اطبع هذه الصفحة


مشروع قانون موحّد للأحوال الشخصية... ثقافة تضرب مجتمعنا الإسلامي والعربي

د. نهى قاطرجي

 
بسم الله الرحمن الرحيم


عقد بتاريخ 19/12/2022 مؤتمر صحفي شاركت فيه القوى التغييرية وبعض النواب بمناسبة تقدمهم بمشروع قانون موحّد للأحوال الشخصية، وقد لفتني في هذا المؤتمر قول النائب بولا يعقوبيان (نائب وليس نائبة لأن النائبة في اللغة هي المصيبة) إن هذا القانون هو الطريق الوحيد للدولة المدنية وهي تتحدى سائر القوى بأن توافق على هذا المشروع ساخرة بأنهم هم من يدّعون المطالبة بالدولة المدنية وهذه فرصتهم.

كلامي الآن ليس لنقد القانون المقترح، إذ إني أترك هذا الأمر لذوي الاختصاص من شرعيين وقانونيين... ويمكن لمن يريد أن يطّلع على الرأي القانوني والشرعي العودة إلى المقال الذي كتبه الدكتور «رأفت ميقاتي» على موقع المركز الدولي لحقوق الإنسان والقانون المقارن تحت عنوان «لماذا اقتراح قانون موحّد للأحوال الشخصية في لبنان أمر مردود ومتهافت ومرفوض؟» وقد فنّد في هذا المقال المخالفات الشرعية والقانونية المتعلقة بالقانون المقترح. إنما أفكاري هي عبارة عن خواطر امرأة مسلمة وكل امرأة مسلمة تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر خيره وشرّه من الله. امرأة تؤمن بأن الحياة الدنيا هي ممر للحياة الآخرة، وأن على المرأة إن أرادت أن تفوز بالآخرة أن تلتزم بشرع الله عزّ وجلّ الذي أوضح من خلال قرآنه الكريم وسنّة نبيه صلى الله عليه وسلم حلاله وحرامه، وفرض عقوبته على كل من خالف أوامره ونواهيه.

هذا الواقع يرفضه بعض الناس من علمانيين أو لا دينيين أو أصحاب الطوائف الأخرى، مسقطين معاناتهم الخاصة في محاكمهم الروحية على غيرهم من الطوائف، ومحاولين بذلك تعميم هذه المعاناة ونقل رؤيتهم للحلول بناء على التجربة الغربية، كونها بنظرهم نجحت في إعطاء المرأة حقوقها وفي تحقيق المساواة بينها وبين الرجل في هذا المجال، مع أن الواقع قد يكون مغايراً لذلك، والدليل على هذا الأمر ذهاب بعض الأزواج الغربيين إلى إبرام عقود خارجية فيما بينهم تتنازل المرأة من خلالها عن تطبيق الحكم القانوني الصادر في حال وقوع الطلاق، والقائم على تقاسم الأموال بين الزوجين.

إن محاولة نشر هذه الثقافة الغربية في المجتمعات الإسلامية والعربية، إذا افترضنا حسن النيّة، لا يمكن أن تتناسب مع المصلحة الفردية والمجتمعية والشرعية للمرأة والأسرة المسلمة. وإذا أردنا أن ننظر إلى الأمر بتجرّد، ونبحث عما تتعارض به هذه القوانين مع تلك المصالح فإن الشرح يطول، ومساحة المقال لا تسمح، لذلك سأقتصر على بعض النقاط التالية:

خسران المرأة لحقوقها التي أعطاها إياها الشرع الإسلامي، من بينها حقها في النفقة من قبل زوجها، إذ عندما تفرض التقاسم في النفقة الأسرية داخل الأسرة وفق القانون المقترح يفرض على المرأة عندها أن تنفق في البيت مثلها مثل الرجل تماماً. بينما في الشرع أموالها هي حق خالص لها لا يحق للرجل أن يأخذ شيئاً منها إلا اذا سمحت بذلك.

مخالفة المرأة لشرع ربها في قضايا الأحوال الشخصية مثل الإرث والحضانة والتبنّي والعدّة والطلاق، وغير ذلك من الأمور التي تطالب بها مشاريع قوانين توحيد الأحوال الشخصية، وهنا تقع إشكالية كبيرة، ماذا تفعل مثل هذه المرأة عندما تأخذ حقاً ليس لها في الإرث مثلاً، فهل يمكن أن تكون مرتاحة الضمير وهي تعلم بأن ربها سيحاسبها أن أخذت حقاً ليس لها؟ والأمثلة في هذا المجال كثيرة منها أيضاً زواج المسلمة من غير دينها، واختلاط الأنساب في حالة التبنّي وغير ذلك من الأمور.

سعي المنظمات النسوية ومن بينها منظمة كفى واضعة القانون إلى تنفيذ برنامج الأمم المتحدة فيما يتعلق بالمساواة بين المرأة والرجل عبر قضم الصلاحيات المنوطة بالرجل وسلبه القوامة والولاية وجعل حق الطلاق بيد المحكمة وأمور أخرى تطالب الاتفاقيات الدولية تغييرها في قوانينها الداخلية.

التدخّل في تربية الطفل، ووضع الضوابط لهذه التربية ، وعلى سبيل المثال جاء في هذا القانون أنه «إذا كان الطفل مميزاً، لا تتخذ القرارات بشأنه إلا بعد التشاور معه وموافقته المسبقة على هذه القرارات»، فمنذ متى كان الطفل هو الذي يقرر ويوافق على أمور تتعلق بتربيته، وكيف نستطيع أن نميّز بين الطفل المميز وغيره؟

اعتبار من وراء هذا المشروع أن اللجوء إلى المحاكم المدنية هو الحل للخلاص من ظلم المحاكم الدينية، على اعتبار أن المحاكم المدنية لا يوجد فيها ظلم... ومن أراد أن يتأكد من هذا الأمر ما عليه إلا زيارة السجناء الذي يقبعون في السجن من دون محاكمات...

ما ورد لا يعني تبرئة ساحة بعض المحاكم الشرعية أو الروحية من الظلم الذي يقع على المرأة بالدرجة الأولى كونها العنصر الأضعف، إنما الحل يكون بدعوة العلماء والمجتهدين إلى إنصاف المرأة وفق ما يقرّه الشرع والدين وليس وفق قوانين مدنية قابلة للتغيير وفق أهواء بعض النواب، أو وفق ما تمليه أجهزة العولمة المتمثلة بمنظمة الأمم المتحدة وأجهزتها المحلية...

أخيراً ما ورد ليس إلا خواطر من امرأة مسلمة تعتز بدينها وشرعها وترفض الاحتكام إلى تشريع مدني تخسرها الدنيا قبل الآخرة.

 

د.نهى قاطرجي
  • مـقـالات عامة
  • مـقـالات نسائية
  • مـقـالات موسمية
  • مـقـالات الأمة
  • المكتبة
  • القصة
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط