اطبع هذه الصفحة


تثَبّت قبل أن تحكُم

 لبنى شرف - الأردن


عالم جليل، يتميز بأسلوبه الهادئ في الطرح والنقاش، يقول رأيه في المسألة ويأتي بدليله، دون طعن في غيره أو تجريح.

كنت أستمع له ـ رحمه الله ـ ذات مرة، وفي نهاية الدرس أخذ يجيب على الأسئلة، وكان من ضمنها سؤال، يقول: يقولون إن «زيداً» من الخوارج، فهل هذا صحيح؟
فقال الشيخ: هل «زيد» موجود؟
فأجاب «زيد»: نعم.
فقال الشيخ له: تعال يا «زيد».
فلما حضر؛ سأله الشيخ: هل تقول بكذا وكذا..؟ (ما تقول به هذه الطائفة).
فأجاب: لا.
قال الشيخ: ها قد سألته أمامكم فنفى ما يُقال عنه. وأنا أقول: إن «زيداً» من الخوارج على أهل الباطل، وكلُّ ذي نعمة محسود؛ فقد كان رحمه الله يعرفه جيداً، ويثق بعلمه وتقواه، ولكن حتى يكون درساً لمن يستمع له؛ ألا يحكموا على أحد دون تثبت من صحة ما نُقل عنه، وأن يسمعوا منه ويتبينوا الأمر قبل أن يتهموه زوراً وبهتاناً بتهم باطلة دون بينة.

قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [36:الإسراء].

قال مجاهد: «لا تذم أحداً بما ليس لك به علم». وقاله ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أيضاً. وقال العوفي: «لا ترمِ أحداً بما ليس لك به علم».

وقال سيد قطب: «وهذه الكلمات القليلة تُقيم منهجاً كاملاً للقلب والعقل، يشمل المنهج العلمي الذي عرفَته البشرية حديثاً جداً، ويضيف إليها استقامة القلب ومراقبة الله، ميزة الإسلام على المناهج العقلية الجافة.

فالتثبت من كل خبر، ومن كل ظاهرة، ومن كل حركة، قبل الحكم عليها، هو دعوة القرآن الكريم، ومنهج الإسلام الدقيق. ومتى استقام القلب والعقل على هذا المنهج لم يَبقَ مجالٌ للوهم والخرافة في عالم العقيدة، ولم يبق مجال للظن والشبهة في عالم الحُكم والقضاء والتعامل، ولم يبق مجال للأحكام السطحية والفروض الوهمية في عالم البحوث والتجارب والعلوم.

والأمانة العلمية التي يشيد بها الناس في العصر الحديث ليست سوى طرف من الأمانة العقلية القلبية التي يعلن القرآن تَبعتها الكبرى، ويجعل الإنسانَ مسئولاً عن سمعه وبصره وفؤاده، أمام واهب السمع والبصر والفؤاد. إنها أمانة الجوارح والحواس والعقل والقلب، أمانة يُسأل عنها صاحبُها، و تُسألُ عنها الجوارحُ والحواس والعقل والقلب جميعاً، أمانة يرتعش الوجدان لدقتها وجسامتها كلما نطق اللسان بكلمة، وكلما روى الإنسان رواية، وكلما أصدرَ حُكماً على شخص أو أمر أو حادثة.

﴿ولا تَقْفُ ما ليسَ لكَ بِهِ عِلْمٌ﴾.. ولا تتبع ما لم تعلمه علم اليقين، وما لم تتثبت من صحته، من قول يُقال ورواية تُروى، من ظاهرة تُفسَّرُ أو واقعة تُعلل، ومن حكم شرعي أو قضية اعتقادية».

كثير من الناس يستهينون بهذا الأمر، ويتسرعون في إصدار الأحكام القاسية والجائرة أحياناً على غيرهم دون روية أو تثبت، وليتهم يكونون ـ كما قال أحدهم ـ مثل (جوجل)! يفهم من أول كلمة، ويسألك: هل تقصد..؟

نُقل لأحدهم كلاماً عن «سعيد»، فرد عليه بانفعال، دون وجود «سعيد» معه في المجلس، وأخذ صوته يرتفع شيئاً فشيئاً أثناء الكلام، وكل ذلك دون أن يسأل «سعيداً» أو يسمع منه؛ فلعله لم يقصد الذي فُهم عنه، أو لعله لم يحسن اختيار الألفاظ؛ أي ربما يكون قد أخطأ ولكن دون قصد أو سوء طَويَّة، ومنْطقُ المرء قد يهديه للزلل.

بعد أن أنهى هذا كلامَه، أخذت أبحث في موقع (اليوتيوب)؛ لأرى ماذا قال «سعيد»، وهل يستحق كل هذا الانفعال في الرد عليه أم لا؟ فلعل الذي نقل كلامه لم يتحرَّ الدقة، كما يفعل كثير من الناس، أو لعله لم يفهمه على مقصد قائله ومراده.

بعد البحث وجدت ضالتي، ولما استمعت له وجدت أن هناك فرقاً بين كلامه وكلام ذلك الناقد، وهذه ليست المرة الأولى التي أرى فيها مثل هذا المشهد، ويبدو ـ كما قال الرافعي ـ أن أكثر ما يحسنه الناس هو أن يسيئوا الظن.

أكثرُ الناسِ يحكُمون على النا *** سِ وهيهات أن يكونوا عدولا

نسألُ اللهَ السَّدادَ في الأقوالِ والأفعال.

 

لبنى شرف
  • مـقـالات
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط