اطبع هذه الصفحة


فطرة التدين بين العلم والدين

د. نهى عدنان قاطرجي

 
بسم الله الرحمن الرحيم


اشارت إحدى الدراسات التي قام بها فريق من العلماء البريطانيين تحت اشراف الدكتور "بروس هود"، ان الإيمان بالله عز وجل ينبع من برمجة معينة في عقول البشر منذ الولادة، و"أن البشر مبرمجون للتمتع بشعور روحاني انطلاقاً من نشاط كهربائي في مناطق معينة في الدماغ " .
ان هذه الدراسة التي نشرتها الصحف مؤخراً، ليست الوحيدة من نوعها في هذا المجال، فعلى الرغم من الطابع الالحادي الذي طبعت عليه كثير من الدراسات العلمية التي تعنى بقضية التدين، إلا ان هناك دراسات اخرى وعلماء كثر توصلوا من خلال أبحاثهم إلى حقيقة وجود فطرة التدين عند الانسان منذ الولادة، وكان آخر واحدث ما نشر في هذا الصدد ما ذكرته صحيفة "الديلي تلغراف" في عددها الصادر في (16 حزيران 2009م) عن الدكتور " جستون باريت" أحد الباحثين الكبار بمركز الأنثروبولوجيا والعقل بجامعة أكسفورد ببريطانيا أن الأطفال ‏يولدون مؤمنين بالله ، وسبب إيمانهم أن أدمغتهم صُمِّمَت بطريقة ‏تجعلهم يؤمنون. ويرى لذلك أنه لو استطاعت قِلَّة منهم أن تعيش في جزيرة منعزلة .‏

هذه حقيقة أكدها القرآن الكريم بقول الله عز وجل : (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) [الروم/30] لقد وجهت هذه الآية العلماء إلى حقائق ودلالات عدة، منها:
1- وجود فطرة التدين لدى الشعوب والأمم الغابرة، وهذه الحقيقة ذكرتها الدراسات التي طالت عقائد الشعوب وعاداتهم واساطيرهم، ومن بينها موسوعة المؤرخ ول ديورانت" "قصة الحضارة"، التي ذكر فيها ان فكرة التدين لم تخل منها امة من الأمم في القديم والحديث .
2- مواقف الانسان المتباينة من الآيات العجيبة والكبيرة المنتشرة في هذا الكون، ومن هذه المواقف ما يتعلق بالاكتشافات الحديثة التي وقف العلماء امامها مبهورين بعظمة الخالق الذي اتقن كل شيء صنعه، وصدق الله عز وجل الذي يقول : ( سنريهم آياتنا في الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد) [ فصلت / 53] .
ومنها ما يرتبط بعجز هؤلاء العلماء، على رغم القدرات المالية والعقلية عن اكتشاف الكثير من اسرار الكون او اقتفاء آثارها، ويصدق في هؤلاء قول الله عز وجل في آية الكرسي ( ولا يحيطون بشيء من علمه ) [ البقرة ، 255] .
3-التجاء الانسان إلى الله عز وجل في وقت الشدة، قال الله عز وجل (وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله) [ الزمر/ 8 ] .

ولعل اكثر حالات الشدة التي تظهر فيها حاجة الانسان إلى ربه هي عند الموت وشعوره بدنو الأجل، لذلك نجد اكثر العصاة والكفار يعلنون توبتهم في هذه اللحظة، ولعل أشهر نموذج ذكره القرآن الكريم واصفا هذه الحالة، هو فرعون مصر الذي كان يستهزئ بإله موسى ويعتبر نفسه إلها، إلا انه عندما احس بدنو الأجل التجأ إلى الله سبحانه معلنا توبته، قال تعالى: (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين) [ يونس/ 90] .

إن وجود التدين هو حاجة اساسية في حياة الانسان، فهو من جهة يساهم في الاجابة عن الأسئلة التي تدور في ذهن الانسان عن اصل الوجود ونهايته وسببه، وعن الموت واسراره، وعن الروح واسرارها، وسواها من اسئلة عجز العلماء قديما وحديثا عن الاجابة عنها .

ومن جهة اخرى يساهم التدين في استقرار النفس، ويحقق للإنسان التوازن المادي والروحي والفكري الذي يحتاجه، كما يضبط الانفعالات والعواطف والميول، ويساهم في حصول الانسان على الراحة والطمأنينة التي يحتاجها لمواجهة صعوبات الحياة، مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (عجبا لأمر المؤمن . إن أمره كله خير . وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن . إن أصابته سراء شكر . فكان خيرا له . وإن أصابته ضراء صبر . فكان خيرا له) رواه مسلم.

ويعد التدين عاملاً مهماً في استقرار وامان المجتمعات، واقامة مبادئ التكافل والعدل والنصرة والمحبة والعطف، وما إلى ذلك من مشاعر وأخلاق ترتبط جذورها بالدين ارتباطا وثيقا، لذلك رأى الفيلسوف الألماني "فيخته" أن هناك تلازماً بين الدين والأخلاق حين فقال : "إن الدين من غير أخلاق خرافة والأخلاق من غير دين عبث". و كذلك يرى الفيلسوف الألماني "كانت" أن الأخلاق هي الضمان الذي يوثق به الدين .

اخيرا إن القول بوجود فطرة التدين لدى الانسان ليست كافية وحدها لتحقيق التدين المطلوب من كل فرد مكلف ، بل لا بد من تعلّم شرائع الدين وتطبيقها، والاعتناء بهذه الفطرة وتنميتها بالتربية والتوجيه، ضمن القيم والأخلاق التي سار عليها الأنبياء وهدوا الناس إليها. حتى لا تضل الطريق وتنحرف عن منهج الوحدانية، وضرورة تعهدها منذ الصغر حتى لا تحيد على الخط الصحيح الذي نشأت عليه، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول: (كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه ، و ينصرانه ، و يمجسانه ، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء) رواه أحمد .

 

د.نهى قاطرجي
  • مـقـالات عامة
  • مـقـالات نسائية
  • مـقـالات موسمية
  • مـقـالات الأمة
  • المكتبة
  • القصة
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط