اطبع هذه الصفحة


احْمِلْ عَنِّي هَذّا المَتَــــاع ..

نور الجندلي

 
هل أنتَ مُسافرٌ معي في ذات الرّحلة ؟ تبدو قوياً واثقاً لا يهمك خطب ، ولا يهزّك كرب ..
هذا متاعي ، هل تحملهُ معي ؟
فيه كلّ ما حصدته وحصلتُ عليه في سنوات عمري الطّويلة ، منذُ أن بدأتُ أحلم ، إلى ما بعد تحقيق الحلم !
فيه أوسمتي التي نلتُ ، شهاداتي التي حققتُ ، نجاحاتي التي بها حفلت ..
فيها عمري ، وآثاره !
وتلك التّحف التي أحببتها فاقتنيتها ، والهدايا العزيزة جداً على قلبي ..
احمل عنّي ..
مجوهراتي وعطوري وحقيبة الملابس الفخمة ، تلك التي أخذتها معي لأنني أحببتُ امتلاكها يوماً ، فامتلكتها ، ولم أرتديها ..!
واحمل عنّي ذلك القصر المنيف الذي بعتُ حياتي كلها كي أبنيه ، احمله لي بستائره ونوافذه وأبوابه المُذهّبة ، وقبابه الفسيفسائيّة ، وأعمدته المنحوتة - مهما ثقلت - !
وخذ معك أولادي الذين أنجبتهم لأفاخر بهم ، ويتكاثر أبناء قبيلتي ، فنغلب القبائل الأخرى عدداً ، ونغيظ الحاسد ، ونكيد العدو ..
قد تجدهم أشباه بشر ، لكنني أردتهم هكذا ، ظننتُ أني أبلي حسناً في تربيتهم ، هاهم معنا ، بيننا .. خذهم ، احملهم عنّي فقد تعبتُ من حمل أمتعتي الكثيرة ، وناء بها كاهلي ..
وخذ ساعات المرح التي قضيتها أضحكُ ملء ثغري ، وتلك اللحظات التي رحتُ ألعبُ بها غافلة إلا عن فرحي .. وكلُّ الضحكات التي ساقت بعضها البعض لتحرق الرّقة في قلبي ..
هذا كبريائي الذي صنع منّي مارداً ضخماً يرى البشر حوله أقزاماً ، قد حملتهُ معي ، وتلك لحظات التفاخر قد تنامت لتضغط بقهر على قلبي ..
فاخرتُ بنسبي وعلمي ومالي وولدي وزينتي .. فحملت كلّ ما فاخرتُ به معي في رحلتي ..
ظننتُني قويّة لا أُقهر ! وأكثرتُ من متاعي ، في كل محطات حياتي ، كان زادي شيئاً جديداً شغفتُ به ، فأخذته معي ..
والآن تعلن بداية الرّحلة ، الطريقُ مقفرة ، والشّمس فوق الرؤوس حامية ، والأقدام حافية ، وكل دنياي على كاهلي .. فياويحي كيف الوصول ؟ وكيف الصمود في طريق موحشة طويلة ، لا تبدو نهايتها لناظر !
أُقفلت بواباتُ العودة ، وعمّ الصمتُ والذهول ، ومسّني وغيري الكرب ..
كل أهل الدنيا في محشر ، يحملون ما حصدوه " كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً "

تتحطم في هذه اللحظة الأحلام ، ويستحيلُ الحصادُ هشيماً ، كل النجاحات تتهاوى ، وكل الصحائف تطيش ..
إلا من ثلّة عرفوا معنى التّزود من الدنيا ، فاختاروا العمل الصّالح ...
صحائفهم بيضاء ، وقلوبهم مضيئة مشرقة مستبشرة بوعد الله لهم في الجنة ..
كل ما تمنوه في حياتهم هاهم يحققونه الآن ، وفوق ما تمنّوه بأضعاف ..
كلّ منا يختار نهايته بيديه ، بحسب ما يعمل ، وحسب ما يتمنى ..
فلنحسن الإبصار ، ولنتخيّر لأنفسنا أرقى الخواتيم ..

إضاءة :
قال تعالى : ( اعلموا أنما الحياة الدنيا لهو ولعب وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الاموال والاولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الاخرة عذاب شديد ) .

 

نُورٌ ومِسك
  • مـقـالات
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط