اطبع هذه الصفحة


عندما تتحطم السعادة!!!!

هيا الرشيد

 
بسم الله الرحمن الرحيم


عندما استلمت شهادتها الجامعية في تلك السنة شعرت بأن باباً من أبواب السعادة فتح لها،كانت تحلم بالوظيفة،والراتب الكبير،ولم تنسى أن تنظم حلماً آخر في عقد أحلامها الكثيرة،زوج صالح،وبيت يضج بالأطفال،شهور قليلة ويأتيها خبر تعيينها في قرية بعيدة عن مدينتها،استبشر أهلها خيراً،فستعمل هناك لفترة محدودة ومن ثم يتم نقلها إلى مدينتها أسوة بغيرها،استلمت وظيفتها،وأصبحت تدرّس في مجال تخصصها،فترة يسيرة وتستلم راتبها الأول،كانت فرحتها كبيرة،وشعورها بالاعتماد على نفسها أعطاها دفعة من الثقة والأمل،ومنذ البداية كانت تخطط وتفكر،فالمستقبل لا يعلمه إلا الله تعالى،والاحتياط واجب على كل حال.

مرت أشهر وهي تتردد على تلك القرية البعيدة،تخرج من بيتها قبيل الفجر مع مجموعة من زميلاتها،ولا تعود إلا بعد العصر،لم تتذمر،ولم تبدي أي شعور بالتعب أو حتى الملل،والدتها كانت تدعمها بكلام مشجع يشد من أزرها،وتذكرها دائماً ببنات خالها وعمها اللاتي سبقنها في هذه الرحلة الشاقة، ومن ثم ظفرن بنقل إلى مدارس بجانب بيوتهن،كانت تتمنى النقل على كل حال،ولكن الوضع لم يكن سيئاً بالنسبة لها،فها هو الهدف من الوظيفة ماثل بين يديها في نهاية كل شهر،الراتب الكبير الذي تتقاضاه،ولها كامل الحرية في التصرف به،والدها ميسور الحال،ولم يكن بحاجة إليه،والدتها كانت تنصحها بعدم التبذير،وتحثها على التوفير.
بعد مرور سنتين تأتي البشرى بالنقل إلى مدرسة مجاورة،وفي نفس الوقت يطلب ودّها شاب مستقيم،وابن لأسرة معروفة بالخير والصلاح،تغمرها الفرحة بهذا الخبر،وتبدأ استعداداتها لحياة جديدة،حلم البيت والأطفال راودها كثيراً،وتشعر الآن بأنه قد أصبح قريب المنال،أيام قلائل وتنتقل إلى عش الزوجية الجميل،أحلامها تسبقها،وآمالها العريضة تداعب مخيلتها،وزوج طيب القلب يستقبلها،ويعمل جاهداً على توفير أسباب السعادة لها.
بدأت حياتها الجديدة،مدرستها قريبة ولكنها تحتاج إلى مواصلات،فالسير على الأقدام كل تلك المسافة كان صعباً،أبدى زوجها استعداده للقيام بمهمة توصيلها بشكل يومي،وتجاوز من خلال ذلك عن فارق التوقيت بين عملها وعمله،وضحى من أجل ذلك بساعة ونصف من راحته كل صباح،وفي الظهر كان له ترتيب آخر من أجل إعادتها للبيت،لقد شعر بالسعادة لظروفه المناسبة ليوفر لها الراحة المطلوبة،أما هي فقد كانت ترى تصرفه حيالها شيء عادي،فهو زوجها ومسئول عنها،لم يشعر بنظرتها،ولم يفكر برأيها تجاه ما يقوم به حيالها.

مرت الأيام سريعة،تفكرت في حالها فوجدت أنها قد أمضت بضعة أشهر في بيت زوجها،تعمل في المدرسة صباحاً،وتكمل بقية يومها في شئونها المنزلية،وفي آخر كل شهر تودع راتبها في حسابها المصرفي ولا تبقي إلا القليل لبعض مستلزماتها الخاصة،أما زوجها فيحضر الراتب ويبدأ في تقسيمه بين الديون والأقساط والإيجار،ومصاريف البيت،بدأت نظرتها لهذه الحركة تتغير،فقد كانت تعتقد بأنها عفوية،أما الآن فأصبحت تراها طريقة غير مباشرة لطلب مساعدتها،ومساهمتها بجزء من راتبها،كان موقفها من هذا الشيء واضحاً وصريحاً،فهذه مسئولية الرجل وحده.

مضى شهور وهي في بيتها،وبوادر إطلالة صغير تلوح في الأفق،ومع إتمامها للعام كانت فرحتها الجديدة بمولودة جميلة،فترة بسيطة في بيت أهلها،ومن ثم عادت إلى بيتها وزوجها،تغير الحال عن العام الماضي،فقد ازدادت طلباتها،وكانت تلح عليه في إحضار الدقائق لابنتها،وكثير من الناس يطرقون الباب و يلحون على زوجها في السداد،وفي ذلك اليوم عندما اشتد به الحال صرّح لها بضرورة مساهمتها المادية،أصمت أذنيها ولم تذعن لطلبه،وقوائم الطلبات تزداد يوماً بعد يوم.

في ذلك المساء أخذها في زيارة إلى بيت أهلها،وعندما حان وقت العودة انتظرت لعدة ساعات،اتصلت تستفهم الخبر وما من مجيب،باتت ليلتها وجلة تتوجس،وبادرها الصباح التالي بسبب غيابه،ورقة طلاقها اغتالت فرحتها،وذهبت بنضارة أحلامها،وعذره واضحاً أمام ناظري والدها وأشقائها،مصاريفها كثيرة ولا تحتمل،وليس لديها استعداد للمساهمة مطلقاً، تجرعت غصتها،واستجمعت شجاعتها، ،وهزت كتفيها علامة عدم الاكتراث،وكانت تؤمل نفسها بعوض أفضل منه،لم تدافع عن نفسها،ولم تقلل من شأنه أمام الآخرين،لزمت الصمت،واستسلمت للواقع الذي وجدت نفسها أسيرة بين جنباته.
لم يمض عام آخر إلا وقد طرق الباب من هو أفضل منه،كانت فرحتها كبيرة،فلم يطول انتظارها كثيراً،أيام وهي تعد العدة لدخول بيتها الجديد،وبعد فترة يسيرة تغادر بيت أهلها برفقته،ظروف مريحة مستقرة،وزوج يوفر لها أسباب الراحة والسعادة،وما أن أكملت العام حتى أقبلت صغيرة جميلة تكمل سعادتها،بدأت تشعر بتغيره نحوها،وجهه لم يعد كالسابق،كانت تتمنى أن يصرح ويبوح بمكنون فؤاده،ولكنه آثر الصمت،وفي ذلك اليوم وجدت نفسها مضطرة للاستفسار،فهي تريد أن تكون على بيّنة من الأمر،وتعرف أسباب التغير،فرح بمبادرتها،وتوقع أن تساؤلاتها ستكون مفتاحاً لحل المشكلة،ولكن توقعاته خابت،وآماله ذهبت أدراج الرياح.

مشكلتها مع زوجها الأول تعود بشكل آخر مع زوجها الحالي،استئثارها بكل قرش من راتبها قد تسبب في فجوة كبيرة بينهما،فآخر الشهر يكون مرهقاً من تسديد الديون والفواتير ومستلزمات الحياة الصعبة،أما هي فملابسها وأدوات زينتها وهدايا لمجاملات اجتماعية هي كل ما تقوم به،أما باقي راتبها فيكون في أمان عندما تودعه في حسابها المصرفي،ولم يتغير رأيها،فالرجل في نظرها مسئول عن تأمين الحياة الكريمة مهماً كانت الأسباب،وما هي إلا أيام ويأخذ الحديث أسلوباً جاداً،إما الوظيفة مع المساهمة ولو بالشيء اليسير،وإما البقاء في البيت،فيأتي جوابها قوياً بأنها ستبقى في وظيفتها وستحتفظ بكل راتبها.

الطلاق الثاني يلوح في الأفق،ونظرتها لم تتغير ألبتة،وموقفها من المساهمة المادية كان حازماً،نظرات طفلتيها الصغيرتين لم تحرك فيها ساكناً،والدتها تشعر بالقلق،وتتمنى حياة هادئة ساكنة لابنتها،بدأت في محاولات لإقناعها بتغيير موقفها،فالبيت والزوج أهم من أموال العالم،ورصيدها المالي لن يصنع لها السعادة ولا الاستقرار اللذان تنشدهما في هذه الحياة،ولكنها لم تقتنع،ولا تعتقد بجدوى مساهمة المرأة،وتنظر لهذا التعاون على أنه استغلال لضعف المرأة،وتعد صريح على حقوقها المادية.

تحققت توقعات والدتها،وها هو يحضر ورقة طلاقها،وفي هذه اللحظات فقط شعرت بالخوف والألم،فلم تكمل السابعة والعشرين بعد،وقد اجتمع عليها طلاقين وطفلتين بريئتين من أبوين مختلفين،بدأت تستشعر الحزن الحقيقي لظروفها،وأحاسيس الألم النفسي تحاصرها،ولكنها استجمعت شجاعة مفتعلة،وهزت كتفيها مرة أخرى متصنعة عدم الاكتراث أمام أقاربها وزميلاتها،أيام قلائل ويعود إليها سكونها النفسي،وتعود آمالها عريضة كما كانت،وتعطي لمخيلتها العنان،وتحلم بزوج أفضل من سابقيه،تنظر لنفسها،وتشعر بأنها لم تتغير،ولم يسوء حالها للظروف التي مرت بها،اهتمامها بنفسها كان زائداً عن الحد المطلوب،وحرصها على أناقتها كان من أساسيات يومها.

في ذلك اليوم الجميل،أحد أيام إجازة نهاية الأسبوع،تستيقظ من نومها مبكرة على غير عادتها،ويتهادى إلى سمعها أحاديث خافتة،ويتسلل إلى أذنيها كلمات غير واضحة،خرجت تستطلع الأمر،والدها يزف إليها البشرى،ووالدتها ترتعد فرائصها من خوض تجربة جديدة،كانت أكثر جرأة من والدتها،وأكثر قوة لتحمل مسئولية جديدة،بدأت والدتها تذكرها بسبب إخفاقها في المرتين السابقتين،وتحذرها من إصرارها على موقفها السابق،هزّت كتفيها علامة عدم الاكتراث،ونظراتها توحي بجرعات من العناد المدمر.

يتم كل شيء بسرعة،وتسير الأمور كلها على ما يرام،هي مطلقة وأم لطفلتين،وهو مطلق ولديه أطفال،طفلتيها مع والدتها،أما هو فأطفاله بعهدة والدتهم،نقل فجائي لعمله إلى إحدى المدن الرئيسة،تلحق به وهي سعيدة لنقلها لهذه المدينة الكبيرة،وتمر أيامها سعيدة هانئة،وكل يوم تكتشف في شخصيته جوانب حسنة،وخصال حميدة،فهو مثال للتضحية والعطاء،أما بالنسبة له فقد بدأت ملامح شخصيتها تظهر جلية أمام ناظرية،شعر بأنانيتها المفرطة،وعدم استشعارها لمتاعب الآخرين،وبدأت فرحته بها تخبو شيئاً فشيئاً،وبدأت نفسه تبتعد عنها تلقائياً.

الانتقال إلى سكن جديد بجانب عمله كان قاصمة الظهر لهذا الزواج،طلبت البيت الجديد،والأثاث الجميل،وهاهو يلبي طلباتها،كانت تطلب المزيد،وفي نهاية كل شهر كان يسحب آخر قرش من حسابه،أما هي فكانت كعادتها تودع المزيد من الأموال،كان يلاحق بنظراته كل قطعة أثاث في بيته الجديد،اختيارها للغالي والنفيس دون مساهمتها المادية كانت محركاً لعقله المثخن تجاهها،استشعر فيها نزعة الأنانية هذه المرة بقوة،ودون أن يشعر كان في أعماق نفسه قد اتخذ قراراً بشأنها،لم يرغب في مفاتحتها أو التفاهم معها،فقد كان يرى وجوب إدراكها لهذا الأمر،ومعرفتها بالمطلوب دون شرح منه ولا من الآخرين.

أول زيارة لأهلها بعد الانتقال،كانت فرحة برؤية صغيراتها،وسعيدة لملاقاة والديها وبقية أفراد أسرتها،ثلاثة أيام فقط وتتحول سعادتها إلى حزن،ويصيبها طلاقها الثالث بخيبة أمل كبيرة،هنا بدأت تفكر،واستشعر عقلها الخطأ الفادح الذي وقعت فيه،فلم تهز كتفيها هذه المرة،ولم تحاول أن تمثل عدم الاكتراث،بدأت في أعماقها تعتصر الآهات،وتكتوي بنار الحسرات،ولا زالت مذهولة بواقعها الجديد،ثلاثة أزواج لا يعيبهم أي شيء وتفرط بهم بهذه السهولة،أموالها التي حرصت عليها،وكدستها أكواماً هنا وهناك هل ستجلب لها السعادة؟؟بيتها الذي قوضت دعائمه بأنانيتها هل سيكون بالإمكان إعادة بنائه؟؟ هل سيصلح الحال؟؟وهل سيكون هناك من يمنحها فرصة أخرى لتخوض تجربة جديدة دون أنانية أو عناد؟؟


 

هيا الرشيد
  • الأسرة والمجتمع
  • الفكر والثقافة
  • القصص
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط