اطبع هذه الصفحة


أما آن لهم أن يفطروا؟

 لبنى شرف


ما أكثر ما نسمع أن رمضان مدرسة إيمانية تربوية، أو دورة تدريبية، ولكني لا أرى الصائمين ـ إلا من رحم ربي ـ يستفيدون شيئاً منها؛ فكما دخلوا يخرجون.

أين مواساة الفقراء إن كانوا عرفوها؟ وأين لذة العطاء إن كانوا ذاقوها؟ أين هذا بعد رمضان؟ فهناك من يصوم لا كصوم الناس في رمضان؛ وإنما صوم من لا يجد الزاد، والله وحده يعلم كم من الأيام يطويها جائعاً؟ أما آن لأمثال هؤلاء أن يفطروا؟

وردت آيات وأحاديث في أجر إطعام الطعام وتفطير الصائمين، ولكن مَن الأَوْلى بهذا التفطير وهذا الإطعام: الغني المترف، أم الفقير المعدم؟ الذي يأكل حتى تنفقئ أمعاؤه، أم الذي هدَّ جسمَه الجوعُ وأنحلَه حتى زاغ منه البصر؟

كم تنفقون أيها الأغنياء على ملذاتكم وشهواتكم؟ وكم هو نصيب الفقراء في مال الله الذي هو في أيديكم؟

كم تسرفون في الولائم، في رمضان وغير رمضان؟ وكم تلقون من الطعام في القمامة، وغيركم يبحث عن لقمة أو شربة ماء؟ أترضون أن يموت أطفالكم جوعاً؟ ولكنكم ترضونه لغيركم.

ماذا لو دار عليكم الزمان، فعصفت بكم الريح، وتغير الحال؟ هل وضعتم أنفسكم يوماً مكان هؤلاء الفقراء؟ أو فكرتم ولو مرة ماذا لو كان أولادكم مكان أولئك الأطفال البائسين؟ ماذا تراكم كنتم فاعلين؟

أيها الأغنياء، يقول لكم الرافعي: «أيَجوعُ إخوانُكم أيُّها المسلمون وتشبعون؟ إنَّ هذا الشبَعَ ذنبٌ يعاقبُ اللهُ عليه. والغنى اليومَ في الأغنياءِ الممسِكينَ عن إخوانهم، هو وصفُ الأغنياءِ باللؤمِ لا بالغنى».

إن قوماً تجد فيهم أناساً يعيشون في الترف، وآخرين في الشظف؛ أناساً يموتون من التخمة، وآخرين يموتون من الجوع، هم كما وصف سيد قطب في قوله: « يكره الإسلام الفقر والحاجة للناس؛ لأنه يريد أن يعفيهم من ضرورات الحياة المادية؛ ليفرغوا لما هو أعظم ولما هو أليق بالإنسانية وبالكرامة التي خص الله بها بني آدم: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنيۤ ءادَمَ وَحَمَلْنٰهُمْ في البَرِّ وَالبَحْرِ وَرَزَقْنٰهُم مِّنَ الطَّيِّبٰتِ وَفَضَّلْنٰهُمْ عَلى كَثيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنا تَفْضيلاً﴾ [الإسراء:70].

ولقد كرمهم فعلا بالعقل والعاطفة، وبالأشواق الروحية إلى ما هو أعلى من ضرورات الجسد؛ فإذا لم يتوافر لهم من ضرورات الحياة ما يتيح لهم فسحة من الوقت والجهد لهذه الأشواق الروحية، ولهذه المجالات الفكرية؛ فقد سُلبوا ذلك التكريم، وارتكسوا إلى مرتبة الحيوان، لا بل إن الحيوان ليجد طعامه وشرابه غالباً، وإن بعض الحيوان ليختال ويقفز ويمرح، وإن بعض الطير ليغرد ويسقسق؛ فرحاً بالحياة بعد أن ينال كفايته من الطعام والشراب.

فما هو بإنسان وما هو بكريم على الله ذلك الذي تشغله ضرورات الطعام والشراب عن التطلع إلى مثل ما يناله الطير والحيوان، فضلا عما يجب للإنسان الذي كرمه الله. فإذا قضى وقتَه وجهدَه ثم لم ينل كفايته، فتلك هي الطامة التي تهبط به دركات عما أراد به الله، والتي تصم الجماعة التي يعيش فيها بأنها جماعة هابطة لا تستحق تكريم الله؛ لأنها تخالف عن إرادة الله».

قالوا: إن طالب العلم يحتاج من يكفيه مؤونة عيشه؛ حتى يتفرغ لطلب العلم، فكيف لنا أن تطلب ممن عضه الفقر وأذلته الحاجة أن يترفع عن ضرورات الجسد، وهو لا يستطيع أصلاً أن يسند هذا الجسد؟ وأنّى له أن يجد فسحة من الوقت والجهد للأشواق الروحية والمجالات الفكرية؟ وأي مشروع حضاري يُنتظر منه أن يكون له دورٌ فيه؟

في المقابل، تجد من يمتلك ليس فقط ضرورات الحياة؛ وإنّما كل أسباب الرفاهية، إلا أنه مع ذلك لا يترفع عن ضرورات الجسد! وترى هناك من يصنع أطول (ساندوتش) أو أكبر طبق طعام، لا ليطعم أكبر عدد من الفقراء، ولكن ليدخل موسوعة (غينيس)! أي سخافة عقول هذه، وأي إسفاف!

تقبل الله منكم الصيام أيها الأغنياء، والفتات الذي تلقون به إلى الفقراء.


 

لبنى شرف
  • مـقـالات
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط