اطبع هذه الصفحة


التنجيم حرام ... البصارة كذابة

د. نهى عدنان قاطرجي

 
خرجت فاطمة باكرا متجهة إلى عملها، وكانت تشعر بسعادة داخلية نتيجة هذه الرؤيا التي رأتها في المنام بالأمس ، فشعرت بان شيئا جميلا سوف يحدث معها وسيغير حياتها ... هي تؤمن بالأحلام التي تراها... فكثير منها قد تحقق معها فعلا ...

صعدت فاطمة إلى سيارة التاكس بعد أن اشترطت على السائق ان يوصلها امام باب العمل، وذلك هربا من حر الصيف الشديد في مثل هذه الأيام من السنة، وما ان جلست على المقعد حتى سمعت الراديو يقول: "برج القوس"،- انه برجها - ... استرقت السمع، فهي مع انها لا تؤمن بالأبراج إلا انها إذا سمعت برجها صدفة فهي تستمع إليه للتسلية فقط ... واليوم تؤكد البصارة الالكترونية " كارمن" بأن يومها سيكون مميزا، وانها ستسمع خبار جميلة" .

ابتسمت فاطمة وعادت إلى حلمها الجميل الذي رأته اليوم، ولم تستفق منه إلا وسائق التاكسي يقول: وصلنا إلى شارع الحمراء، اعذريني آنستي ، هل يمكنك أن تنزلي هنا لأنني لا استطيع أن ادخل في هذا الشارع، فهناك عجقة سير خانقة....
ولكنني قلت لك منذ البداية أنني اريد أن اصل إلى شارع مستشفى الجامعة ألأميركية... قالت فاطمة وقد بدأ الغضب يسيطر عليها... ولكنها فجأة انتبهت إلى أنها لا تريد أن تعكر صفو يومها فقالت بنبرة غاضبة: حسنا حسنا انزلني هنا ... لن ادخل معك بنقاش...

خرجت فاطمة من السيارة وتوجهت إلى مقر عملها الذي تعمل فيه منذ عشرين سنة تقريبا، وهي محظوظة أنها لم تغير هذا العمل على عكس كثير من رفيقاتها، وقد أخذ هذا العمل من عمرها الكثير خاصة أنها لم تتزوج إلى الآن وهي ... تحت نصيبها ...

دخلت مكتبها وألقت تحية الإسلام على زميلاتها اللواتي سبقنها في الوصول، ثم جلست إلى مكتبها وأخذت تستعيد حلمها الجميل بكل تفاصيله، ثم فتحت جهاز الحاسوب خاصتها، وبدات تبحث عن معاني هذا الحلم من خلال موسوعة "المكتبة الشاملة" التي أدخلتها في الحاسوب خصوصا لهذه الغاية...
منعها انغماسها في البحث من الانتباه لوجود زميلتها "مي" وهي تقف أمامها تنظر إليها وتهز برأسها، ثم دار بينهما الحوار التالي:

مي : ألن تتخلصي من هذه العادة السيئة، كل يوم ينبغي أن تأتي إلى هنا وتبحثي عن معنى لحلمك، ألم تدركي بعد بأن ما ترينه في الحلم ليس سوى انعكاسا لأمانيك التي لم تحققيها، اصح يا صديقتي ، اصح... وعيشي على ارض الواقع.

فاطمة: لن اجادلك، ولكنني أؤمن بأحلامي، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: " لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصادقة".

مي : وهل تشبهين رؤياك برؤيا الرسول صلى الله عليه وسلم ...

فاطمة : لا معاذ الله ... ولكن هذا لا ينفي أن بعض رؤيا البشر تتحقق ... وانا على الأقل أبقى في إطار الحلم ولا أفعل كما تفعلين أنت بالذهاب إلى البصارات من أجل ان يحققن أحلامك ويضحكن عليك ويأخذن المال منك ...

مي: أنا افعل هذا للتسلية ... انا أعلم بأن معظمهن يكذبن علي، ولكن هناك البعض منهن يتقنن عملهن وهن يتحدثن عن علم، التبصير اليوم هو علم قائم بحد ذاته، الحقي التطور يا صديقتي، كل شيء اصبح يحسب بالأرقام والحسابات ...

فاطمة: وسرقة الأموال ... وابتزاز الناس ... وخاصة مع النساء ضعيفات العقول أمثالك...

مي: من قال لك بان من يفعل هذا هو النساء فقط ... بل ان رؤساء الدول اليوم لديهم مستشارون من علماء الفلك وما تسميهم انت بالبصارين.

فاطمة: إن ما يفعله هؤلاء يا عزيزتي هو بيع الأحلام والأماني ... انت تذهبين إلى هناك لكي تستمعي إلى ما ترغبين سماعه ... فإذا لم تحصلي على مبتغاك تتوجهين إلى بصارة أخرى تتقن نوعا آخر من الاحتيال.. وهكذا أمضيت عمرك كله تلحقين هذه الترهات ... حتى أصبحت ... "على الأرض يا حكم".

مي: لا ما تقولينه يا فاطمة ليس دقيقا، فكثير ممن ذهبت إليهم قالوا لي اشياء صحيحة، وعلى فكرة هم مؤمنون، ويقرأون القرآن، وهم لا يأتون بشيء من عندهم ...

فاطمة: آه طبعا ، هم يستندون لآيات واحاديث...

مي: لا تسخري مني، ألا تصلين أنت صلاة الاستخارة ؟

فاطمة : ماذا؟ وهل تقارنين صلاة الاستخارة بالتنجيم ؟

مي: طبعا، نفس الشيء... أنت تصلين الاستخارة وتنتظرين ما سيحدث لك في المنام ... وانا اتوجه إلى امرأة مؤمنة تستخدم ايضا آيات القرآن الكريم، من اجل اخباري بما سيحصل معي... ما الفرق؟ وفي النهاية هي يمكن ان تساعدني ... وتعطينني آيات وسور قرآنية أقرأها، أو تكتب لي حجاب يحميني من الحسد والغيرة والسحر .. ما الخطأ إذا كنت أريد أن احصن نفسي ضد اشياء ذكرها القرآن الكريم ...

فاطمة: الفرق شاشع بين ما تفعليه وما أفعله انا، فأنا أصلي صلاة الاستخارة، وفي بعض الأحيان اشاهد رؤيا في المنام وفي بعض الأحيان لا اشاهد شيئا، ولكنني في النهاية اسلم امري إلى الله، وارضى بما قسمه الله لي، بينما انت تتوكلين على بشر مثلي ومثلك لا ينفعونك ولا يضرونك...

مي: انت تستهزئين بهؤلاء الأشخاص ... أتذكرين آخر مرة كنت معك في المطعم،

فاطمة: أه أذكر.. الثلاثاء الماضي ...

مي: نعم ... وجاءت امرأة وتحدثت معي ...

فاطمة: اجل أذكر، قلت لي وقتها انها معرفة قديمة؟

مي: هي أحدى النساء اللواتي أذهب إليهن ... لقد اتصلت بي بالأمس واخبرتني شيئا عنك؟ تصوري مع انها لا تعرفك؟

فاطمة: ... وووو ماذا قالت؟

مي: لماذا هذا الاهتمام؟ انت قلت بأنك لا تصدقين ... البصارة ؟!

فاطمة: إنه مجرد فضول... إذا كنت لا تريدين اخباري فأنت حرة ...

مي: لقد عرفت لوحدها بأنك غير متزوجة... وقالت لي أن هناك مشروع زواج قريب، وأن العريس شخص مهم وهو يريدك منذ زمن وانت ترفضين .... وقالت لي بأن هناك معلومات أخرى يمكن ان تخبرك بها وجها لوجه ...

فاطمة: آه طبعا ... طبعا ... هكذا تبدأ الأمور، إنها تحاول بهذه المعلومات الكاذبة ان تجذبني إليها وتبتزني كما تبتزك..

مي: كما تشائين، ... ما على الرسول إلا البلاغ ... سأنصرف الآن ... أراك لاحقا .
 

**************


بقيت فاطمة طوال النهار تفكر بكلام صديقتها "مي" هل يمكن أن يكون ما تقوله تلك البصارة صحيح؟ ولكن كيف عرفت أنني غير متزوجة؟ ومن يكون هذا الشخص الذي يعرفانني منذ زمن؟

- اعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قالت فاطمة، ماذا افعل؟ هل يعقل أن أصدق ما تقوله هذه المرأة ، اين قول الله عز وجل: {قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ }... كيف اصدق هذه الأكاذيب ورسول الله عليه الصلاة والسلام يقول: (من اتى كاهنا فصدقه لم تقبل له صلاة اربعين يوما) ... استغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم .... وهل يمكن ان يكون ما قالته له علاقة بالرؤيا التي رأيتها بالأمس... ولكن ما هذه الصدف العجيبة ... فكلام هذه المرأة والرؤيا التي رأيتها يصبان في اتجاه واحد ...

لم تنتبه فاطمة إلى أن الوقت قد مر إلا بعدما جاءت "مي" لتودعها وتقول لها بانها ستذهب مساء إلى تلك البصارة فإذا أحبت ان تأتي معها فلتتصل بها...

ركبت فاطمة سيارة الأجرة متجهة إلى منزلها، وهي لا تزال تفكر بما حصل معها اليوم ، وتحاول ان توفق بين الرؤيا وبين ما قالته البصارة .... كانت عجقة السير خانقة كالعادة في مثل هذا الوقت في مدينة بيروت. التفت فاطمة يمنة باتجاه صخرة الروشة، حيث يتجمع المتنزهون والسائحون عادة، فوجدت عبارة مكتوبة بخط اليد على الحائط تقول: " التنجيم حرام... البصارة كذابة" ... فابتسمت فاطمة في داخلها واعتبرت ان ما رأته هو إشارة من الله سبحانه وتعالى تنبهها وتفسر لها ما حدث معها اليوم ... فعقدت العزم عندها ألا تفكر بالأمر مجددا وحمدت الله أن جعلها تنتبه قبل فوات الأوان ...
 

**************

عندما عادت فاطمة إلى المنزل ، اخبرت أمها بما حدث لها مع زميلتها وما رأته على الطريق ... فقالت لها أمها:

- غريب كيف عَرِفَتْ ؟؟
-
- أمي ماذا تقولين؟ انها كاذبة، لقد خمنت بانني غير متزوجة كوني صديقة "مي"، وكوننا كنا لوحدنا في المطعم، هي وسيلة من وسائل اصطياد الزبائن، "يا تصيب يا تخيب"...

- ليس دائما يا ابنتي ... لقد اصبح هذا العلم معترف به في العالم، وهناك برامج تعرض على التلفاز يوميا، وفي ساعات وأوقات مهمة، انا اراقبها طوال اليوم، احد هذه البرامج سيبدأ بعد قليل، وتقدمه امرأة تفتح أوراقاً أمامها، وتقوم ببعض الحسابات عندما تعطينها اسمك واسم امك، وتخبرك ماذا سيحدث معك ... هي لا تكذب فهي محجبة ، ولقد هداها الله للحجاب ، وكانت تظهر من قبل من دونه ...

- آه طبعا... والدتي العزيزة، كلامك ذكرني بإحداهن التي ذهبت إلى الحج وبدأت بالتبصير بالفنجان للحاجات .... وهل يكفي وضع الحجاب كدليل على التقوى، ألا ينبغي ان يمنعها حجابها من ارتكاب أمر محرم شرعا؟

- وهناك محطة أخرى ايضا تستضيف إحدى عالمات الفلك في أهم أوقات عرض البرامج، وهي تتحدث بالدين وتستشهد بالآيات القرآنية، وهي تدعو إلى قراءة أسماء الله الحسنى .... ووو

- اماه بالله عليك كفى، أنا أتحدث عن هذا الموضوع طيلة النهار... لقد مللت ...

- انظري ... ها قد بدأ البرنامج الذي أخبرتك عنه .... انظري... انظري...

- اماه... اماه ... سأنصرف... سأفتح بريدي الالكتروني، واقلب بعض الصفحات على الحاسوب ثم أنام ... استودعك الله ...

- في أمان الله يا ابنتي ...

فتحت فاطمة بريدها الالكتروني، ثم فتحت صفحة" المستشار" فوجدت موضوع الشهر تحت عنوان: " السحر والتنجيم وأثرهما السلبي على الفرد والمجتمع " .... ابتسمت فاطمة مجددا وأدركت بأن " الله معها ولن يضيعها ".

 

د.نهى قاطرجي
  • مـقـالات عامة
  • مـقـالات نسائية
  • مـقـالات موسمية
  • مـقـالات الأمة
  • المكتبة
  • القصة
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط