اطبع هذه الصفحة


حين يصير الإنسانُ جَِصيّاً (أي جبصيناً)!

 لبنى شرف - الأردن


مع أن الدماء ما زالت تسيل، والقلوب تتفطر؛ حزناً على من فقدت من زوج، أو ابن، أو عزيز، والنساء يكدْن يمتْن كمداً وقهراً على أعراضهن التي هُتكت، والناس فقدوا الأمان، لا يدرون متى سيقتحم الظلمة عليهم بيوتهم، وينتهكون حرماتهم، مع كل هذا تجد أناساً قد تبلد عندهم الإحساس، وتحسب أنهم لا يسمعون ولا يرون ما يجري لإخوانهم من تعذيب وقتل وتشريد هنا وهناك، وكأنهم يعيشون في كوكب آخر!
من مدة قريبة جداً سمعت أن هناك من بدأ يُحضِّر من الآن لا لرمضان، وإنما لولائم رمضان! استغربت أشد الاستغراب أن يكون جل اهتمام هؤلاء الطعامَ والشراب، ولا يكترثون كيف سيمر شهر رمضان على إخوانهم أولئك، ولا كيف سيكون حالهم فيه؟ أين عُرى الأخوة والجسد الواحد الذي يجمعنا والحمّى والسهر؟ أم تراها شعارات فقط؟ هذا عدا أن رمضان موسم للطاعات والقربات، وليس ملء البطون.
طبعاً تبلُّد الإحساس يتصف به كثير من الناس، ونحن نلمسه في حياتنا في مواقف كثيرة، فهذا الذي يسمونه "بيت العزاء"، تجد أهل الميت مفجوعين بميتهم، والناس تذهب تريد أن تأكل عندهم! أنا أشك في إنسانية هؤلاء، أو أن تكون عندهم ذرّةٌ من إحساس!
إحدى الأسر، والدهم كان يرقد في المستشفى بين الحياة والموت، وهذا قريبهم يسأل ابن الرجل: ما هو غداؤكم اليوم؟
وهذه بنت قلبها يعتصره الألم على موت أمها، فتقترب منها إحدى المعزيات لا لتواسيها، وإنما لتحدثها عن خاطب وتسألها رأيها فيه! هناك أناس تشعر فعلاً وكأنهم أصنامٌ أو أحجار!...
لماذا نحن أصنام؟
وكيف يحاور الإنسان
حين يصير جبصينا؟ (والصحيح في اللغة العربية أن نقول: جَِصيّاً، بفتح أو كسر الجيم)
خُلقنا نحن من روح ومن طين
نسينا روحنا حتى
غدت في جسمنا طينا
كنت أشاهد التلفاز ذات يوم، وإذ بأحد المدربين في البرمجة اللغوية العصبية يتحدث، فلفت انتباهي حركاته اللاموزونة، تشعر وكأنه رجل آلي! وليس لكلامه روح على الإطلاق، وكذلك غيره من المتحدثين في هذا الموضوع، وربما لهؤلاء دور في إماتة الشعور وتبلد الحس عند من يستمع لهم، هذا إضافة إلى الأخطاء والانحرافات في مثل هذه الفلسفات.
إنهم في هذه البرمجة اللغوية العصبية -وغيرها من الفلسفات الغربية، تجدهم يخاطبون الإنسان وكأنه جلمود صخر منزوع الحس والشعور، وليس فيه روح، كالآلة الصماء تماماً، تضغط هذا الزر فيسير يميناً، أو تضغط ذاك الزر، فيتجه شمالاً! افعل هذه الحركة، فتحب أو تكره! هكذا يتعاملون مع الإنسان، وهذه هي الفلسفات الغربية المادية النفعية، التي تخاطب جانب الطين في الإنسان، وهو خطاب جاف لا يرقى لأن يؤثر في روح الإنسان، بل إنه يميتها، ولولا أن هذه الفلسفات وجدت القابلية عند البعض لتشرُّبِها، لما راجت بين المسلمين، وليتهم اقتصروا على ما هو نافع لنا من الوسائل والأدوات لا المناهج، أو "الحكمة" التي يتشدقون بها كلما اقتبسوا شيئاً يعجبهم من هنا أو هناك، ولكنهم أخذوا الغث والسمين.


 

لبنى شرف
  • مـقـالات
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط