اطبع هذه الصفحة


تغيير الخطاب النسوي الإسلامي

د. نهى قاطرجي

 
إن مما يحز في النفس فيما يتعلق بالحرب العراقية الأخيرة ، هو أنه على رغم انكشاف أهداف أمريكا الاستعمارية تجاه أمتنا ، والتي تستوجب من المسلمين عودة إلى الذات ومراجعة للحسابات الماضية ، فإنه لا زالت هناك فئة من الناس ، بعضها من النساء ، يساندون الولايات المتحدة في مهمتها الاستعمارية ، فيقدمون لها الدعم اللازم من أجل أن تستتبع استعمارها العسكري والسياسي باستعمار فكري واجتماعي، يؤدي إلى سلخ الأمة الإسلامية عن ثقافتها وحضارتها واستبدالها بقيم ومبادئ العولمة الغربية .

وقد تجلى هذا الأمر واضحاً في إصرار هؤلاء على تنفيذ برامج الأمم المتحدة فيما يتعلق بالمرأة ، مع أن أمريكا نفسها قد تخلت عن هذه المنظمة مرات عدة ، منها مرة عندما لم توقع على اتفاقياتها ، ومرة أخرى عندما ضربت بقراراتها عرض الحائط ، فدخلت إلى العراق على رغم المعارضة الدولية لهذا الدخول.

وتتجلى هذه المساندة أيضاً بالترويج للغرب على حساب الإسلام ، فيكثر الحديث في المؤتمرات النسائية، التي لم تتوقف رغم الحرب، عن ظلم الإسلام للمرأة، ودعمه للمجتمع الذكوري وغير ذلك من الأهداف التي إن كانت مخفية على الناس في مرحلة من المراحل التاريخية ، فإنها لم تعد كذلك اليوم مع انكشاف أهداف الدول الغربية الاستعمارية ، الأمر الذي يستدعي في هذه المرحلة بالذات ، تغيير الخطاب النسوي التقليدي الذي يخدم مخططات الأعداء ، فيدعم الهزيمة العسكرية بأخرى فكرية واجتماعية تركز التبعية المطلقة للغرب.

لذلك ينبغي لهذا الخطاب أن يغير أساليب طرحه لموضوع المرأة المسلمة، فلا يضلل الناس بادعائه العصرنة في خطابه الموجه للمرأة ، ذلك أن هذه الدعوة تتجاهل حقيقة أن " العصر هو صناعة إنسانية ، وليس بالتالي قيمة مقدسة يتعبد بها الناس ، أو يُلزمون بطاعتها وتقليدها ... من هنا فإن المرأة المسلمة العصرية حقاً ، ليست هي من تتبع وتقلد وتماشي قيم العصر الأوروبي الغالبة ، وإنما هي من تدعو وتجاهد لصياغة عصرها الجديد ، عصر الإسلام ".

وينبغي أيضاً لهذا الخطاب اليوم العمل على بيان ونشر النظرة الإسلامية الصحيحة للعلاقة بين الرجل والمرأة ، والمبنية على السكن والمودة وليس على التنابذ والصراع ، خاصة أن هموم الأمة اليوم تتعدى المرأة والرجل على حد سواء لتصل إلى الكيان والوجود .

هذا إضافة لإعادة النظر في الأهداف والمصالح ، فالدعوة إلى تطبيق الاتفاقيات الدولية الخاصة بالمرأة بدون تحفظ، لا ينم عن وعي تام لما يمكن أن يجر إليه هذا التطبيق من ويلات على الصعيد الفردي والصعيد الاجتماعي ، إذ إن تطبيق توصيات مؤتمر بكين مثلاً يمكن أن يؤدي إلى ولادة نماذج جديدة من العلاقات الاجتماعية لم تكن معروفة سابقاً ، كالزواج المِثلي ، والعلاقات الجنسية خارج إطار الزواج ، واختلاط الأنساب ، والأولاد غير الشرعيين، وغير ذلك من الأشكال الاجتماعية الشاذة التي ساهمت في انهيار المجتمعات الغربية انهياراً أدى إلى نشوء مشاكل اجتماعية جديدة لم تعانِ منها المجتمعات في السابق ، مثل العنف ضد المرأة وعائلة الوالد الواحد ، وغير ذلك من المشاكل التي استدعت تدخل تلك الدول من أجل سن قوانين جديدة تدعو إلى رفع الظلم عن المرأة .

وتسعى الاتفاقيات الدولية إلى إدخال الهموم التي تواجه المجتمعات الغربية إلى مجتمعاتنا ، التي لا تزال في معظمها في مامن من هذه الهموم، وذلك عبر إلزام الدول العربية والإسلامية بتغيير أنظمتها الداخلية تغييراً يؤدي إلى ولادة مثل هذه الهموم، ومن هذه التغييرات :
1- تغيير نظام التعليم وتعديل برامجه بحيث تضمن نشأة مجموعة من النساء المؤمنات بالقيم الغربية والمدافعات عنها ، فيكون اهتمام المرأة الأول بعد التحصيل الجامعي بالعمل وإثبات الذات ، وإن كان هذا العمل على حساب بيتها واستقرارها العائلي ، وتربية أبنائها الذين يحتاجون إليها في مرحلة نموهم .

وهذا الأمر أدرك خطورته الرئيس غورباتشوف،وحمّل المرأة مسؤولية انهزام المجتمع الروسي ، فقال في كتابه " البريسترويكا " : " نعترف بما قدمت المرأة الروسية من خدمات للثورة الاشتراكية ، ولكن يجب أن نتذكر أيضاً ما حصل في المجتمع الروسي من خلل في الأسرة نتيجة أنها تركت البيت وتركت الأجيال ، ويجب أن نلاحظ أن نسبة الجريمة ارتفعت لأن الأجيال أصبحت مختلة الشخصية ... هناك أمور ومشاكل اجتماعية بدأنا نحس بها ونعاني منها ، ولذلك أتمنى ألا نفرط في هذا الجانب لأننا محتاجون إلى المرأة في هذا المجال ولا يوجد من يسد مكانها في هذه الثغرة " .

هذا الكلام يمكن أن يُستنبط منه دور المرأة الخطر في صناعة الأجيال ، فهي التي تباشر عملية التربية وبناء الإنسان الذي ، كما هو معلوم ، يصنع الحضارة .

2- الهجوم على الدين والازدراء بكل ما هو ثابت ومتفق عليه في الشريعة الإسلامية ، فإضافة إلى الازدراء بالحجاب الذي يعد جزءاً من الهوية الثقافية الإسلامية، يكثر الهجوم على قانون الأحوال الشخصية الذي ينظم حياة الأسر من ناحية الزواج والطلاق والإرث ، بحجة عدم مراعاته للمساواة بين المرأة والرجل ، أو بحجة فتح باب الاجتهاد واللحاق بركب التطور ، وغير ذلك من الأفكار التي تحاول التقليل من سيطرة الدين على حياة البشر ، عبر اعتماد مبدأ " فصل الدين عن الدولة " .

ويمكن استنباط سبب تبني العديد من النسوة النظرة القيمية الغربية من قول للمؤرخ التاريخي ابن خلدون في مقدمته ، حيث بيّن أن : "المغلوب مولع أبداً بتقليد الغالب" ، وبما أن غلبة القوة العسكرية والتقنية اليوم هي للغرب ، وبما أن هذه القوة والتقدم يرتبطان في الأذهان بالقوة والنجاح ، فقد اعتقد بعض الناس أنهم للوصول إلى النجاح والرقي الذي وصل إليه هؤلاء لا بد من اتباعهم في قيمهم ومفاهيمهم ، حتى ولو ظهر جلياً فشل هذه المفاهيم وتراجعهم هم أنفسهم عنها .

لقد اصطدم هؤلاء ، في أثناء محاولتهم إسقاط قيم ومبادئ الغرب على التشريعات الإسلامية، باستحالة تخلي المسلمين عن تشريعاتهم الإلهية الثابتة ، فدعوا عندئذ إلى فتح باب الاجتهاد من أجل تعديل قوانين الأحوال الشخصية حتى تتناسب وتطلعاتهم ، متناسين بذلك الشروط التي يجب أن تتوافر في المجتهد ، من ورع وتقوى وإخلاص النية لله تعالى ، وعِلمٍ بالنصوص واللغة ، إلى جانب فهم للعصر والأعراف ، وغير ذلك من الشروط التي وضع العلماء بنودها من أجل حماية هذا الدين من المتطاولين والمتطفلين .

إن الهدف من وراء دعوتنا إلى تغيير الخطاب النسوي الإسلامي ، هو إيجاد نساء مسلمات واعيات لما يخطط لهن ، مدركات بأن النهوض بالأمة لن يكون إلا بإيجاد حلول لمشاكلها تتخذ من الخصوصية الحضارية والثقافية للأمة أساساً لها.

من هنا تأتي أهمية معرفة اختلاف النظرة إلى المرأة بين الإسلام والغرب ، ففيما ينظر الغرب إلى المرأة بطريقة مفككة جزئية، ويحاول إيجاد حلول لمشاكلها بمعزل عن الحلول الخاصة بالطفل أو الرجل أو المسن ، نجد النظرة الإسلامية لا تنظر إلى المرأة خارج نطاق أسرتها ، فهي تجد الحلول المناسبة لمشاكلها ، أماً كانت أو اختاً أو زوجة ، إضافة إلى أن الإسلام لا ينظر إلى المرأة في مرحلة عمرية واحدة بل هو ينظر إليها في كل مراحل عمرها ، وخاصة عند كِبَرها وحاجتها إلى العناية والاهتمام من قبل عائلتها ،وهذه الحلول هي ما تفتقد إليه الدول الغربية حالياً.
إضافة إلى ذلك لا ينبغي أن ننسى أن الاختلاف في البيئة والتفكير بين المجتمعات يجعل من المستحيل توحيد النظرة إلى الهموم وبالتالي توحيد الحلول حتى بين المجتمعات الإسلامية الواحدة فكيف إذاً بين ثقافة وأخرى ؟ إن معظم هموم المرأة المسلمة لا تتعلق بقضية المرأة الريفية أو قضية الطفلة الأم أو حتى قضية العنف ضد المرأة، التي يحاول الغرب تسليط الضوء عليها وإبرازها كمعضلة أساسية تستدعي حلاً سريعاً، فإننا وإن كنّا نعترف بوجود بعض هذه الهموم ، إلا أنها لا تشكل القاعدة الأساسية ، بل إن همومنا مختلفة تماماً ، فهي لا تعود إلى تخلف تشريعاتنا الدينية بل تعود بالدرجة الأولى إلى عدم تطبيق بعض الناس للأحكام الشرعية ، مثل تهرب بعض المسلمين من تطبيق شرع الله في الطلاق وإعطاء حق المهر للزوجة ، أو في إعطاءها المرأة حقها في الإرث الذي حدده رب العالمين .

أما المشاكل الاجتماعية الخاصة بمجتمعاتنا دون سوانا ، فهي أيضاً متعددة ، وتختلف كما قلنا من بيئة إسلامية إلى أخرى، فمنها التشجيع على الزواج بدل القضاء عليه ، حماية كبار السن الذين أوصى بهم الله ورسوله حيث بات لعمل المرأة دور في إهمالهم وإلحاقهم بدور الرعاية الاجتماعية ، إضافة إلى ارتفاع سن الزواج، وارتفاع نسب الطلاق خلال السنوات الأولى من الزواج ، وأنواع الزواج المختلفة، مثل الزواج العرفي، وزواج المِسيار، إلى جانب العلاقات المحرمة التي تؤدي إلى تفشي الأمراض النفسية والاجتماعية .

ولا يجب أخيراً أن ننسى مهمة المرأة المسلمة في ظل الاستعمار العسكري والغزو الفكري الذي تتعرض له أمتنا، فإذا أخذنا فلسطين المحتلة مثلاً ، فإن من المستنكر أن تتحدث بعض المنظمات النسوية عن تعديل قانون الأحوال الشخصية وتحديد النسل في فلسطين في الوقت الذي يعاني فيه الفلسطينيون من حرب على الوجود ، " وذلك بدلاً من أن تعمق هذه المنظمات من وعي النساء بطبيعة المشكلات الاجتماعية ربطًا بسياسة الاحتلال والمصائب اليومية التي تقع على كاهل الشعب الفلسطيني بسببها " .
 

د.نهى قاطرجي
  • مـقـالات عامة
  • مـقـالات نسائية
  • مـقـالات موسمية
  • مـقـالات الأمة
  • المكتبة
  • القصة
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط