اطبع هذه الصفحة


ازدواجية المعايير

 لبنى شرف / الأردن

 
يرى بعض الناس الأمور بميزان مزدوج، فهم يرون ما لهم من الحقوق، وينسون (أو يتناسون) ما عليهم من واجبات، ولا يعرفون الحق لغيرهم، يريدون من الناس أن يحترموهم ويبجلوهم، وهم لا يحترمون أحداً، ولا يعرفون الفضل لأهل الفضل، وحقّاً، لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا ذوي الفضل. بل إن أحدهم إذا سمع أحدهم يتكلم بكلام فصيح حكيم، يتهمه بأنه لا يفقه شيئاً، وأن رأيه يجانب الصواب والحكمة، وكأنه هو وحده فقط من يفهم ويستطيع الكلام.
وهناك من يخاف على ولده ويغضب إن رآه يحمل شيئاً ثقيلاً، فهو يخاف على ظهره، وأما البواب أو العامل فيُحَمِّلُه فوق ما يستطيع، ولا يبالي إن إصابه ألم في ظهره من جراء ذلك، ويخاف أن يخرج ولده في الظهيرة شفقة عليه من الحر الشديد، ويرسل بدلاً منه البواب ليحضر لهم حاجياتهم!!
لماذا هذه الازدواجية، ولماذا هذا الظلم؟ أليس هذا بشراً مثل ولدك، يحس كما يحس، ويتعب كما يتعب، أم أنه مخلوق من عالم آخر، له طاقات خارقة؟!
ومنهم من ينزعج ويكيل السباب والشتائم لمن يطلق زامور سيارته من تحت نافذة بيته وهو نائـم، أو لمن يرفع صوت المذياع أو الرائي -التلفاز-، مع أنه يقوم بنفس الفعل، وكأن له من الحقوق ما ليس للآخرين!!
ومن الازدواجية أيضاً، ما نراه بين الكنة والحماة، فالحماة عندما تخطب لابنها، تبحث عن فتاة كاملة المواصفات والمقاييس، وتنسى أن لها بنتاً ربما تكون في مستوى متواضع من هذه المواصفات، وعندما يتزوج ابنها تعامل زوجته وكأنها ضرتها، تعرف حقها على ابنها ولا تريد من ابنها أن يعطي زوجته حقها هي أيضاً، وأما ابنتها؛ فتغضب أشد الغضب، وتثور ثائرتها إن قصر زوجها في حقها، أو إن فضل أمه عليها، فما هذه الازدواجية، بل ما هذا العقل السقيم والنفسية المريضة!!
والكنة أيضاً؛ تشن حرباً شعواء على حماتها إن رأت زوجها يبالغ في إكرامها وبرها، وتنسى أنها -ربما في يوم من الأيام- ستكون في نفس الموقف من زوجة ابنها!! فالعاقلة تحسب حساب ذلك اليوم، بل إن العاقلة وصاحبة الدين تعطي كل ذي حق حقه ابتغاء مرضاة ربها، ومن أرضى الله بسخط الناس، رضي عنه وأرضى عنه الناس.
إن أمثلة الازدواجية كثيرة في حياتنا، وهذا أدى إلى خلل كبير في البنية الاجتماعية، وإلى اعوجاج في التعاملات، وما هذا إلا بسبب اعتلال التفكير، وضعف الإيمان.
إن النبي الكريم ـ عليه الصلاة والسلام ـ يقول: "أحب للناس ما تحب لنفسك" [صحيح الجامع:180]، ويقول: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" [صحيح النسائي:5054]. وكلكم يعلم حديث ذلك الفتى الذي جاء إلى النبي ليأذن له بالزنى، فعن أبي أمامة، قال: "إن فتى شاباً أتى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: يا رسول الله! ائذن لي بالزنى. فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه مه! فقال: ادنه. فدنا منه قريباً. قال: فجلس. قال: أتحبه لأمك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم. قال: أتحبه لابنتك؟ قال: لا والله يا رسول الله! جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم. قال: أتحبه لأختك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم. قال: أفتحبه لعمتك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم. قال: أفتحبه لخالتك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم. قال: فوضع يده عليه، وقال: اللهم! اغفر ذنبه وطهر قلبه، وحصن فرجه. فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء" [السلسلة الصحيحة:1/712].
بهذا المنطق الحكيم، وبهذه المعادلة البسيطة، بين النبي الكريم للفتى أنه كما أنك لا تحب الزنى لنساء بيتك ولمحارمك، فكذلك الناس لا يحبونه لنسائهم.
لا بد من أن نعيدَ النظر في موضوع الازدواجية في حياتنا؛ حتى تستقيم أمورنا.


 

لبنى شرف
  • مـقـالات
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط