اطبع هذه الصفحة


بساطة أم .. تعقيد ؟!

 لبنى شرف / الأردن

 
" أسلمت من أجل البساطة ، السماحة ، مشهد الناس الطيبين يدخلون في بساطة إلى صحن المسجد المتواضع ، يصلون في خشوع ، لقد فعل ذلك في نفسي فعل السحر ، حرك كوامن مترسبة في أعماقي ، أحسست أنني مسلمة قبل أن أعلن إسلامي . لقد وجدت في دينكم العقل والمنطق ، أنت ببساطة ، وكما فهمت ، تؤمنون بالله ورسوله ، هذا الرسول بشر مثلنا ، اختاره الله لينقل رسالة إلى الناس ليؤمنوا به ، وبكتاب ربه " القرآن " ،والقرآن ينظم حياة الناس ليعيشوا متعاونين في خير وسعادة ، ليعيشوا ببساطة وبلا مظاهر كاذبة ." ...... ممثلة إيطالية أسلمت.

لقد انشرح صدر هذه المرأة للإسلام لسماحته وبساطته ، والنفس بطبيعتها تميل لليسر والبساطة ، لا للعسر والتعقيد ، فحياة الإيمان – كما يقول الأستاذ سيد قطب – هي اليسر والاستقامة والقصد . فما بالنا إذن نجد هذا التعقيد في حياتنا ؟ تعقيد في الأكل ، واللباس ، وفي الزواج والعزاء ، وفي طريقة التفكير ، بل وحتى في فهم الدين ؟ هل حقا أصبحت حياتنا معقدة ، أم أننا نحن الذين تعقدنا فعقدنا حياتنا معنا ؟! .

يقول ابن القيم أن تعقيد الغذاء ينتج عنه تعقيد المرض ، وهذا يحتاج إلى دواء مركب معقد . إذن فالتعقيد يولد تعقيدا ، فلماذا سلكنا طريق التعقيدفي حياتنا وتعاملاتنا ؟ .

نحن مثلا لا نتعامل مع الطعام على أنه وسيلة نتقوى بها لتحقيق الغاية التي خلقنا من أجلها ، فنحن نهدر الأوقات والأموال من أجل الطعام ؛ تحضيره ، ومعرفة كميته و وقته ..، وأنالا أرى أن الأمر يحتاج إلى كل هذا التعقيد ، فأنت إن اخترت الجودة العالية ، وأكلت باعتدال ، حصلت على نتائج طيبة بإذن الله ، والاعتدال في كل شيء محمود ، أما أن نجعل طعامنا شغلنا الشاغل فهذا أمر مرفوض ، فالطعام ليس غاية في حد ذاته ، ونحن ما خلقنا لنجعل الأكل في الدرجة الأولى من اهتماماتنا .

فعار ثم عار ثم عار = شقاء المرء من أجل الطعام

وأما تعقيدات الزواج فقد أصبحت أمرا لا يطاق ، مما أدى إلى عزوف كثير من الشباب عنه لتكاليفه الباهظة ، وأنا أتساءل: هل لبس فستان العرس ، وحجز الصالات ، والمغالاة في المهور ، وفرش البيت بما لا يلزم من التحف والكماليات ، وغيرها من طقوس الأفراح في هذا الزمان ، هل هذه الأمور مفروضة علينا ؟! أليس بالإمكان التنازل عنها ، وجعل الزواج أيسر وأبسط بدلا من هذه التعقيدات ؟ فما قيمة هذا كله إن شقيت الزوجة بزوجها ، أو إن ابتلي الزوج بزوجة لئيمة تنكد عليه عيشه ؟!! .

ثم هل بيت العزاء ، والمراسيم التي تقام فيه شيء جيد ، أم أنه زاد هم أهل الميت ؟ وهل تعلم أحكام التجويد يحتاج إلى كل هذه الدورات وكل هذا الوقت ، أم أن الأمر أبسط وأيسر من ذلك ؟ وهل .. وهل .. وهل ..، أمور كثيرة عقدنا بها أنفسنا ، وضيقنا بها على الآخرين .

أيها المسلمون ، ما تعقدت أمورنا بهذه الصورة إلا لبعدنا عن الدين ، وعن الإيمان الصحيح . جاء في تهذيب مدارج السالكين : من عرف الله صفا له العيش ، فطابت له الحياة ..، ومن عرف الله اتسع عليه كل ضيق .

لقد كانت حياة النبي – عليه الصلاة والسلام – والصحابة – رضي الله عنهم – تتسم بالبساطة واليسر والسهولة ، وما خير النبي – عليه السلام – بين أرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما ، فليست الشطارة بالتعقيد ، ولكن بالإيمان الصحيح والفهم الدقيق والعميق ، فهذا الإمام الشافعي يسأل : ما الدليل على وحدانية الله ؟ فيقول : ورقة التوت ، تأكلها الدود فتخرجها حريرا ، ويأكلها الغزال فيخرجها مسكا ، وتأكلها النحلة فتخرجها عسلا ، وتأكلها الشاة فتخرجها لبنا ، ويأكلها الحمار فيخرجها بعرا . فمن الذي نوع الأشياء والأصل واحد ؟ .

ختاما أقول ، إن تعقد الحياة بهذه الطريقة أدى إلى تعقد الروح ، وإن حياة البساطة يريح النفس ، ويسمو بالروح فلا تلتصق بالأرض .

بقلم : لبنى شرف / الأردن
 

لبنى شرف
  • مـقـالات
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط