اطبع هذه الصفحة


معاناة

هيا الرشيد

 
بسم الله الرحمن الرحيم


في الشهر السابع من حملها،ذهبت إلى المستشفى كعادتها في موعد روتيني،وكانت تحمل كماً هائلاً من الآمال والأحلام بإنجاب طفلة جميلة،وخيالاتها كثيرة ومتعلقة بالمستقبل القريب،فمن ستشبه هذه الطفلة التي تحلم بها،وكيف سيكون شكلها،تصورات وتوقعات وهي تعلم وتدرك أن جنس المولود غيب لا يعلمه إلا الله،كانت طوال الأشهر السابقة تذهب للموعد بشكل عادي،كل شيء على ما يرام،الكشف عن الضغط والحرارة وأحياناً السكر،وختام الموعد أشعة صوتية لعدة دقائق،ومن بعدها ورقة صغيرة لتحديد الموعد القادم،في هذه المرّة دخلت كالمعتاد،تناولت رقمها،وانتظرت دورها في حجرة الانتظار،وقت قصير ويحين دورها لقياس الضغط والحرارة والوزن،عادت لحجرة الانتظار وبعد قليل نادتها الممرضة للأشعة الصوتية.

ذهبت بسرعة وهي تأمل بالعودة إلى منزلها سريعاً،أعدتها الممرضة ومن ثم ذهبت لاستدعاء الطبيبة من الحجرة المجاورة،حضرت الطبيبة وكان يبدو من هيئتها ومن لكنتها أنها من الجنسية الهندية،تتحدث العربية بصعوبة شديدة،بدأت عملها،كانت صامتة خلال العمل طوال الوقت،وبين الحين والآخر تعبث أصابعها ببعض الأزرار،كانت تنظر إليها،تريد منها تعليقاً بسيطاً كالعادة في كل مرّة،ولكنها استمرت في صمتها،وكانت مصوبة نظراتها نحو شاشة الأشعة،هبّت الطبيبة من مكانها،ونظرت إليها،وسألتها دون مقدمات:-
- هل تعرفين المنغولي؟؟
أجابتها بصوت مرتجف:-
- نعم.
أردفت الطبيبة وبغلظة:-
- إنك تحملين طفلة منغولية.

تسمّرت في مكانها،وعقدت الدهشة لسانها،حاولت الرد ولم تستطع،جاهدت نفسها لتناقش،ولكن قواها خارت على سرير الأشعة،الطبيبة غادرت المكان وكأن شيئاً لم يكن،الممرضة استشعرت الموقف وراقبتها بعطف،اقتربت منها وأصابعها على شاشة الأشعة،تريد أن تشرح لها،نظرت إلى موطن أصابعها بذهول،كانت ترى خطوطاً كثيرة لا تفهم معناها،وبدون شعور منها كانت يدها اليمنى تتحسس بطنها،وتسأل نفسها عن المخلوقة الغريبة التي تسكن أحشائها،بدا واضحاً عليها أنها في تلك اللحظات تعيش في عالم آخر،سبعة أشهر وهي تتردد على هذا المستشفى،لم يكن هناك بادرة أو حتى تلميح بوضع غير طبيعي،واليوم وعلى حين غرة تتفجر قنبلة موقوتة أمام آمالها وأحلامها،لم تعرف كيف تتصرف حيال هذا الوضع،ولم تدرك طبيعة مشاعرها المتضاربة،بقيت صامتة مشدوهة وكأنها في حلم مخيف.
مجموعة من الممرضات داهمن صمتها،وكرسي متحرك أوحى لها ببقاء عدة أيام في المستشفى،لم تناقش ولم تستفهم وفكرها المثخن قد أعياه الخبر،ثلاثة أيام في غرفة مليئة بالأجهزة،ومداهمات فجائية لممرضات القسم،وفي اليوم الرابع تواتيها الطبيبة بخبر العملية،فالطفلة متعبة وبقائها على هذا الوضع خطر على حياتها،وافقتها على كل شيء واستسلمت للواقع الجديد،ومرّ وقت عصيب استيقظت بعده على صوت والدتها وشقيقاتها،تلفتت بصعوبة يميناً ويساراً ولم ترى شيئاً،تبحث عن الوافدة الغريبة،لم تجد شيئاً،وبالتدريج تجرّعت بألم كم جديد من الأخبار المؤلمة،طفلة منغولية وبتشوهات في القلب والأمعاء،لزمت الصمت مجدداً،انتشر خبر ولادتها بين أقاربها،الجميع يهنئونها بالسلامة،ولكن الجميع قد تعمدوا عدم الحديث عن الطفلة،كانت تجد غصة في حلقها،وتتألم من نظرات الشفقة التي كان الجميع يرمقها بها،وأكثر ما يؤلمها عندما تطلب منها الممرضات السير في طرقات قسم الولادة فترى النساء من حولها يرعين مواليدهن وهي تفتقد لذلك،وتتردد عليها مجموعة من الطبيبات لسؤالها أسئلة كثيرة ترددت على مسامعها:-
• كم عمرك؟
• هل زوجك قريب لك؟
• هل في قريباتك من أنجبت مثل هذه الطفلة من قبل؟
• هل في العائلة أمراضاً وراثية؟

مرّت الأيام،ولم تطلب رؤية الصغيرة ولم تحرص على السؤال عنها،وقد تم اختيار اسم مدى لها،وعندما حضرت الطبيبة أخبرتها بإمكانية زيارتها لصغيرتها قبل مغادرتها للمستشفى،أبدت امتعاضها لمبادرة الطبيبة التي شعرت بمكنون نفسها،فهي غير مهيئة نفسياً لقبول مدى في حياتها،غالبت مشاعرها وذهبت لرؤية مدى في القسم الخاص بالأطفال الخدّج،طفلة صغيرة لم تتضح معالمها بعد،وأجهزة تلفها في حاضنتها الزجاجية،نظرت إليها ولم تشعر حيالها بما شعرت به من قبل تجاه سائر أطفالها عندما أنجبتهم،غادرت بسرعة وكانت تتمنى من أعماق نفسها أن لا تضطر في يوم من الأيام لأخذ هذه الطفلة إلى بيتها،وبعد عدة أيام غادرت المستشفى في حين قرر استشاري الخدج بقاء مدى لبعض الوقت في تلك الحاضنة.

كانت فترة خروجها دون مدى في تفكير دائم،ومخاوفها من علاقتها بها متواصلة،تفكرت في حياتها وأيامها التي مرّت،وأولادها الذين أنجبتهم من قبل بكامل الصحة والذكاء،وفكرت في هذه الطفلة التي غافلت سعادتها وفرضت عليها واقعاً جديداً حزيناً،كانت تسأل نفسها عن إيمانها الذي بدا متزعزعاً،وضرورة الرضا بالقضاء والقدر،وأردفت بينها وبين نفسها بتعداد صامت لنعم الله تعالى التي لا تعد ولا تحصى،ولكنها مع ذلك تجد غصة لا تفارقها لواقعها الجديد،وتفاجأ في ذلك اليوم وبعد إتمام طفلتها لأربعين يوماً باتصال هاتفي من المستشفى،صحة مدى على ما يرام ولا بد من أخذها للبيت،تذهب مع زوجها بالرغم من رفضها العميق لذلك،تستلمها بعد إتمام أوراق الخروج،تحملها بين يديها وفؤادها يتمزق،كانت دموعها غزيرة تسيل تحت غطاء وجهها،ومشاعرها مختلطة لا تعرف لها تفسيراً،وصلت إلى البيت ونادت خادمتها بصوت متهدج،تقافز أبناؤها لحضور مدى فلم تعر لأحد منهم أي انتباه،ناولت الصغيرة للخادمة وأسرعت إلى حجرتها.

أغلقت باب حجرتها،وأعطت لدموعها حرية الانحدار بغزارة،والخادمة تطرق بابها بين الحين والآخر تستفهم عن أسلوب العناية بالطفلة،كانت توحي إليها بتوصيات مقتضبة ثم تغلق بابها مرّة أخرى،مواعيد الطفلة بالمستشفى تكاد تكون الفرصة الوحيدة للقائها بها،تحملها بين يديها دون أي رابط عاطفي،وبعد حضورها للبيت تعاود الكرّة بإلقائها في أحضان الخادمة،الطبيب المعالج للطفلة استشعر هذا الوضع المأساوي،وكان عقله يعمل بسرعة لحل هذه الأزمة،مكالمة هاتفية من المستشفى،تستدعيها دون ابنتها،ذهبت على الفور،تنسيق مسبق من قبل بعض المسئولين لتلتقي ببعض الأخصائيات من قسم متلازم الداون،إحدى المسئولات أنجبت طفلة منغولية في سن الثانية والعشرين،طفلتها الآن في السابعة،أحضرتها معها بهدف إقناعها بإمكانية التعايش مع هذا النوع من الأطفال،كانت صامتة طوال الوقت،وعينيها تسترقان النظر للطفلة المنغولية لمياء،كانت بشرتها بيضاء،وشعرها أسود وناعم كالحرير،وملابسها جميلة ومرتبة،وحركاتها بريئة وطفولية بحتة،أكملت الأخصائيات كلامهن حول هذه النوعية من الأطفال،لم تصغ سمعها لهن،سبحت في سماء أفكارها،وتساءلت عن طفلتها في المستقبل،وهل ستكون شبيهة بلمياء،لم تجد لتساؤلاتها جواباً شافياً،انتهت المقابلة وغادرت على عجل،ذهبت إلى البيت وصورة لمياء لا تفارق مخيلتها.

مرّت الأيام سريعة،ومدى تكبر يوماً بعد يوم،وضجيجها وصراخها يملآن البيت،كانت تعود من عملها وتنظر إليها بصمت،ذلك الحاجز النفسي لم يتحطم بعد،وتلك الغشاوة لم تنجلي،ومع متاعب الصغيرة الصحية تواتيها لحظات خوف عليها،وما أن تستقر حالتها حتى تعود إلى جفائها حيالها،عاطفة الأمومة في مد وجزر،براكين الحب والحنان خامدة،وكلمة الأطباء بأن الطفلة المنغولية تستمر تعيش الطفولة البريئة طوال عمرها ترن في أذنها،براءة دائمة،وطفولة مستمرة،تذكرت لمياء وفستانها الجميل،تذكرت أيضاً حركاتها الطفولية وصخبها البريء،سألت نفسها في لحظات صفاء عن سبب عدم تقبلها لهذا الواقع،مخلوقة بريئة تستجديها الحب والحنان،جسد ضعيف يطلب عنايتها،تذكرت تعاملها الإنساني مع محيطها،وقلبها الذي يخفق حباً وحناناً للجميع،ومد يديها الدافئتين بكرم وسخاء لكل محتاج،تسعة شهور مرّت على دخول مدى لبيتها،زوجها وأطفالها يتعاملون معها بكل حب وحنان،وهي تبخل إلى هذه اللحظة وتحبس عطائها السابق في هذا الموقف،تنزل سلالم البيت،وأصوات مدى ولعبها يخترق أعماقها،توجهت إليها بسرعة،وجدتها في بهو البيت وحيدة، تجلس على مقعدها الخاص تعبث بألعابها،والخادمة مشغولة في المطبخ،نظرت إليها بشعور مختلف،شعرت بجسدها ينتفض بعنف،اقتربت منها،أمسكت بها،قربتها من صدرها،ضمتها بعنف وبكت،شعرت بكم هائل من المشاعر نحوها،عاطفة الأمومة تفجرت تجاهها،نظرت إليها بعينين دامعتين،وأعلنت بداية العلاقة الحقيقية بها،علاقة أساسها الحب والعطف والحنان.

بعد مرور ثلاث سنوات،كانت مدى تلعب وتمرح بين جنبات البيت،وكان الجميع ينظر إليها كزهرة فوّاحة في بستان أسرتها،حب الجميع لها تعدى الحدود،وفرحة أمها بلحظات مرحها لا توصف،وفي غفلة من الجميع سحبت مدى بساط الحب من تحت أقدامهم،واستأثرت بعاطفة جيّاشة من الجميع.


 

هيا الرشيد
  • الأسرة والمجتمع
  • الفكر والثقافة
  • القصص
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط