اطبع هذه الصفحة


وقفة مع زلزال تركيا وسوريا

د. نهى قاطرجي

 
بسم الله الرحمن الرحيم


الزلزال كغيره من الظواهر الطبيعية كارثة من الكوارث التي تجعل الإنسان يقف أمامها عاجزاً أمام هول الدمار والخراب الذي يخلفه في البشر والحجر .
إن المتتبع لهذه الظاهرة يتألم كثيراً بسبب شعور الإنسان بالعجز أمام هذا المصاب الجلل، فالصور التي وصلت عن الدمار الذي حدث في زلزال تركيا وسوريا ، تخيل للناظر أنها مشاهد من برامج كرتونية أو أفلام هوليودية ...

إن القصص التي تابعناها عبر وسائل التواصل الاجتماعي للناجين من الزلزال لا تختلف عن غيرها من القصص التي تحدث في مثل تلك الكوارث ، إلا أن الاختلاف هذه المرة هو أنها حدثت معنا ومع أقربائنا وأحبائنا وأبناء جلدتنا ..

كثيرة هي الأسئلة التي تطرح في مثل هذه المصائب، وحتى لو أنها لا تطرح علناً ولكنها تبقى وسوسة من وساوس الشيطان الذي يستغل مثل هذه المناسبات كي يشكك المسلم في دينه .
من نماذج هذه التساؤلات:
لماذا تحدث هذه المصائب في بلاد تعاني أصلاً من الكوارث والمصائب، كما يحدث في سوريا مثلاً التي عانت ولا تزال تعاني من آثار الحرب المدمرة ؟ ما الغاية من حدوث مثل هذه الكوارث؟ وإذا فهمنا بأنها يمكن أن تحدث لغير المسلمين كعقاب لهم فلماذا تحدث للمسلمين الموحّدين الذي يخافون الله ويؤمنون به ؟ هذه الأسئلة غيرها لن نتوسع بها، ونترك الرد عليه للعلماء المختصين، ولكن نجيب بآية واحدة كافية شافية ، ألا وهي قوله تعالى : ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ﴾ [ سورة الأنبياء / ا23] .

العبر التي يمكن استخراجها من خلال ما حدث عديدة، فمن خلال متباعتي لفيديوهات بعض الأشخاص الذين أنقذوا من تحت الأنقاض، استوقفتني نماذج عديدة أحببت التعليق عليها ، منها :

1- التكبير الذي ملأ الساحات لحظة الزلزال وبعده ، مما يدل على أن المؤمن لا ملجأ له من الله إلا إليه ... فعلى رغم من علم هؤلاء أن هذا الابتلاء هو من الله عز وجل إلا أن تسليمهم بقضاء الله وقدره أكبر من مصائب الدنيا كلها.
2- قصة تلك المرأة التي أبت أن يخرجوها من تحت الأنقاض قبل أن يؤتوها بحجاب تستر به شعرها، مع أنها في مثل هذه الحالة يمكن أن تخرج على أية حالة كانت ... المهم أن تخرج .
3- قصة ذلك العجوز الذي كان يسأل المنقذين عن ماء كي يتوضأ به ويصلي فرضه. وعلى رغم أن المسعفين أخبروه بأنه يستطيع أن يقضي الصلاة عندما يخرج، أو أن يتيمم، إلا أنه أبى وظل مصراً على الوضوء بالماء.
4- قصة تلك الفتاة الصغيرة التي خرجت من تحت الركام، وعندما سألوها إذا كان لا زال هناك أحد معها، أخبرتهم بان هناك اخوتها ووالدتها ولكنهم ميتون ... هكذا بكل رباطة جأش نطقت هذه الفتاة بكلمة الموت، وكانها على علاقة وطيدة معه منذ زمن بعيد ... كيف لا واهل سوريا تآخوا مع الموت منذ أكثر من 12 سنة ..
5- قصة ذلك الأب الذي مسك بيد ابنه المدفون تحت الأنقاض يواسيه ويصبره إلى أن يأتي دوره في الانقاذ .
6- قصة تلك المرأة التي أنجبت تحت الركام لتموت وتعيش ابنتها الرضيعة، ولتستمر بذلك الحياة رغم الآلام والجراح .

هذا بالنسبة للقصص، أما المناظر المخيفة التي تابعناها فهي لا تعدّ ولا تحصى، ومن بينها :

- منظر المباني وهي تتساقط مثل ورق الشجر، تجعل المرء يدرك بأن كل شيء فان ، مبان كان سكانها يبنون عليها كثير من الآمال والأحلام ، وكانوا يتنافسون عل اقتنائها والتباهي بها . وها هم يفقدونها بأسرع من لمحة البصر .. هذا المنظر لا بد أن يدفع إلى التفكر بأن لا شيء في هذه الحياة مضمون ، وأن الضمان الوحيد للمسلم هو تقوى الله عز وجل والتوكل عليه ... وكفى به حسيباً .

- منظر الناس وهم يهرولون خائفين من مكان إلى آخر تاركين وراءهم كل غال ونفيس يذكّر المسلم المؤمن بيوم القيامة الذي تحدّث عنه الله عز وجل بقوله : ﴿ يَومَ يَفرّ المَرء من أَخيه وَأمّه وَأَبيه وَصَاحبَته وَبَنيه لكلّ امرئ منهم يَومَئذ شَأنٌ يغنيه ﴾ [ سورة عبس / 34-37 ] . ... فأجرنا يا رب من عذاب هذا اليوم، وارحم من مات في هذا الزلزال المروع، وألهم المنكوبين الصبر والسلوان .

 

د.نهى قاطرجي
  • مـقـالات عامة
  • مـقـالات نسائية
  • مـقـالات موسمية
  • مـقـالات الأمة
  • المكتبة
  • القصة
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط