اطبع هذه الصفحة


وكانت رحلة

خيرية الحارثي

 
هناك في رحلة قطعنا فيها آلاف الأميال ، على متن طائرة يحملها الرحمن بين السماء والأرض ، تحمل بين جنباتها عدداً من البشر، وكلٌ حسب نيته ، فمنهم مسافر لطلب العلم ، ومنهم من يبحث عن الـــعلاج ومنهم من يقصد بسفره التحلل من التكـــاليف الإسلامية ، فإن كان شاباً ، وجد كل منابع الفسق والفجور ، وإن كانت شابة ، خلعت حجابها ، وهدت في نفسها قلعة الإيمان ، واستبدلتها بشوائب الإباحية والحرمان . هناك في تلك البلاد التي تحمل هوية إسلامية بالإسم فقط ، لا بالمعنى ، ولا بالتطبيق . هناك ينشطر القلب شطرين وتغور جراحه يتلظى أمام أعاصير الفساد ، فيضيق الصدر ماذا عساه أن يفعل ، سوى الحسرة والدموع . شعب يغـوص في الشهوات والشبهات والشرك والبدع إلا من رحم ربي ، يحين موعد الصلاة فلا تكاد ترى مصلياً ، إلا قليلاً ، سائق تاكسي يبلغ من العمر 60 عاماً ، سألناه ، هل تصلي ياعم ؟ نعم ولكن عندما أذهب إلى البيت .. شعب يكابد من أجل البقاء ، الفقر والجوع والمعانــــاة ، يقوس ظهورهم ثقل الحياة وكمدها ، ويأبى العودة إلى الله ، وما علم أن الله سبحانه يقول :
( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض .... )
المرأة في الشارع كأنها رجل ، فمن الطبيعي أن ترى امرأة تجلس على كرسي بقرب دارها ، تمّسي ، وتصبّــح على المارة ، انقلبت الموازين ، وتبحبحت العــلمنة ، وتقاعس الحق ...
إن مررت من جانب المقابر يصيبك الذهول ، علامات على كل مقبـــرة ، وتلك مقــابر المسلمين ، بدع وضلالات ، ناهيك عن مقابر الصالحين ، ( كما يقولون ) التي تقدم لها النذور ، والقربات ، جهل بالشرع ، وابتداع بالرأي ، حضارة نخر في جسمها الإستعمار ، وقضى على إسلامها وأخلاقها ، وبقيت أفكاره المضللة ، وإياك ثم إياك أن تقع عينك على أحد المسابح ، أو البلاجات ، فهناك خنازير ترد من بـــلاد الكفر لتجد الراحــــة والإستجمام ، منظر يثير الإشمئزاز والضجر ...
فالملتزم هناك لا يجد الراحة بل هو مجبر على سماع الموسيقى في كل مكان ، حتى في مقر نومه ، فمتى ! متى ينــزاح عن كاهل الأمة هذا الحمل ؟ ومتى ينقشع عن سمائها ذلك الغمام ، ومتى تغاث صحرائك القاحلة يا أمة محمد كنت في حالة من الرعب والأرق ، والتوتر ، خوفــــاً أن يخسف اللــــه بهــــم الأرض ونحن بين أظهرهـــم ، كم تنـــاثرت دموعي نعياً على ضعفي ، وقلة حيلتي ، أدعو الله في كل ليلة ، أن يخرجنا من هذا الجحيم ، ومنذ أن وطــأت قدماي أرض الــــوطن ، تنفست الصعداء ، وشــــكرت الله على عظيم نعمه ...

 

خيرية الحارثي
  • مـقـالات
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط