكان خيالها ينقلها إلى حيث تكره، تخيلت أنها تتوقف عن الإنجاب، وتخيلت أيضاً أن زوجها يبحث عن زوجة أخرى تنجب له الأولاد، خيالات متعبة وواسعة أرهقت فكرها ونفسها، كانت تسأل نفسها هل تنجب المزيد أم أنها قد وصلت العمر الذي يتعذر معه الإنجاب، تذكرت إحدى قريباتها التي توقفت قبل هذا السن، وتذكرت أخرى قد أنجبت إلى سن الخمسين، مرة تبتسم وتستشعر الأمل ومرة تشتعل نار اليأس بين جنبات نفسها المحطمة، ومن أعماق هواجسها ينتشلها الأمل مرة أخرى بعد شعورها ببوادر حمل جديد، لعلة الولد الذي طال انتظارها له، فلا تكاد تحتمل فكرة أن يكون لديها ابنة سابعة وولدان فقط، مرَّت الشهور بطيئة، وعانت من خلالها كثيراً، وجاءت المفاجأة التي رأتها قاسية للغاية، طفلة كأنها البدر، بريئة تتلمس الحنان، جفاء في استقبالها من الجميع، الأم تريد الولد، الأب يريده كذلك، ابناها يريدان أخاً ثالثاً لهما، بناتها يردن أخاً صغيراً، والجدة أيضاً كان لها نصيب من التطلعات، تريد حفيداً وليس حفيدة.

عادت إلى البيت بعد يومين، تحمل الصغيرة بين ذراعيها، تراعيها وتعتني بها، وبينها وبين نفسها تشعر بأنها تلومها، تعتقد في قرارة نفسها أن هذه الصغيرة غير مُرحب بها من قبل أي أحد، لم تجد مداعبة أو ملاطفة ممن حولها، صغيرة وبريئة ولم تكن تشعر بما يدور حولها، مرت الأيام رتيبة ومملة، والجدة تذكرها بأن هذه الطفلة مختلفة عن إخوتها، شعرت بهدوء لم تعتاده من الصغار من قبل، وبدأت ملامح الصغيرة تتضح، وجمال طفولي بدأت معالمه بالظهور، مرت الأيام والشهور، وبدأ الجميع في ملاحظة تميز غريب في هذه الصغيرة، لطفها في التعامل أثار استغراب من حولها، وتوددها إلى جدتها المسنة أشعل جذوة الندم في نفوس الجميع، دخلت المدرسة وحصلت على أعلى المستويات في مراحل دراستها الأولية، وشيئاً فشيئاً بدأت تفرض لنفسها مكانة لدى الجميع، تلك الذكرى السيئة لمولدها لم تكن تغب عن بال الجميع، ولكن كان للمسات الحانية التي تبادرهم بها رأي آخر، مرَّت سنوات على مولدها، وها هي الأم قد توقفت عن الإنجاب، وفي نفس كل من أفراد الأسرة بقايا لوم لمقدمها، يشعرون بأنها قد أضاعت عليهم فرصة ذهبية لاستقبال ولد جديد.

كانت في سن الطفولة، وشقيقاها في طور المراهقة، وشقيقاتها في أعمار مختلفة، وكانت معاناة الأسرة على أشدها من الجميع، تتذكر الأم جيداً تلك الفترة القاسية التي عانت خلالها من ابنيها، وتذكرت بألم أسفار والدهما المتكررة للعمل وبقاءها وحيدة تصارع ظروفاً قاسية يزيد من قسوتها حدَّة طباع أولادها في ذلك السن الحرج، وعندما تحتدم الخلافات بينها وبينهم تفر بناتها إلى حجراتهن وتبقى في بهو المنزل لتعطي نفسها فرصة للاسترسال في نوبة بكاء حارة، تتلفت يميناً وشمالاً فلا تجد إلا صغيرتها أمامها، تهدهد سورة غضبها، وتخفف من ألمها، وببراءة طفولية تعاجل دموعها بمسحة منديل ورقي، وعندما يهدأ الوضع تقفز صغيرتها فرحاً وتتسارع خطواتها الصغيرة لإحضار كوب من الماء البارد، تتناوله منها بصمت، وتتفحص أرجاء المنزل الكبير، جميعهم فروا من حولها، حتى الجدة لا تكاد تتحمل منظر خصامها مع أولادها، وكثيراً ما تحثها على إعطائهم ما يريدون من المال لتتخلص منهم.

كبروا جميعاً، وذهبوا إلى حياتهم الخاصة، وخلا البيت الكبير منهم، وبقيت الجدة والأم والأب والابنة الصغيرة التي أصبحت في السنة الأولى من الجامعة، استمرت كسابق عهدها، زهرة ندية فواحة في صحراء المشاغل الحياتية، من بداية طفولتها والابتسامة لا تكاد تفارقها، قناعتها بما تحصل عليه تثير استغراب الجميع، وجدتها عندما شعرت بالإعياء في آخر حياتها كانت لا تستطيع الاستغناء عنها، لا تثق بغيرها لمناولتها جرعة الدواء، وترتاح لحديثها، وتستمتع كثيراً عندما تبادر إلى كتاب تقرأ تفاصيله على مسمع منها، الضيوف الذين يحضرون للزيارة كذلك، بدؤوا يشعرون بأهميتها في هذا البيت، وكانوا لا يهنأ لهم جلوس إلا عندما تبادر إلى استقبالهم وتبادل الأحاديث معهم، والداها كانا كثيرا المقارنة بينها وبين أخوتها وكذلك أخواتها الأكبر سناً، تغير اعتقادهما السابق حول جنس المولود كثيراً، أدركا تماماً أنهما وقعا في خطأ كبير، فقد وجدا فيها ما لم يجداه في أخوتها، ووجدا منها تعاملا لم يكونا ليحصلا عليه مسبقاً، تتذكر الأم لحظة ولادتها، وتشعر بالألم لامتعاضها السابق عندما علمت بأنها أنثى.

تذكرت الليالي القليلة الماضية عندما كانت ابنتها تصر عليها أن تذهب للراحة والنوم بينما تقوم برعاية الجدة إلى ما قبل الفجر بقليل، وتذكرت الأمس عندما صعدت إلى حجرتها واستلمت بدلاً منها، تذكرت وفاة الجدة والهم الذي اجتاحها لمعرفتها بتعلق ابنتها بها، تكاد لا تنسى لحظة واحدة طفولة صغيرتها الهادئة، وأثرها في إيجاد جو من الألفة والمحبة في المنزل، ومسارعتها لخدمة الصغير والكبير، وإيثارها دائماً للآخرين على نفسها، قارنتها مجدداً بأخويها اللذين عانت منهما كثيراً، وقارنتها كذلك بشقيقاتها اللاتي لم تكد ترتاح من مشاكلهن وكثرة طلباتهن إلا عندما رحلن إلى بيوت أزواجهن، أمام كل ذلك لم تملك من نفسها إلا أن ترفع يديها لتحمد الله تعالى على هذه النعمة، ولتستغفر بشدة عن أفكارها السابقة وتصرفاتها.


 

هيا الرشيد
  • الأسرة والمجتمع
  • الفكر والثقافة
  • القصص
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط